عاجل عاجل | نتنياهو يتوعد بضرب حزب الله بقوة ساحقة | إسرائيل تهاجم لبنان نيوز
صحافة

حلّ الكنيست في “إسرائيل”… إدارة أزمة أم بداية انهيار سياسي؟

في السياسة “الإسرائيلية” لا تُختزل الأزمات دائماً بنتائج التصويت، بل بطريقة إدارة لحظة الضعف. ولهذا، فإنّ تصويت كنيست الاحتلال بالقراءة التمهيدية على مشروع حلّه لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرّد خطوة إجرائية مرتبطة بانتخابات مبكرة، بل باعتباره مؤشراً على أزمة عميقة تضرب بنية الائتلاف الحاكم، وتكشف حدود قدرة بنيامين نتنياهو على الاستمرار في إدارة التناقضات التي انفجرت داخل معسكره نفسه.

أزمة التجنيد والحريديم… مؤشرات اهتزاز العقد الاجتماعي “الإسرائيلي”

المفارقة الأهمّ في المشهد أنّ مشروع حلّ الكنيست لم يأتِ هذه المرّة من المعارضة وحدها، بل من داخل الائتلاف الحاكم نفسه، وهو ما يكشف أنّ الأزمة تجاوزت حدود المناورة البرلمانية التقليدية، لتصبح أزمة ثقة داخلية بين مكوّنات الحكم، خصوصاً بين نتنياهو وحلفائه الحريديم الذين شكّلوا طوال السنوات الماضية صمّام الأمان الأساسي لاستمراره السياسي.

ورغم أنّ بعض أوساط المعارضة حاولت تصوير التصويت على أنّه بداية سقوط حكومة نتنياهو، إلا أنّ القراءة الأكثر دقّة للمشهد تشير إلى أنّ نتنياهو لا يتعامل مع حلّ الكنيست باعتباره هزيمة نهائية، بل كجزء من محاولة للسيطرة على مسار الانهيار ومنع خصومه من احتكار لحظة إسقاطه سياسياً. فالرجل الذي أدرك أنّ أزمة التجنيد تهدّد بتفجير ائتلافه من الداخل، حاول استباق المعارضة عبر تحويل مشروع الحلّ إلى عملية يديرها بنفسه، لا إلى ضربة مفاجئة تُفرض عليه.

معركة إدارة الهزيمة داخل المعسكر “الصهيوني”

من هنا يمكن فهم غياب نتنياهو عن جلسة التصويت. لم يكن الأمر انعزالاً عن المعركة، بل جزءاً من إدارة مدروسة لها. فهو يريد أن يبقى فوق الاشتباك المباشر، وأن يقدّم نفسه بوصفه الرجل الذي لا يزال يمسك بخيوط اللعبة، حتى في لحظة اهتزازها.

في العمق، تكشف أزمة التجنيد عن واحدة من أخطر الإشكاليات البنيوية داخل المجتمع “الإسرائيلي”. فالحرب الطويلة وما رافقها من استنزاف بشري وعسكري أعادت طرح السؤال القديم حول العلاقة بين الدولة والحريديم، وحول العدالة في توزيع أعباء الخدمة العسكرية. ومع ارتفاع أعداد القتلى والجرحى وتصاعد إنهاك قوات الاحتياط، بات من الصعب على قطاعات واسعة داخل المجتمع “الإسرائيلي” تقبّل استمرار إعفاء عشرات آلاف الحريديم من الخدمة العسكرية.

لكنّ نتنياهو يدرك أيضاً أنّ أيّ مواجهة مباشرة مع الأحزاب الحريدية قد تعني نهاية ائتلافه فوراً، ولذلك يحاول المناورة بين ضغط الشارع العلماني وضغط الحلفاء الدينيين، عبر شراء الوقت وتأجيل الحسم. ولهذا تحديداً، فإنّ مسار حلّ الكنيست قد يتحوّل إلى أداة مساومة أكثر منه قراراً نهائياً بالذهاب إلى انتخابات مبكرة.

نتنياهو يؤخّر الانتخابات بانتظار “صورة نصر” على الجبهات

المسألة بالنسبة لنتنياهو ليست فقط متى ستُجرى الانتخابات، بل في أيّ ظرف سياسي وأمني ستُجرى. فالرجل الذي تآكلت صورته بعد إخفاقات السابع من أكتوبر، يحتاج إلى وقت إضافي لإعادة ترميم صورته الأمنية، أو على الأقل لإنتاج مشهد سياسي جديد يخفّف من وطأة الفشل الذي لاحقه طوال الحرب.

ولهذا، فإنّ إبطاء مسار حلّ الكنيست قد يمنحه فرصة لالتقاط أيّ تطوّر يمكن تسويقه داخلياً باعتباره إنجازاً؛ سواء في غزة أو لبنان أو حتى في إيران. فنتنياهو لا يحتاج بالضرورة إلى حرب واسعة، بل إلى صورة حسم مدروسة تعيد توجيه النقاش الداخلي من الفشل السياسي إلى ملف الأمن والقيادة.

كما أنّ استمرار الحكومة، حتى بصيغة انتقالية هشّة، يسمح له بالاحتفاظ بإدارة الملفات الأمنية الحسّاسة، ويمنحه هامشاً لاستخدام التوترات الإقليمية كورقة سياسية داخلية. وفي كيان يعيش على إيقاع الخوف الأمني، يعرف نتنياهو جيداً كيف يحوّل القلق الجماعي إلى وسيلة للبقاء السياسي.

لكنّ هذه المناورة تحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة. فمجرّد اضطرار الائتلاف إلى طرح قانون حلّ الكنيست بنفسه يعني عملياً اعترافاً بأنّ الحكومة فقدت قدرتها على الحكم بصورة طبيعية. كما أنّ محاولة المماطلة قد تنقلب ضد نتنياهو إذا ترسّخ الانطباع داخل الشارع “الإسرائيلي” بأنّه يتهرّب من الانتخابات بانتظار إنجاز أمني أو صفقة سياسية تنقذه انتخابياً.

هل ينجح نتنياهو في تحويل أزمة التجنيد إلى فرصة سياسية؟

الأخطر من ذلك أنّ أزمة التجنيد نفسها مرشّحة للتحوّل إلى قنبلة سياسية واجتماعية داخل “إسرائيل”. فالإصرار الحريدي على انتزاع قانون إعفاء مريح في ذروة الحرب قد يوسّع الشرخ داخل المجتمع الإسرائيلي، ويزيد من غضب جنود الاحتياط والتيارات العلمانية، بما يهدّد بإضعاف ما تبقّى من تماسك داخلي بعد أشهر طويلة من الحرب والاستنزاف.

في المقابل، تحاول المعارضة استثمار هذه اللحظة لتثبيت رواية تقول إنّ حكومة نتنياهو لم تفشل فقط في الحرب، بل فشلت أيضاً في إدارة الدولة وفي الحفاظ على تماسكها الداخلي. وإذا نجحت هذه الرواية في التحوّل إلى وعي سياسي عام داخل “إسرائيل”، فإنّ قدرة نتنياهو على المناورة ستصبح أكثر محدودية، مهما حاول إبطاء مسار الانتخابات أو إعادة ترتيب أوراقه.

ومع ذلك، لا يزال من المبكر الحديث عن سقوط حتمي لنتنياهو. فالرجل أثبت خلال السنوات الماضية قدرة استثنائية على البقاء السياسي وعلى تحويل الأزمات إلى أدوات لإعادة إنتاج نفسه. لكنّ الفارق هذه المرّة أنّ الأزمة لا تضرب خصومه فقط، بل تضرب البنية الاجتماعية والسياسية التي استند إليها مشروعه اليميني طوال العقد الأخير.

لذلك، فإنّ معركة حلّ الكنيست ليست معركة على موعد الانتخابات فقط، بل معركة على شكل المرحلة المقبلة داخل “إسرائيل” نفسها: هل يستطيع نتنياهو إعادة ضبط الائتلاف وترميم صورته الأمنية والسياسية؟ أم أنّ إسرائيل دخلت فعلاً مرحلة بداية التآكل الداخلي، حيث لم تعد أدوات المناورة التقليدية كافية لاحتواء الانقسامات المتفاقمة؟

حتى الآن، يبدو أنّ نتنياهو يحاول إدارة الأزمة لا حسمها، وتأجيل الانفجار لا منعه. لكنّ خطورة اللحظة تكمن في أنّ الأزمات حين تصل إلى هذا المستوى من التشابك، قد تتحوّل من أوراق ضغط قابلة للإدارة إلى مسارات انهيار يصعب التحكم بها.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى