اخبار لبنانالحرب على لبنانالعرب والعالمثقافةصحافة
عاجل | *«الوليمة» ومرآة الفراغ الإعلامي اللبناني*

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | *«الوليمة» ومرآة الفراغ الإعلامي اللبناني*
عاجل | *«الوليمة» ومرآة الفراغ الإعلامي اللبناني*
*«الوليمة» ومرآة الفراغ الإعلامي اللبناني*
*د. علي أحمد*
تكشف الضجة التي أثارتها حلقة «الوليمة» شيئًا أكبر من الحلقة نفسها. تكشف مقدار الفراغ في الساحة الإعلامية اللبنانية، ومقدار استعداد جزء من المجتمع لتحويل أي مشهد عابر إلى قضية عامة، فيما تمر قضايا أكثر أهمية من دون نقاش يوازي حجمها. كيف يمكن لحلقة جديدة، قدمت نمطًا مختلفًا، أن تستحوذ على كل هذا الاهتمام؟ لا تكمن المشكلة في أن الحلقة نوقشت. أي تجربة إعلامية جديدة تحتاج إلى النقد والمراجعة. تظهر المشكلة في طبيعة النقاش، وفي السرعة التي انتقل فيها من الفكرة والمحاور والمواقف إلى الطعام، ومن مضمون ما أوضحه الضيوف إلى ما أكلوه وكيف أكلوه. قدم عدد قليل من الزملاء ملاحظات مهنـ.ــية مهمة وجيدة. ناقشوا الحلقة من زاوية إعدادها وإدارتها وبنائها. لكن المساحة الأكبر من السجال ذهبت إلى مراقبة الصحون واللقم، وإلى السخرية من الضيوف، وإلى اجتزاء مشاهد تصلح للتداول السريع. وهنا تكشف الحلقة حالة إعلامية واجتماعية أوسع: لدينا قدرة هائلة على صناعة الضجيج حول التفاصيل، وعجز واضح عن بناء نقاش حول الأفكار. أقول ذلك وأنا من الذين قدموا للإخوة والزملاء والأصدقاء المعنيين ملاحظات واضحة على الحلقة. تناولت ملاحظاتي الإعداد، وبناء المحاور، وطريقة إدارة الحوار، وتوزيع الأدوار، وغياب وجهة نظر حـ.ـزب الله عن الطاولة. وهذه ملاحظات ترتبط بالحلقة نفسها، وبما يمكن تطويره في الحلقات المقبلة. لكنها ليست جوهر ما أريد قوله هنا. جوهر المسألة يبدأ من أصل الفكرة. أعرف هذه الفكرة منذ أن حدثني عنها الأخ والصديق علي هاشم قبل أشهر. لم يكن الطعام مقصودًا لذاته، ولم تكن المائدة مجرد عنــ.ـصر للترفيه أو محاولة لصناعة مشهد غريب. كان يفترض أن يكون كل طبق مدخلًا إلى فكرة، وأن تسمح فلسفة الطعام وطريقة إعداده بالانتأوضح إلى السياسة والثقافة والمجتمع. فالكبة النيئة تنتمي إلى تراث جبل عامل. وهي لا تحيل إلى طعام محلي فقط، وإنما إلى مكان يحمل تاريخًا من الاحتـ ـلال والظلم والحرمان والحروب والأزمات. عاش أهل جبل عامل هذه التجارب، ودفعوا أثمانها، وصنعوا في مواجهتها تاريخًا من الصمود والمـ.ـقاومة على مدى عدة قرون. لذلك كان يمكن للكبة أن تفتح الحديث عن لبنان، وعن علاقة الناس بأرضهم، وعن مجتمع حفظ هويته تحت الضغط، وحوّل ذاكرته ومعاناته إلى عناصر قوة ومـ.ـقاومة. لا يحمل الطعام في هذه الحالة مذاق الأرض وحده. يحمل تاريخ الذين بقوا فيها ودافعوا عنها. يحمل بيوت الناس وذاكرتهم وعلاقتهم بالمكان. وفي جبل عامل يصعب فصل هذه الذاكرة عن الاحتـ ـلال الإسـ..ـرائيلي والحرمان والظلم والمـ.ـقاومة. هكذا يصبح الطبق طريقًا إلى فهم مجتمع، لا مادة لمراقبة طريقة الأكل. أما الطعام الإيراني، فيحتاج إلى وقت وصبر ودقة في الإعداد. ومن هنا كان يمكن الانتأوضح إلى عقل السياسة الإيرانية. فهذا عقل طويل النفس، يعمل بالتدرج، ويراكم عناصر القوة، ويقبل بكلفة الانتظار، ولا يقيس خطواته بنتيجة اللحظة وحدها. يمكن الاختلاف أو الاتفاق مع السياسة الإيرانية، لكن فهمها يحتاج إلى النظر في مسارها الطويل. فالزمن جزء من صناعة قرارها، والتراكم جزء من بناء قوتها، والصبر جزء من إدارتها للصراع. لا تتحرك دائمًا وفق إيقاع الخبر العاجل، ولا تتعامل مع كل نكسة بوصفها نهاية للمسار. تبني على مراحل، وتنتظر، وتعدل أدواتها، وتعود إلى هـ.ـدفها من طريق آخر. كان الطعام الإيراني، إذًا، مدخلًا للحديث عن سياسة تحتاج إلى وقت كي تفهم، كما يحتاج طبقها إلى وقت كي يعد. لا تظهر كل عناصرها من اللحظة الأولى، ولا يمكن الحكم عليها من خطوة منفصلة عن المسار الذي تنتمي إليه. هذه هي الفكرة التي كان يمكن أن تنتقل من المائدة إلى الحوار. أما الهامبرغر، فيحيل إلى نموذج مختلف. هو طعام وافد من خارج طبيعة المنطقة وثقافتها، سريع التحضير، سريع الاستهلاك، ويظهر ضرره بعد أن تجذب صورته المستهلك. ومن هنا كان يمكن الانتأوضح إلى نقد السياسة الأميركية وحضورها في منطقتنا. تأتي السياسة الأميركية بحلول جاهزة من خارج تاريخ المنطقة وطبيعة مجتمعاتها. تدخل بسرعة، وتطلق وعودًا كبيرة، وتفرض نماذج لا تنتمي إلى المكان، ثم تترك الشعوب تواجه النتائج سنوات طويلة. تقدم الحـ.ـرب طريًقا إلى الاستقرار، والعقوبات أداة للإصلاح، والتدخل حماية للشعوب، فيما تنتج هذه السياسات أزمات ممتدة وحضورًا سياسيًا مؤذيًا ومضرًا. يشبه هذا الحضور، ضمن رمزية الفكرة، وجبة سريعة تبدو جذابة وسهلة، ثم يظهر ضررها لاحقًا. تدخل السياسة الأميركية إلى المنطقة بسرعة، وتحاول إعادة تشكيلها وفق مصالحها، ولا تقيم وزنًا كافيًا لتاريخ مجتمعاتها وخصوصياتها. تدعم الاحتـ ـلال الإسـ..ـرائيلي، وتفرض العقوبات، وتغذي الانقسامات، ثم تعود لتقدم نفسها وسيطًا في الأزمات التي ساهمت في إنتاجها. لا يختصر طبق واحد مجتمعًا أو دولة أو سياسة. لم تكن هذه هي الفكرة. الطعام كان رمزًا يفتح السؤال، ويقرب الفكرة من المشاهد، ويسمح ببناء حوار سياسي من مدخل مختلف. وكان يفترض أن تقود فلسفة إعداد كل طبق إلى المحاور الأساسية، فيصبح الطعام لغة للحوار، لا موضوع الحوار. حصل خلل في تقديم هذا الجانب من الحلقة. طغى الطعام في بعض اللحظات على رمزيته، ولم تظهر الصلة بينه وبين المحاور بالوضوح المطلوب، فانتقل جزء من الجمهور من مناقشة الفكرة إلى الانشغال بالأكل. وهذا خلل يحتاج إلى مراجعة، لكنه لا يفسر وحده حجم السجال ولا مستوى ما كتب وقيل. الحلقة قدمت مادة قابلة للنقد. أما تحويلها إلى قضية وطنية قائمة على الصحون واللقم، فيكشف مشكلة أخرى. يكشف أن الساحة الإعلامية اللبنانية تعاني نقصًا في القضايا التي تستطيع أن تصنع حولها نقاشًا حقيقيًا. وحين تغيب القضايا، أو تعجز المنصات عن مناقشتها، تتمدد التفاصيل الصغيرة حتى تملأ الفراغ. الفراغ الإعلامي لا يعني غياب البرامج والمنشورات والتعليقات. قد تكون الساحة مزدحمة جدًّا، لكنها فارغة من المعنى. يظهر الفراغ عندما تضيع المسافة بين المهم والهامشي، وعندما تصبح السخرية بديلًا عن التفكير، وعندما يقاس نجاح النقاش بعدد المشاركات لا بقيمة ما تابعه إلى فهم الناس. وهذا ما كشفته «الوليمة». لم يذهب معظم النقاش إلى رمزية جبل عامل وتاريخه في مـ..ـواجهة الاحتـ ـلال، ولا إلى طبيعة العقل السياسي الإيراني، ولا إلى نقد الحضور الأميركي في المنطقة. ذهب إلى الطعام نفسه. بقيت الصحون في الواجهة، واختفت الأفكار التي كان يفترض أن تقود إليها. هنا يصبح السؤال متصلًا بالمجتمع أيضًا. فالإعلام لا يعمل في فراغ. هو يكشف ما يجذب الناس، وما يسهل تحريكه، وما يمكن تحويله بسرعة إلى مادة للتندر والتشهير. وعندما يحقق الحديث عن طريقة أكل ضيف انتشارًا أكبر من مناقشة أفكاره، يظهر مقدار الخواء الفكري عند جزء من المجتمع، وخصوصًا عند بعض من يقدمون أنفسهم بوصفهم أهل رأي وحوار. أما الأخ والصديق العزيز الدكتور حسن أحمديان، فقد شرفنا في لبنان كثيرًا. ويكشف حجم الانشغال به مقدار تأثيره الكبير، رغم أنف بعض التافهين الذين يحاولون تكبير أنفسهم من خلال الهـ..ـجوم عليه. ويتحدث بعض هؤلاء باسم الحوار، فيما لغتهم أبعد ما تكون عن الحوار. ليتهم امتلكوا شيئًا يسيرًا من فكر أحمديان، وعقله العلمي والمنهجي، وانفتاحه. عندها كانوا سيناقشون أفكاره ومواقفه بموضوعية، بدل محاولة تكبير أنفسهم بالهـ..ـجوم عليه. لا تحتاج «الوليمة» إلى إعفائها من النقد. تحتاج إلى نقد مهني يعيد الفكرة إلى مكانها، ويصحح الخلل الذي ظهر في تنفيذها. لكن الساحة الإعلامية تحتاج إلى ما هو أبعد: تحتاج إلى استعادة قدرتها على التمييز بين القضية والتفصيل، وبين النقد والسخرية، وبين الحوار ومحاولة صناعة الحضور على حساب الآخرين. لقد تحولت «الوليمة» إلى مرآة للساحة الإعلامية اللبنانية: ملاحظات مهنـ.ــية قليلة، وضجيج واسع. Https://t.me/wakalanewsOfficial Https://www.facebook.com/wakalanewspage




