العرب والعالم

هل تخمد “المحاصصة” في سوريا مفاعيل الصراع بين تركيا وإسرائيل؟!


من الحزب الحاكم. اختارت بعناية شديدة لحظة إخراج هذا العرض إلى العلن، بعدما وجد الأتراك فيه مناسبة لإظهار قوتهم، والحاجة الماسة إليهم من قبل عدو خاض كل حروبه مجتمعة بالنار والحديد قبل أن يتوسل الدبلوماسية مع أنقرة، التي ستساوم دمشق، ولا شك، موقفها هذا حين تصرفه لاحقاً في السياسة القابضة على القرار في دمشق كما يرى مراقبون.

في المقابل، ثمة وجهة نظر أخرى لا ترى في رفض أنقرة للعرض الإسرائيلي غير إعراض تكتيكي عن جزء من الكعكة لأجل الحصول عليها كاملة، متكئة على إرث عثماني لا تزال “شام شريف” درة التاج فيه، وقوة ثقافية وديموغرافية ناعمة فرضتها قرون السيطرة الأربعة على سوريا، فلا يحك سوري جلده إلا ويجد تحته الجلد العثماني، فضلا عن الوجود العسكري التركي المباشر على الأرض السورية.
الرفض التركي إذا ليس تعففاً، ولغير الانتصار لدمشق تمتنع أنقرة عن تقاسم البلاد مع تل أبيب، التي قد تلوم نفسها على سخاء عرضها، فلو اقتصدت فيه ربما لما أعطت أنقرة هذا الزخم المعنوي الذي بوأها مكانة من يملك القدرة على العطاء، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تأخذ من هيبتها على وقع الغارات الجوية التي استهدفت قواعدها الجوية في سوريا وعلى مقربة من الحدود التركية، حتى قبل أن يوضع فيها حجر الأساس بعد ذلك.
مقترح إسرائيلي لتقاسم النفوذ
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “Türkiye Gazetesi” التركية عن مقترح قالت إن إسرائيل وسطت دولة ثالثة من أجل نقله إلى الأتراك، ويقوم على تحديد مناطق نفوذ عسكري لكل من إسرائيل وتركيا داخل سوريا مقابل تفاهم يمنع الصدام المباشر بين الطرفين.

ووفقاً للصحيفة التركية، فإن التصور الإسرائيلي يقوم على اعتبار محور جسر الشغور–سهل الغاب–حماة خطاً فاصلاً تقريبياً بين مجالات النشاط العسكري، فيما تريد إسرائيل أن تمارس الحركة العسكرية في نطاق جغرافي يشمل حمص والقنيطرة وطرطوس ودمشق ودرعا، في مقابل ترك حرية النشاط العسكري لتركيا في حلب وحماة والحسكة ودير الزور والرقة.
لكن التفصيل الأكثر حساسية بقي متعلقا بالجنوب السوري، فبحسب التقرير طلبت إسرائيل من تركيا عدم الاعتراض على إنشاء ممر عسكري يمتد من الجولان باتجاه السويداء، إلى جانب ترتيبات إسرائيلية للدفاع الجوي ضمن ما وصفته الصحيفة بمجال النفوذ غير المباشر.
وفي الوقت الذي تقول فيه الصحيفة إن أنقرة رفضت المقترح، فإنه لم يرد حتى الآن أي إعلان رسمي إسرائيلي أو تركي يؤكد هذه الخريطة بالتفاصيل التي أوردتها الصحيفة، كما لم تكشف “Türkiye  Gazetesi”  اسم الدولة الوسيطة أو التوقيت الذي تم فيه تقديم الاقتراح، أو المستوى السياسي والأمني الذي نوقش فيه.
مصلحة إسرائيلية
يتبنى المحلل السياسي السوري جمال رضوان فكرة أن إسرائيل عرضت على تركيا تقاسم النفوذ في سوريا، ويستدل على ذلك بقيام تل أبيب بتعيين قائم جديد بالأعمال في أنقرة يُدعى “جويل ليون”، مع ما سبق ذلك من لقاءات عقدت في أذربيجان مع وجود قنوات اتصال دائمة بين الطرفين.

