حين تتحول الديمقراطية التركية إلى هندسة للولاء

حين تتحول
لم يستطع رجب طيب أردوغان انتزاع إزمير عبر صندوق الاقتراع، فدخل إليها من بوابة رئيس بلديتها. وهذه ليست مجرد واقعة انتقال حزبي؛ إنها لحظة تكشف كيف يمكن للسلطة أن تعيد رسم الخريطة السياسية حتى في المدن التي عجزت عن الفوز بها انتخابياً.
إزمير ليست بلدية عابرة. إنها ثالث أكبر مدن تركيا، وإحدى أبرز القلاع التاريخية للتيار العلماني وحزب الشعب الجمهوري. في انتخابات 2024، فاز جميل توغاي بنحو 49% من الأصوات، مقابل 37% لمرشح حزب العدالة والتنمية، فيما فاز حزب الشعب الجمهوري بـ28 من أصل 30 بلدية في المدينة. وبعد عامين، يدخل رئيس البلدية نفسه إلى الحزب الذي خسر أمامه انتخابياً، فيمنح أردوغان مكسباً رمزياً لم يحققه الصندوق.
هنا تبدأ عملية التفكيك.
فالتحول لا يحدث في فراغ. منذ انتخابات 2024، تعرضت بلديات وشخصيات معارضة لموجة تحقيقات وتوقيفات على خلفية قضايا فساد، فيما تقول الحكومة إن القضاء مستقل وإن الملفات جنائية، بينما ترى المعارضة أن بعضها ذو دوافع سياسية. وبين الروايتين تتشكل معادلة أكثر خطورة من كل قضية منفردة: ماذا يحدث عندما يصبح الفوز بالانتخابات غير كافٍ لضمان القدرة على ممارسة الحكم؟
الديمقراطية لا تُختبر فقط في يوم الاقتراع، بل في اليوم التالي له. فإذا أصبح السياسي أمام خيارين: مواجهة منظومة ضغط قضائي وسياسي متصاعدة، أو إعادة التموضع داخل السلطة، فإن المنافسة الانتخابية تبدأ بفقدان جزء من معناها العملي.
وهنا تكتسب قضية فاطمة بتول كايا بعداً يتجاوز شخصها. فالنائبة السابقة لرئاسة حزب العدالة والتنمية استقالت من مناصبها بعد اتهامات مرتبطة بتحقيق واسع في أزمة صناديق الاستثمار، قبل أن تُسمّى لاحقاً هي وزوجها مشتبهَين في تحقيق رسمي بقضايا غسل أموال وسوق المال. كايا لم تُدان بهذه الاتهامات، لكن وصول التحقيق إلى شخصية قيادية في الحزب الحاكم يضع سؤال الشفافية أمام السلطة نفسها، لا أمام المعارضة وحدها.
وهنا تظهر المفارقة: كلما جرى تضييق مساحة المنافسة باسم الاستقرار، أصبحت مساءلة السلطة نفسها أكثر أهمية، لا أقل.
أما في المستوى الأعلى، فتتجاوز المسألة أردوغان إلى سؤال ما بعد أردوغان. وفي هذا السياق يبرز اسم وزير الخارجية هاكان فيدان بوصفه أحد أبرز رجال الدولة في المنظومة الحالية؛ لا باعتباره «الرئيس القادم» كحقيقة محسومة، وإنما باعتباره اسماً يتكرر في النقاشات حول مستقبل السلطة التركية.
وهذا يعني أن تركيا لا تعيد فقط توزيع النفوذ بين الأحزاب؛ بل تعيد، بالتوازي، ترتيب مراكز القوة داخل النظام نفسه.
لذلك فإن إزمير ليست مجرد بلدية انتقلت من معسكر إلى آخر. إنها اختبار لقاعدة أعمق: هل تستطيع المعارضة أن تفوز بالصندوق، ثم تبقى قادرة على ممارسة تفويضها؟
فإذا أصبحت السلطة قادرة على خسارة الانتخابات ثم استعادة مواقعها عبر الانشقاقات والضغط المؤسساتي وإعادة ترتيب الولاءات، فإن المعركة لم تعد فقط على من يحكم تركيا؛ بل على طبيعة القواعد التي يُسمح بموجبها للآخرين بأن ينافسوا على الحكم أصلاً.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




