اخبار لبنان
عاجل | السلطة تخسر شرعيتها قبل صلاحياتها: حين تسقط الشراكة يسقط النظام

📌 محتوى المقال
🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | السلطة تخسر شرعيتها قبل صلاحياتها: حين تسقط الشراكة يسقط النظام
في خطاب القَسَم، شخّص رئيس الجمهورية جوزيف عون معضلة البلاد باعتبارها «أزمة حكم وحكّام، وعدم تطبيق الأنظمة أو سوء تطبيقها وتفسيرها»، وتعهد بـ«الحفاظ على الميثاق ووثيقة الوفاق الوطني»، وبأن تعمل الدولة على «إزالة الاحتلال الإسرائيلي وردّ عدوانه عن كامل الأراضي اللبنانية».
هذا التعهّد ليس ترفاً سياسياً، بل التزاماً دستورياً قاطعاً. ومن يخرج عن نصّ قسمه، يخرج عن شرعيته قبل أن يُسائل على صلاحيته. فشرعية السلطة في لبنان مرهونة بالتزامها بالميثاق الوطني ومقتضيات العيش المشترك، وأي تطبيق انتقائي لاتفاق الطائف أو تفسير مغلوط للدستور يفقدها مشروعيتها الميثاقية.
الصلاحية تنبع من موقع السلطة، أما الشرعية فتنبع من الميثاق الوطني. وعندما تتكاملان تقوم الدولة؛ أما حين تنفصلان، فتدخل البلاد في ما يمكن وصفه بـ«انفصال السلطة عن مصدرها». وهذا التمييز بين الصلاحية والشرعية كرّسه فقهاء القانون الدستوري الفرنسي، أمثال موريس هوريو وجورج بوردو، ضمن مفهوم «الشرعية الدستورية» (Légitimité constitutionnelle)، حيث لا تستمد السلطة مشروعيتها من كونها منتخبة فحسب، بل من ممارستها للسلطة وفق روح الدستور.
ويستند هذا «الانفصال» إلى ثلاثة مبادئ: أولها «السلطة التأسيسية» (إيمانويل جوزيف سيييس) التي تعتبر الشعب مصدر الإرادة الأصلية، وأن كل سلطة لاحقة ليست سوى هيئة مفوّضة؛ وثانيها «انحراف السلطة» (Détournement de pouvoir)، الذي يُبطل استخدام الصلاحية في غير الغاية التي مُنحت لأجلها؛ وثالثها «فقدان الشرعية الدستورية» عندما تنفصل الممارسة السياسية عن روح الدستور. وفي مختلف المدارس الدستورية، يشكّل هذا الانفصال بداية أزمة بنيوية تفتح الباب أمام الانهيار.
الفقرة (ي) ليست بلاغة
قليلون يدركون قوة الفقرة (ي) من مقدمة الدستور التي تنص على أنه: «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك». هذه قاعدة دستورية كرّسها المجلس الدستوري في قراره 2/2001 كنص ملزم. وفي الفقه الدستوري الفرنسي ترتقي إلى مستوى «النظام العام الدستوري» (Ordre public constitutionnel)، أي المبادئ التي لا تمسّ حتى من السلطة المخوّلة تعديل الدستور نفسه.
والسؤال: من يفعّل فقدان الشرعية الميثاقية؟
ليست جهة واحدة، بل منظومة متكاملة: مجلس شورى الدولة عبر الطعون الإدارية، والمجلس الدستوري اللبناني عبر الرقابة الدستورية, والكتل النيابية عبر سحب الثقة أو المحاكمة (المادتان 60 و70)، وأخيراً المكوّن المُقصى حين ينسحب من التسوية. والتاريخ اللبناني يؤكد أن الانهيارات تبدأ من سقوط الشراكة لا من سقوط النصوص.
في صيف 1958 حاول كميل شمعون تعديل الدستور، فواجه انتفاضة قادها معروف سعد وصائب سلام ورشيد كرامي وكمال جنبلاط. ورغم الإنزال الأميركي في 15 تموز، سقط المشروع لأن التوازن الميثاقي كان قد انهار قبل الدستور. لكن المحطة الأخطر كانت داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فقد طلب شمعون من قائد الجيش، اللواء فؤاد شهاب، قمع الانتفاضة، فرفض شهاب خشية على المؤسسة من الانقسام الطائفي. وقد أهّله هذا الموقف الحيادي لاحقاً ليكون مرشح التسوية الوحيد لرئاسة الجمهورية. يومها بقيت الصلاحية الدستورية بيد شمعون حتى نهاية ولايته، لكن الغلبة كانت للميثاق.
المشهد نفسه تكرّر، بزخم أعنف، في الثمانينيات. ففي 17 أيار 1983، وقّعت الحكومة اللبنانية اتفاقاً مع العدو الإسرائيلي، بتغطية برلمانية أمّنها رئيس المجلس كامل الأسعد، فيما تولّى رئيس الحكومة شفيق الوزان توفير الغطاء الحكومي والسياسي السنّي، بدعم من صائب سلام قبل أن يتراجع لاحقاً.
في المقابل، تشكّلت جبهة الخلاص الوطني في تموز 1983، (ضمّت رشيد كرامي ووليد جنبلاط عن الدروز والرئيس سليمان فرنجية ونبيه بري). وفي الوقت نفسه، كانت القوات المتعددة الجنسيات، التي دخلت بيروت بطلب من الحكومة لحماية الاتفاق، تتلقى ضربات موجعة من فصائل مقاوِمة مجهولة، بلغت ذروتها في عملية 23 تشرين الأول 1983 التي دمّرت ثكنتي المارينز الأميركيين والمظليين الفرنسيين، ما أدى إلى انسحاب القوات الأجنبية تباعاً بين شباط وآذار 1984.
في 6 شباط 1984 بلغت الانتفاضة ذروتها. ووقع الخطأ الذي تفاداه شهاب: إذ طلب الرئيس أمين الجميل من قائد الجيش العماد إبراهيم طنّوس التدخل لقمع الانتفاضة، فانقسم الجيش طائفياً، وانشقت ألوية بكاملها. اضطر الجميّل إلى التوجه نحو دمشق، فأُلغي اتفاق 17 أيار في 5 آذار 1984، وأُرغم طنّوس على الاستأوضحة. الدرس واحد: إدخال الجيش في الانقسام يفككه، وحياده يحفظ الوطن. وهو درسٌ راهن لا تاريخيّ فحسب: فقائد الجيش اليوم، إذ يصمد في وجه ضغوطٍ هائلة لتحميل المؤسسة مهامّ قد تشقّها، إنّما يخطو خطى شهاب لأنّ الجيش لا يكون درعاً للبنان إلّا بإجماعٍ وطنيّ. وهي قاعدةٌ كونية: في الدول التوافقية، الإجماع سابقٌ على الأكثرية، وكسرُه - كما في يوغوسلافيا - مقدّمةُ تفتّت.
عاجل | السلطة تخسر شرعيتها قبل صلاحياتها: حين تسقط الشراكة يسقط النظام


