عاجل عاجل | فرحات: تباين الحكومة يعكس حالة من التراجع في الرؤى حول كيفية التعامل مع التحديات الراهنة
صحافة

عاجل | من استنزاف الذخائر إلى استرضاء “الناخب”: هل أجّلت واشنطن حربها مع إيران؟

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | من استنزاف الذخائر إلى استرضاء "الناخب": هل أجّلت واشنطن حربها مع إيران؟

في لحظة سياسية مكثّفة، لا تبدو رسالة دونالد ترامب إلى الكونغرس مجرّد إجراء دستوري يندرج ضمن متطلبات الإخطار وفق قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، بل تكشف عن تحوّل أعمق في تموضع الإدارة الأميركية بين مقتضيات الحرب وحدودها، وبين ضرورات الداخل وإكراهاته. إعلان انتهاء "الأعمال العدائية" ضد إيران بحلول السابع من نيسان/أبريل، لا يمكن قراءته كخاتمة لعملية عسكرية محدودة فحسب، بل كإشارة سياسية مركّبة تعكس تراجعاً تكتيكياً مغلفاً بلغة الإنجاز.

استنزاف بلا حسم: حين تتقدّم كلفة الحرب على قدرتها

فمنذ انطلاق العمليات في أواخر شباط/فبراير، بدا أن واشنطن تنخرط في نمط اشتباك لا يشبه الحروب التي صاغت على أساسها عقيدتها العسكرية التقليدية. لم تكن المواجهة مع طهران حرباً خاطفة، ولا صداماً قابلاً للحسم السريع، بل أقرب إلى اختبار قاسٍ لقدرة الاستدامة العسكرية الأميركية، في ظل بيئة قتالية تتسم بالمرونة والتشظي وارتفاع الكلفة. هنا، تتبدى المفارقة الكبرى: قوة عسكرية تنفق ما يقارب نصف تريليون دولار سنوياً، تجد نفسها أمام استنزاف متسارع في مخزون الذخائر الدقيقة ومنظومات الدفاع الجوي، بما في ذلك "باتريوت" و”ثاد".

هذا الاستنزاف لا يُختزل في أرقام تقنية، بل يعكس خللاً بنيوياً في معادلة القوة. فالحروب الحديثة، كما تكشف التجربة الأخيرة، لم تعد تُقاس بقدرة التفوق الناري فقط، بل بمدى القدرة على تحمّل كلفة الاستمرار. ومع استهلاك نسب كبيرة من المخزون خلال أسابيع، يصبح السؤال عن الجاهزية أكثر إلحاحاً من السؤال عن التفوق.

نهاية معلنة… وحرب مؤجّلة: من المواجهة إلى إدارة التوتر

في هذا السياق، تكتسب رسالة ترامب إلى الكونغرس بعداً مختلفاً. فهي تأتي في لحظة انتهاء المهلة القانونية للستين يوماً، ما يضع الإدارة أمام خيارين: إما طلب تفويض جديد، أو الانسحاب من المشهد العسكري المباشر. اختيار إعلان "نهاية الأعمال العدائية" يبدو هنا كحل سياسي يجنّب البيت الأبيض مواجهة مع الكونغرس قد تكون مكلفة سياسياً ومالياً، خصوصاً في ظل تصاعد الشكوك حول مبررات الحرب منذ بدايتها.

لكن هذا الإعلان لا يعني بالضرورة نهاية الحرب، بقدر ما يشير إلى إعادة تعريفها. فالتأكيد المتكرر على أن "التهديد الإيراني لا يزال قائماً"، وعلى استمرار تحديث انتشار القوات، يشي بأن ما جرى هو انتأوضح من طور المواجهة المفتوحة إلى طور إدارة التوتر. بمعنى آخر، نحن أمام هدنة وظيفية، لا سلاماً دائماً.

من الجبهة إلى الاقتصاد كبديل عن الحرب

غير أن البعد الأكثر حساسية في هذا التحول يكمن في تزامنه مع تصاعد الخطاب الداخلي لترامب، لا سيما ما يتعلق بالضرائب والملفات الاقتصادية. فالإدارة التي واجهت انتقادات متزايدة بسبب كلفة الحرب، تسعى اليوم إلى إعادة توجيه النقاش نحو قضايا تمسّ حياة المواطن مباشرة. طرح إلغاء الضرائب على الضمان الاجتماعي، على سبيل المثال، لا يمكن فصله عن محاولة استعادة ثقة فئة كبار السن، وهي من أكثر الفئات انضباطاً في المشاركة الانتخابية. كذلك، فإن التلويح بتخفيضات ضريبية تطال قطاعات مثل تجارة السيارات، يستهدف شريحة الطبقة الوسطى التي تأثرت بتداعيات التضخم والحرب معاً.

بهذا المعنى، لا يبدو التحول من لغة الحرب إلى لغة الاقتصاد مجرد صدفة، بل جزءاً من استراتيجية سياسية متكاملة. ترامب، الذي يدرك أن "جيب الناخب" أكثر حساسية من خطاب الأمن القومي، يحاول إعادة صياغة صورته من قائد حرب مثيرة للجدل إلى رجل يقدّم حلولاً ملموسة للداخل الأميركي. هنا، يصبح إعلان انتهاء العمليات العسكرية أداة لفتح المجال أمام خطاب انتخابي جديد، عنوانه "الاستقرار والرفاه".

غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام مراجعة حقيقية للسياسة، أم مجرد إعادة تموضع ظرفية؟ المؤشرات تميل إلى الاحتمال الثاني. فالمفاوضات الجارية، عبر وساطة باكستانية، والرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران، لا تعكس تسوية نهائية بقدر ما تشير إلى إدارة أزمة مؤجلة. حتى تصريحات ترامب كما يدعي أن إيران "لم تقدّم بعد الاتفاق المطلوب"، والتي تعني أن باب التصعيد لا يزال مفتوحاً، لكنه مؤجّل.

في هذا الإطار، يمكن قراءة "نهاية الأعمال العدائية" كجزء من ما يمكن تسميته "الهدنة الانتخابية". أي تهدف هذه المناورة إلى ضمان أغلبية جمهورية في الكونغرس للنصف الثاني من ولايته (2027-2029). فبدون هذه الأغلبية، ستصبح "الرئاسة الإمبراطورية" التي يطمح إليها مقيدة بتحقيقات المحاكم ومعارضة البرلمان. وهنا تكون إدارة لا ترغب في خوض انتخابات وهي غارقة في حرب استنزافية غير محسومة، ولا تملك في الوقت نفسه ترف الاعتراف بالفشل، تلجأ إلى صياغة وسطية: إعلان نهاية العمليات، مع الإبقاء على عناصر التوتر قائمة.

الأخطر في هذا المشهد، أن هذه المقاربة تعكس أزمة أعمق في بنية القرار الأميركي. فالتداخل بين الاعتبارات العسكرية والانتخابية، إلى هذا الحد، يكشف عن تآكل في القدرة على الفصل بين الاستراتيجية بعيدة المدى والحسابات السياسية قصيرة الأجل. حين تصبح الحرب ملفاً انتخابياً، ويتحوّل السلام إلى أداة دعائية، فإننا نكون أمام نموذج إدارة يقوم على تأجيل الأزمات لا حلّها.

أما على مستوى الكونغرس، فإن تمرير هذا التحول دون مساءلة جدية، سيعني تكريس سابقة خطيرة. إذ أن قبول رواية "انتهاء العمليات" من دون تفكيك الذرائع التي استندت إليها الحرب في بدايتها، يفتح الباب أمام إعادة إنتاج النموذج ذاته مستقبلاً: تدخل عسكري سريع، تبريرات متحركة، ثم انسحاب تكتيكي تحت عنوان الإنجاز.

في المحصلة، لا يمكن فصل استنزاف الذخائر عن استرضاء الناخب. كلاهما وجهان لأزمة واحدة، تعيشها الولايات المتحدة في هذه المرحلة: أزمة قدرة على خوض الحروب الطويلة، وأزمة شرعية داخلية تتطلب إعادة إنتاج الخطاب السياسي باستمرار. بين هذين البعدين، يتحرك ترامب، محاولاً تحويل التراجع العسكري إلى فرصة انتخابية.

لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً: هل ينجح هذا التحول في إقناع "الناخب الأميركي"، أم أن الذاكرة السياسية، المثقلة بتجارب حروب سابقة، ستتعامل معه بوصفه مجرد تكتيك هامشي؟ الإجابة، على الأرجح، لن تتحدد فقط في الشارع الأمريكي أو في الكونغرس الأميركي، الذي يقوم الآن بتبيض صورته أمامه، بل أيضاً في ما إذا كانت "الهدنة" مع إيران ستصمد، أم أنها مجرد فصل مؤقت في صراع لم يُحسم بعد.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى