عاجل عاجل | إعلام عبري يكشف.. خلايا إيرانية تدربت في إسرائيل وخفايا تفجير “البيجر” ومخطط أحبط لتفكيك طهران
صحافة

عاجل | العقيدة الأمنية الصهيونية: من وهم الحسم إلى إدارة الاستنزاف

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | العقيدة الأمنية الصهيونية: من وهم الحسم إلى إدارة الاستنزاف

لم يعد الصراع الإسرائيلي مع لبنان يُدار وفق القواعد التي حكمت المواجهات السابقة، ولا وفق النموذج الذي ساد منذ ما بعد حرب تموز 2006، والقائم على جولات ردعية محدودة تهدف إلى ضبط التهديد لا اجتثاثه. ما جرى منذ السنوات الأخيرة، وتحديدًا بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، بعد السابع من تشرين الأول 2023، يكشف انتأوضحًا واضحًا في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي من إدارة الصراع إلى محاولة إعادة هندسة البيئة الأمنية المحيطة بالكامل، انطلاقًا من قناعة بأن قواعد اللعبة القديمة لم تعد قادرة على تأمين الأمن للكيان الصهيوني أو احتواء تهديدات خصومه.

لفهم طبيعة التحوّل الجاري، لا بد من التمييز بين العقيدة الأمنية الإسرائيلية القديمة والجديدة. فالعقيدة القديمة، التي تكرّست خصوصًا بعد حرب تموز 2006، قامت على ما يمكن تسميته "إدارة التهديد" لا إنهاءه؛ أي الاعتماد على الردع، والإنذار المبكر، والردود العسكرية المحدودة ضمن ما عُرف بجولات الردع، بهدف فرض هدوء نسبي ومنع الخصم من تجاوز خطوط معينة، من دون الانخراط في حروب استنزافية طويلة أو احتلالات مكلفة. كانت الفكرة الأساسية أن القوة العسكرية تُستخدم لضبط البيئة الأمنية وإعادة ترميم الردع كلما تآكل، لا لإعادة هندسة البيئة بالكامل. أما العقيدة الجديدة، فقد نشأت من قناعة إسرائيلية بأن هذا النموذج فشل في منع تعاظم قدرات الخصوم، وأن سياسة الاحتواء سمحت بترسيخ تهديدات أكثر تعقيدًا. لذلك انتقل التفكير الإسرائيلي نحو مقاربة هجومية أكثر حدّة، تقوم على الضربات الاستباقية، والحرب متعددة الجبهات، وتوسيع حرية العمل العسكري، ومنع تشكّل أي توازن ردعي يقيّد القرار الإسرائيلي مستقبلًا. باختصار، انتقل الكيان الصهيوني من محاولة إدارة الصراع ضمن قواعد مضبوطة، إلى محاولة تغيير قواعده نفسها وفرض بيئة أمنية جديدة بالقوة.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فطبيعة الخصم غير الدولتي (حماس وحزب الله)، وقدرته على التكيف، وامتصاص الضربات، وإعادة بناء قدراته، دفعت الكيان تدريجيًا إلى مراجعة عقيدته الأمنية التقليدية. فالتفوق العسكري لم يعد كافيًا لإنتاج نتائج سياسية مستقرة، والحسم السريع الذي شكّل لعقود جزءًا من العقيدة الإسرائيلية بات أكثر صعوبة في بيئات الحرب غير المتكافئة. لذلك، برزت مقاربة هجومية جديدة تقوم على توسيع هامش المبادرة العسكرية، وضرب التهديدات استباقيًا، وإعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية بالقوة.

في الحالة اللبنانية، يعني ذلك أن الهدف لم يعد يقتصر على الردع أو فرض كلفة على حزب الله، بل تجاوز ذلك نحو خلق واقع أمني جديد: مناطق عازلة؛ حرية حركة عسكرية أوسع؛ تقويض البنية العسكرية للمقاومة؛ ومنع تشكل ميزان ردع يقيّد القرار الإسرائيلي مستقبلاً. لكن المشكلة أن هذه الأهداف، رغم وضوحها النظري، تصطدم بحدود الواقع الميداني. فهنا تكمن المعضلة الإسرائيلية الأساسية: القدرة على تحقيق إنجازات عملياتية لا تعني القدرة على إنتاج حسم استراتيجي. يمكن لسلاح الجوّ أن يضرب، ويمكن للاغتيالات أن تربك، ويمكن للقوة النارية أن توسّع مساحة الضغط، لكن ذلك لا يترجم تلقائيًا إلى استقرار دائم أو نهاية للصراع. بل إن التجربة تشير إلى نتيجة معاكسة: كلما ارتفع مستوى القوة المستخدمة، ارتفع احتمال الانزلاق إلى استنزاف متبادل.

هذه هي المفارقة التي تواجه العقيدة الإسرائيلية الجديدة. فقد جرى الانتأوضح من نموذج "جولات الردع" لأنه اعتُبر عاجزًا عن إنهاء التهديد، لكن البديل المطروح يبدو عالقًا في مأزق آخر: تصعيد مكلف دون حسم نهائي. فالعدو الذي أراد تجاوز منطق إدارة التهديد، يجد نفسه يعود إلى إدارة أزمة مفتوحة، ولكن بكلفة أعلى. ما يزيد الأزمة تعقيدًا أن الصراع مع لبنان ليس مجرد ملف أمني قابل للمعالجة بأداة عسكرية. إنه صراع بنيوي يتصل بالهوية والشرعية وتوازنات القوة الإقليمية. ولذلك، فإن محاولة حله بمنطق تقني أو عملياتي فقط تبدو قاصرة بطبيعتها. من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف يحسم الكيان؟ بل: كيف يدير مأزق عدم القدرة على الحسم؟

الخيارات المتاحة ليست واسعة. التصعيد الشامل يحمل مخاطر غير مضمونة النتائج. التراجع يعني اعترافًا ضمنيًا بفشل العقيدة الجديدة. المسار السياسي الداخلي اللبناني لا يوفّر بالضرورة بيئة تسمح بتغيير جذري في ميزان القوى. أما الضغط الاقتصادي أو القانوني، ففعاليته محدودة في مواجهة صراع ذي طبيعة استراتيجية عميقة. لهذا، يبدو السلوك الإسرائيلي أقرب إلى إدارة ضغط تدريجي ومحسوب، لا إلى قرار بالحسم الكامل. القصف، التوغلات الموضعية، الأعمال الهندسية، توسيع حرية العمل العسكري، الضغط النفسي والميداني، كلها أدوات تعمل ضمن منطق تصعيدي، لكن تحت سقف معيّن يمنع الانفلات الكامل. ليست المسألة تراجعًا عن التصعيد، بل محاولة ضبط كلفته.

وهنا تبرز مقاربة دانيال سوبلمان حول "الصراع منخفض الشدة" بوصفها إطارًا مفيدًا لفهم بعض أنماط هذا السلوك. فالصراع منخفض الشدة لا يعني غياب الردع أو الفشل فيه، بل قد يكون شكلًا من أشكال الردع داخل الحرب نفسها. الفكرة الأساسية أن العنف لا يتوقف، لكنه يبقى مضبوطًا ضمن قواعد غير مكتوبة تحدّد حدود المقبول والمرفوض، وتمنع الانزلاق الفوري إلى الحرب الشاملة. وفق هذا المنطق، لا يكون الهدف تحقيق نصر نهائي، بل إدارة صراع طويل الأمد يفرض قيودًا على الخصم ويرفع كلفة سلوكه، دون الوصول إلى الانفجار الكامل. وهذا لا يخص الطرف الأضعف فقط، أي الفاعل غير الدولتي؛ فقد يلجأ إليه الطرف الأقوى أيضًا عندما تصبح الحرب الشاملة عالية الكلفة عليه، أو غير مضمونة النتائج، أو حين تتداخل الضغوط الداخلية والإقليمية.

لكن السؤال في الحالة اللبنانية هو ما إذا كانت هذه القواعد ما زالت موجودة أصلًا. فالحروب الأخيرة أظهرت أن قواعد اللعبة القديمة تعرضت لتآكل عميق. لم يعد المشهد يشبه مرحلة الردود المحسوبة التي كانت تُفهم حدودها مسبقًا. ما نشهده أقرب إلى صراع على إعادة تعريف القواعد نفسها. وهنا يصبح مفهوم "توازن الهشاشة" أكثر دقة من مفهوم توازن القوة التقليدي. فالكيان يتفوق عسكريًا بلا شك، لكنه ليس منيعًا أمام التهديدات التي تستهدف الجبهة الداخلية، الاقتصاد، الأمن الاجتماعي، واستقرار الحياة اليومية. وفي المقابل، يعتمد حزب الله على المرونة والقدرة على الامتصاص والتكيّف وخلق كلفة مقابلة منخفضة الكلفة نسبيًا وعالية الإزعاج والتهديد.

هذا يعني أن الردع لم يختفِ بالكامل، لكن تغيّر شكله. لم يعد ردعًا يمنع الاشتباك، بل ردعًا يعمل داخل الاشتباك نفسه لمحاولة ضبط سقفه. غير أن هذا النموذج يبقى هشًا بطبيعته، لأن سوء تقدير واحد، أو تغيير في تعريف الخطوط الحمراء، قد يحوّل الصراع المضبوط إلى حرب مفتوحة. إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل الحسابات الإسرائيلية عن البيئة الإقليمية الأوسع. فالتشابك بين الجبهات، وتعقيدات العلاقة مع إيران، واحتمالات دخول أطراف إضافية، كلها عوامل تجعل أي قرار إسرائيلي أكثر تعقيدًا. ولهذا، فإن أحد السيناريوهات المحتملة ليس الحسم بل شراء الوقت: إدارة الأزمة، ترميم القدرات، إعادة التموضع، وانتظار لحظة أكثر ملاءمة.

الخلاصة أن الكيان الصهيوني يبدو اليوم أمام مأزق استراتيجي حقيقي: لا يستطيع العودة ببساطة إلى قواعد الصراع القديمة، ولا يبدو قادرًا على فرض نظام أمني جديد يحسم الصراع لمصلحته. وبين هذين الحدّين، يتحول الخيار الواقعي من "حل المشكلة" إلى "إدارة الانسداد". وفي صراعات من هذا النوع، قد لا يكون أخطر ما في الحرب الفشل في الانتصار، إنّما النجاح في إطالة حرب لا يستطيع أحد إنهاءها.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى