لبنان… صدع التفاهم الإيراني- الأميركي

اندلعت حرب الأربعين يوماً بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، بمشاركة مقاومة لبنان ودخول «حزب الله» رسمياً إلى ساحة المعركة؛ وبالدعم الكامل وغير المشروط من إيران لهذه المقاومة انتهت الحرب إلى اتفاق لوقف إطلاق نار شامل على جميع جبهات محور المقاومة. وقبل نشر نص مذكرة التفاهم، ذكر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أن مذكرة التفاهم بين إيران وأميركا نصت ثلاث مرات على قضية لبنان، وعلى الترابط والتوحد في المصير بين البلدين في الحرب والسلم. هذا في حين أن إيران أوقفت، قبل ذلك وفي ثلاث مناسبات مختلفة على الأقل، مسار التوجّه نحو التفاهم مع أميركا، في سياق دعمها للبنان ودفاعاً عنه ضد الهجمات الإسرائيلية.
كل هذا يعني أنّ أبرز ما يزال قادراً على إفشال التفاهم الإيراني- الأميركي هو قضية لبنان. وللسبب نفسه، تُسجَّل بعد إعلان التفاهم خروقات لوقف إطلاق النار من جانب الكيان الصهيوني في لبنان. ويسير الأمر وكأن ما يريده نتنياهو، على الأقل في لبنان، هو أنه حتى لو فشل في القضاء على المقاومة فإنه سيتمسّك برفض الانسحاب من الأراضي اللبنانية، وبعد فشله في منع تحوّل «التفاهم الإيراني- الأميركي» إلى «اتفاق»، فسوف يحاول أن ينجح على الأقل، من جهة في فرض منطقة أمنيّة عازلة بين لبنان والأراضي المحتلة على اللبنانيين، ومن جهة أخرى في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الثاني من آذار وبدء حرب جديدة. وهذا يعني أنه لا يزال قادراً على الاعتداء على لبنان متى أراد، بذريعة أو بدون ذريعة، وأن يظل قادراً على تنفيذ عملياته دون تلقّي رد في لبنان، وبأيدٍ مطلقة.
في ظل هذه الظروف، يبدو أن موقف كل من نتنياهو وترامب من قضية التفاهم الأميركي مع إيران مختلف تماماً. لأنه في حال طبّق التفاهم وتحوّل إلى اتفاق نهائي فإن أولى ضحاياه ستكون نتنياهو نفسه، الذي سيكون مضطراً لقبول الهزيمة رسمياً على جبهتين على الأقل: لبنان وإيران، هذا في حين أن كل فرصه للنجاح في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستضيع. في المقابل، سيكون ترامب المنتصر المحتمل في هذا الميدان، لأنه من ناحية يكون قد نجا من أن يصير مثل كارتر، على حد قوله، ومن ناحية أخرى يتخلّص من عنصر عنيد ومتمرّد اسمه نتنياهو.
لكن، بغض النظر عن الحوادث التي سيشهدها المستقبل القريب وما بعده في عالم السياسة، فإنّ الانتباه إلى عدّة تجارب فريدة في المواجهة الأخيرة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران ومحور المقاومة من جهة أخرى، يمكن أن يقدّم رؤية مستقبلية للمرحلة القادمة:
أولاً: في الحرب الأخيرة، خرجت مسألة «وحدة الجبهات» داخل محور المقاومة من «غرفة العمليات المشتركة» إلى «الميدان»، وخلقت تجربة جديدة وناجحة. وهذه التجربة ثمينة جداً لدرجة أنها تستطيع أن تؤدي دوراً كضامن في تحويل التفاهم الأميركي- الإيراني إلى اتفاق. فإذا كان هناك طوال الـ25 سنة الماضية في منطقة الخليج الفارسي، من وجهة نظر أميركا وإسرائيل، منافس محتمل اسمه محور المقاومة، فإن تجربة الحرب الأخيرة أظهرت أن هذا المنافس المحتمل بالأمس، أصبح اليوم منافساً فعلياً وشرساً له أفكاره وأهدافه الخاصة والجديدة، منافساً لا يمكن تدميره ولا يرغب بمغادرة الميدان بلسان التهديد والحرب.
ثانياً: داخل الأوساط الإسرائيلية، عندما كانت أميركا وإسرائيل تتحدثان عن إزالة قيادة إيران كـ«إنجاز خاص»، كان يقال إن أميركا وإسرائيل بهذا الإجراء ارتكبتا خطأ كبيراً لأن النتيجة الوحيدة التي تحققت بإزالة قيادة إيران، من وجهة نظرهما، هي تحوّل قيادة مسنّة إلى قيادة شابّة، ولكنها تحمل الأفكار والدوافع والاستراتيجيات نفسها. والتجارب اللاحقة أثبتت أيضاً أن النتائج التي كانت أميركا وإسرائيل ترجوانها من إزالة قيادة إيران وإسقاط النظام لم تتحقق بأي حال من الأحوال، ولم ينتج عن هذا الإجراء سوى مزيد من التآزر الوطني والديني داخل إيران، وتعبئة شعبية عامة ضد العدو المشترك. وعلى هذا الأساس، ظهرت التجربة الأولى للقيادة الجديدة في إدارة الحرب كتجربة فاعلة للغاية، وأظهرت أنها قيادة مطلعة ومسيطرة على جميع قدرات البلاد (البشرية والمادية)، ولديها القدرة الكاملة على مواصلة استراتيجيات النظام الإسلامي ومحور المقاومة.
وبناءً عليه، وبعد إدارة الحرب ثم وقف إطلاق النار والمفاوضات، يبدو أن التفاهم بين أميركا وإيران حتى الآن ليس سوى نوع من المرونة والاستعداد قبل دخول السباق الرئيسي، وستظهر الأبعاد الجديدة للسياسة الإيرانية وقيادة إيران الجديدة نفسها أكثر من أي وقت مضى في مفاوضات الستين يوماً القادمة.
الباحث الإيراني علي محمد صالحي
19 حزيران 2026
المصدر: الاخبار



