من الأمن إلى الإعمار.. هل تملك الدولة كلفة عودتها إلى الجنوب؟

الإعمار هل
من سرية الدرك في كفرجوز إلى بلدية النبطية، ثم مقر الدفاع المدني ومراكز أمن الدولة والأمن العام والسرايا الحكومية وصولًا إلى سوق المدينة، توزعت جولة رئيس الحكومة نواف سلام في النبطية، الجمعة، على مؤسسات تتصل مباشرة بحياة الناس. أمن وإدارة ودفاع مدني وخدمات، في مدينة قال منها سلام إن أساس عودة الجنوبيين هو “الأمن والأمان في الجنوب”، قبل أن ينتقل في كلمته إلى ما تستطيع الدولة إنجازه، وما يحتاج منها إلى موارد إضافية.
وجاءت الجولة بعد عودة سلام من نيويورك وواشنطن، حيث قال إن حاجات الجنوب كانت حاضرة في لقاءاته مع الأمين العام للأمم المتحدة والمسؤولين الأميركيين ورئيس البنك الدولي، سعيًا إلى توفير موارد إضافية للتعافي وإعادة الإعمار. وفي اليوم السابق للجولة، أقر مجلس الوزراء مشروع موازنة 2027، بعدما عرض سلام أمام الوزراء نتائج لقاءاته مع رئيس البنك الدولي ورئيس صندوق النقد الدولي.
هكذا تزامن الحديث عن مشاريع جديدة في الجنوب مع إقرار الإطار المالي الذي ستعمل الدولة ضمنه العام المقبل. لكن النبطية ليست نموذجًا لمنطقة غابت عنها الدولة، ولا هي من القرى التي ما زال الاحتلال الإسرائيلي يمنع الوصول الكامل إليها. فثمّة مؤسسات رسمية تعمل فيها أصلًا، كما أنّ هذه الزيارة هي الثالثة لسلام إليها منذ تشكيل حكومته، ما يطرح السؤال عن قدرة الدولة على تحويل وجود مؤسساتها إلى خدمات وإعمار وعودة مستقرة، وعن كلفة ذلك.
من الحضور إلى الفاعلية
اختار سلام أن يعيد ترتيب زياراته الثلاث إلى النبطية بنفسه، محدّدًا وظيفة كلّ واحدة منها. الأولى جاءت في اليوم التالي لنيل الحكومة الثقة، وكان هدفها، بحسب قوله، الاستماع إلى احتياجات المنطقة وأولوياتها. وفي الثانية أعلن بدء مسار إعادة الإعمار بعدما جرى تأمين أول رزمة من التمويل. أما الثالثة، فخصّصها للإعلان عن مناقصات ومشاريع، في محاولة للانتقال من تحديد الاحتياجات وتأمين التمويل الأولي إلى التلزيم والتنفيذ.
وفي هذا السياق، أعلن الانتهاء من ترميم سرايا النبطية الحكومية وإعادة افتتاح مركز أمن الدولة ودائرة النفوس ومركز الأمن العام، على أن يعاد قريبًا افتتاح قصر العدل، فيما وضع حجر الأساس لمقر جديد للدفاع المدني. ورافقه في الجولة وزير الداخلية وقادة الأجهزة الأمنية ورئيسا مجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب. وبذلك، يصبح بالإمكان قياس حضور الدولة بقدرة مؤسساتها على أداء وظائفها اليومية وخدمة الناس، لا بمجرد وجودها.
ويختلف هذا الوضع عن القرى التي تقيد إسرائيل حركة المؤسسات اللبنانية فيها أو تعرقل الوصول إليها. ففي النبطية لا يتعلق الأمر أولًا بإمكان الوصول، وإنما بفاعلية المؤسسات الموجودة. وبالتالي، فإن عدد المراكز التي أعيد افتتاحها ليس وحده معيارًا كافيًا، لأن المقياس الحقيقي هو انعكاس هذا الحضور أمنًا وخدمات واستمرارًا للنشاط الاقتصادي وقدرة للناس على البقاء أو العودة. وهذا تحديدًا هو الفارق بين وجود الدولة وقدرتها.
من المناقصات إلى كلفة الإعمار
خلال جولته في النبطية، قدّم سلام أرقامًا أكثر تحديدًا. فقد أعلن أن مجلس الإنماء والإعمار أطلق 23 مناقصة تشمل، في قضاء النبطية ضمن مشاريع أخرى، إزالة عوائق وترميم طرق وإعادة تأهيل مراكز إيواء وتأمين سيارات إسعاف وأجهزة طبية ووسائل اتصال. وقال إن المجلس يعمل أيضًا على إطلاق 12 مناقصة إضافية خلال شهر تشرين الأول لترميم خمسة مستشفيات، بينها مستشفى النبطية الحكومي، وتوريد آليات للإنقاذ والإطفاء. أما تأهيل محطات الكهرباء وشبكات المياه، فأورده سلام بصورة منفصلة ضمن مشاريع يجري العمل على تلزيمها.
لكن هذه المشاريع تأتي في ظل فجوة تمويلية كبيرة. ففي مشروع موازنة 2027 الذي دخل مجلس الوزراء قبل إقراره، خُصص 7000 مليار ليرة، أي نحو 78.2 مليون دولار، لدعم النازحين، فيما لم يتضمن المشروع في صيغته التي دخلت مجلس الوزراء اعتمادات مباشرة توازي حاجات الإعمار. وفي المقابل، يشكل قرض البنك الدولي البالغ 250 مليون دولار التمويل الأولي لإطار للتعافي وإعادة الإعمار قابل للتوسع بقيمة مليار دولار، فيما يقدّر البنك حاجات التعافي وإعادة الإعمار في لبنان بنحو 11 مليار دولار.
تفسّر هذه الأرقام لماذا جمع سلام في كلمته بين إعلان المشاريع والإقرار بأن حاجات الجنوب تتجاوز قدرة الدولة على تحملها منفردة. وهي تفسّر أيضًا انتقاله إلى موقف سياسي واضح من توقيت الإعمار، إذ قال إنّ انتظار “تسوية إقليمية كبرى” ليس خيارًا للبنان، لأنها قد تتأخر سنوات أو تأتي بشروط لا يحددها لبنان. وبذلك يقدّم رئيس الحكومة مسار التعافي باعتباره عملًا ينبغي أن يبدأ بالتوازي مع السعي إلى وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، لا ملفًا مؤجلًا إلى ما بعد اكتمال التسويات الإقليمية.
تبقى المسافة بين هذا الموقف وبين التنفيذ هي المسألة التي ستظهر في الأشهر المقبلة. فبعد ثلاث زيارات إلى النبطية للاستماع، ثم إعلان بدء الإعمار، فالإعلان عن المناقصات، يبقى المحك في انتقال هذه المناقصات إلى عقود وأشغال، وعودة المستشفيات والمرافق والطرق والخدمات إلى العمل. ومن النبطية تحديدًا يمكن أن يبدأ هذا القياس، لأنها مدينة تستطيع الدولة الوصول إليها والعمل فيها اليوم. فإذا تحولت المشاريع المعلنة إلى نتائج يلمسها السكان، يكون حضور المؤسسات قد اكتسب مضمونًا عمليًا يمكن البناء عليه في بقية الجنوب. أما إذا بقي التمويل أدنى بكثير من حجم الحاجات، أو طال الانتقال من التلزيم إلى التنفيذ، فسيبقى سؤال كلفة عودة الدولة مفتوحًا حتى في المناطق التي لا يعرقل الاحتلال وصولها إليها أو عمل مؤسساتها فيها.
المصدر الأصلي: www.lebanon24.com