وأوضح رضوان في حديثه لـ “RT” أن إسرائيل تعي جيداً أن التصعيد العسكري ضد تركيا في سوريا لن يحل مشاكلها أو يحد من حجم النفوذ التركي في هذا البلد، بل يمكن أن يشكل دافعا لدمشق وأنقرة من أجل تعزيز التعاون بينهما في مواجهة تل أبيب، التي التقطت إشارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخصوص عدم رغبته في التصعيد بين تركيا وإسرائيل، ودفعه باتجاه إبرام تفاهم بينهما، وهو ما جعل الطلب الإسرائيلي يتحلى بالواقعية.
وأضاف المحلل السياسي بأن بروز “تحالف مكة” الذي يضم تركيا وباكستان والسعودية، والذي يحظى برضى واشنطن، أثار قلق إسرائيل من رغبته الضمنية في محاصرة مشاريعها التوسعية في سوريا، وفي البحر الأحمر وحوض البحر المتوسط على المستويين السياسي والأمني، بعيداً عن المستوى العسكري الذي تبرع فيه إسرائيل أكثر من غيرها، سيما وأن اليونان والهند حليفا إسرائيل يقفان على النقيض من باكستان وتركيا، التي تخشى من التعاون الإسرائيلي اليوناني في مجال الدفاع الجوي والصفقات النوعية التي أبرمت بهذا الشأن.

وعليه، فإن إسرائيل باتت مضطرة، وفق رضوان، إلى إيجاد صيغة تفاهم مع تركيا توفر عليها الكثير من الجهد، بعدما أدركت أن هذه الأخيرة قادرة على عرقلة مخططاتها في أكثر من جبهة من جبهات القتال التي تخوض فيها أشرس المعارك، سواء في جنوب لبنان حيث يمكن أن تقدم نفسها كضامن يمكن أن يساهم في تسوية الخلاف حول سلاح “حزب الله” ويحظى بدعم من واشنطن، أو في جنوب سوريا حيث يمكن أن تعمد إلى تسليح الجيش السوري ودعمه، وهو ما تخشاه تل أبيب التي تفضل نقاشات مباشرة مع أنقرة تحصل من خلالها على ضمانات من قبل هذه الأخيرة حول هذا الموضوع.
محاذير أنقرة
من جانبه، يرى المحلل السياسي حمدان عبد الحق أنه، وبالنسبة لتركيا، تبدو المقاربة مختلفة وأبعد من مجرد الحصول على حصة، فالتوافق مع إسرائيل على تقسيم النفوذ في سوريا قد يمهد من وجهة نظره إلى تقسيم أخطر داخل تركيا نفسها، حيث التنوع العرقي والمذهبي والحساسيات القومية والعقدية التي قد تفضي إلى تقسيم فعلي في سوريا تنتقل عدواه لاحقا إلى تركيا نفسها.
وأشار عبد الحق في حديثه لـ “RT” إلى أن أنقرة، ورغم الصفعات التي تلقتها من إسرائيل داخل سوريا، فإنها تمارس سياسة النفس الطويل نتيجة وجودها المسلح على الأرض، وتأثيرها الواضح على قسم كبير من السوريين، سواء عبر القومية حيث تعود أصول عائلات سورية كثيرة إلى القومية التركية، أو عبر المذهب السني الذي يدين به أغلب السوريين، وهو ما يجعلها تراهن على تغيير في السياسة الإسرائيلية قد تحمله معها الانتخابات المقبلة في إسرائيل، وحينها ستوفر على نفسها التصعيد الذي ينتهجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم ويسعى إلى جر أنقرة إليه.

ولفت المحلل السياسي إلى أن تركيا لا تريد شريكاً لها في سوريا، وهي انتقلت إلى مرحلة دعم الثورة السورية، رغم أن بشار الأسد كان قد أبرم معها اتفاقيات اقتصادية تصب بمجملها في مصلحتها، كما أنه كفاها خطر الأكراد الذين تتذرع بهم دائماً من أجل التوسع حين نسق معها أمنياً بشأنهم، لكنها أرادت، باعتبار نفسها مرجعية إسلامية للثورة السورية، أن تستلحق سوريا كاملة بها، ابتداء من فرض قرارها السياسي وصولا ربما إلى ضمها أو ضم الشمال السوري برمته تحت مزاعم تاريخية لم يتبرأ منها الأتراك يوماً، وهي اليوم تجاه إسرائيل لا تستعجل الصدام، بل ترسم استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى وضع يدها بشكل تام على هذا البلد.
اتفاق من تحت الطاولة
بدوره، شدد المحلل السياسي إبراهيم العلي على فكرة أن تركيا وإسرائيل تعرفان جيداً كيف تديران خلافاتهما بصرف النظر عن ضجيج التصريحات النارية المتبادلة التي تخدم الطرفين، وخصوصاً الطرف التركي الذي يطرب لكل شتيمة إسرائيلية تناله، فهي بالنسبة له قنبلة دخانية تعمي جمهوره العربي والمسلم وحتى التركي عن موقفه فيما يتعلق بالجرائم في غزة والاجتياحات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب السوري، فيما العلاقات السياسية والتجارية من تحت الطاولة بين تركيا وإسرائيل في أحسن حالاتها.

وأكد العلي في حديثه لـ “RT” بأن الخطط بشأن تقاسم النفوذ في سوريا ليست جديدة، بل هي سبقت عملية إسقاط نظام الأسد، حيث كانت كل من تركيا وإسرائيل عاملين فاعلتين في التغيير الكبير الذي حصل في سوريا، وهو الأمر الذي أشار إليه نتنياهو صراحة قبل وبعد السقوط، حين قال بأن الأسد يلعب بالنار، فيما لم يتردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الإطراء على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حين قال له بأنه نجح في ما لم ينجح به غيره وهو السيطرة على سوريا.
توطئة سابقة
ومع ذلك، فإن الحديث عن تقسيم مجالات الحركة العسكرية بين أنقرة وتل أبيب في سوريا سبق تقرير الصحيفة التركية بوقت طويل، ففي أبريل 2025 أشار المحلل العسكري الإسرائيلي رون بن يشاي في “Ynet” إلى أن إسرائيل كانت تبحث تصوراً يقوم على توزيع مناطق النفوذ في سوريا، بحيث يكون الشمال ضمن مجال النفوذ التركي، والجنوب ضمن مجال الحركة الإسرائيلية، مع وجود أمريكي في الشرق وروسي على الساحل.
وبعد ذلك بأيام، كشفت “Ynet” عن لقاء مباشر بين مسؤولين إسرائيليين وأتراك في أذربيجان هدف إلى إنشاء آلية لمنع الاحتكاك العسكري في سوريا.
ونقلت الصحيفة عن الجانب التركي أن إسرائيل طرحت آنذاك تصوراً يقسم سوريا إلى ثلاث مناطق حركة عسكرية: شمالية لتركيا، وجنوبية لإسرائيل، ومنطقة وسطى تتطلب التنسيق بين الطرفين.
ومع التسليم بأن الاتصالات بين إسرائيل وتركيا كانت تتم بشكل مباشر، وليس افتراضياً كما حصل في أذربيجان التي استضافت منذ أبريل 2025 محادثات بين وفدين برئاسة رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي آنذاك تساحي هنغبي، وأفضت تلك الاتصالات إلى إنشاء آلية تنسيق لتجنب الاحتكاك العسكري داخل سوريا، كما ذكرت تقارير إسرائيلية لاحقة، فإنه لا يوجد حتى الآن تأكيد مستقل للخريطة المحددة التي نشرتها “Türkiye Gazetesi”، وخصوصاً ما يتعلق بضم حمص وطرطوس إلى مجال التحرك الإسرائيلي، أو إنشاء ممر عسكري بين الجولان والسويداء.


المصدر الأصلي: arabic.rt.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى