صحافة

المشهد الحزبي الإسرائيلي قُبيل الانتخابات: حراك داخل المعسكرات لا بينها

لم تخرج “إسرائيل”، منذ عام 2019، من دوّامة الانتخابات المتكرّرة، فقد شهدت خمس جولات انتخابية في غضون ثلاث سنوات، تمحورت في معظمها حول شخص بنيامين نتنياهو وبقائه في الحكم، وحول الانقسام بين معسكر مؤيّد له وآخر مناهض، إلى جانب خلافات أعمق تتعلّق بطبيعة النظام السياسي والعلاقة بين السلطات ودور مؤسّسات الدولة ومسألة الدين والدولة. وقد كسرت انتخابات تشرين الثاني 2022 هذه الدوّامة مؤقّتًا، إذ أعادت نتنياهو إلى رئاسة الحكومة بأغلبية 64 مقعدًا، ضمن ائتلاف يميني–ديني جمع الليكود والأحزاب الحريدية وأحزاب اليمين القومي والديني المتطرّف.

سرعان ما كشف هذا الائتلاف عن مشروعه. فقد طرح وزير القضاء ياريف ليفين مطلع عام 2023 خطة لتقييد القضاء، تقلّص صلاحيات المحكمة العليا وتعزّز قبضة الحكومة على تعيين القضاة، فيما دفعت الأحزاب الحريدية وقوى اليمين الديني نحو تعميق الطابع اليهودي للدولة وإعادة صياغة العلاقة بين الدين والدولة. وعلى الصعيد الفلسطيني، انتقلت الحكومة من مقاربة “إدارة الصراع” إلى السعي الصريح نحو حسمه، عبر توسيع الاستيطان وإقامة بؤر جديدة وتشديد القيود على الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية. وأشعلت خطة القضاء موجة احتجاج من الأوسع في تاريخ إسرائيل عمّقت الاستقطاب الداخلي، قبل أن تأتي عملية السابع من أكتوبر 2023 لتشكّل الإخفاق الأكبر للمؤسسة الإسرائيلية منذ حرب 1973، ولتكشف عجز مؤسسات الدولة عن إغاثة سكّان الجنوب. ثم شنّت إسرائيل حرب إبادة على قطاع غزّة، اتّسع نطاقها إلى حروب إقليمية على لبنان وإيران، ما أدخل المنطقة في مرحلة مختلفة جذريًّا عمّا سادها خلال العقدين الماضيين.

في هذه البيئة المثقلة بالحروب والتصدّعات، تتّجه إسرائيل إلى انتخابات الكنيست السادسة والعشرين في 27 تشرين الأول 2026، وقد اكتملت خريطة القوائم المتنافسة. وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب في موازين القوى بين الائتلاف والمعارضة الصهيونية، وإلى عجز أيٍّ منهما، عن تشكيل حكومة بمفرده. وخلافًا للتوقعات التي رجّحت انهيار معسكر نتنياهو بعد السابع من أكتوبر، فإنّ هذا الانهيار لم يحدث، صحيح أنّ الليكود يتراجع من 32 مقعدًا إلى 22–24، وأنّ مجمل الائتلاف يهبط من 64 إلى 52–54 مقعدًا، غير أنّ هذا التراجع، إذا قيس بنسبة الأصوات لا بعدد المقاعد، لا يتجاوز 3–4%. ذلك أنّ فارق الأصوات بين المعسكرين في انتخابات 2022 لم يتجاوز نحو 30 ألف صوت حين تُحتسب أصوات ميرتس والتجمّع الوطني الديمقراطي اللذين أخفقا في اجتياز نسبة الحسم، أي أنّ تفوّق نتنياهو في المقاعد كان في جزء منه نتاج هدر أصوات خصومه.

ووفق معدّل آخر خمسة استطلاعات، يحصل كلّ من الائتلاف والمعارضة الصهيونية على 52–54 مقعدًا، مقابل 12–14 مقعدًا للأحزاب العربية. وبحساب النسب، تبدو الصورة قريبة من توزيعة 2022، ما يعني أنّ الحرب وخطة القضاء وما رافقهما من تصدّعات لم تُفضِ إلى إعادة اصطفاف انتخابي جوهري، فانتقال الناخبين بين المعسكرين بقي محدودًا، فيما باتت موازين القوى رهينة الترتيبات والتحالفات داخل كل معسكر، وشخصيات المرشّحين، وقدرة الأحزاب الصغيرة على عبور العتبة، واتفاقيات فائض الأصوات. وفي ظل هذا التعادل، تكتسب أصوات المجتمع العربي وزنًا خاصًّا، ويحتدم الجدل الإسرائيلي حول شرعية أن تحسم الأحزاب العربية المنافسة بين المعسكرين، فيما يتصاعد داخل المجتمع العربي نفسه نقاش بين الرفض المبدئي لهذا الدور والقبول به، وحول حدوده ومخاطره.

داخل معسكر الائتلاف، كان التراجع الأبرز بعد الليكود من نصيب “الصهيونية الدينية”، التي حامت طويلًا حول نسبة الحسم دون أن تتجاوزها في عدد من الاستطلاعات، بعد رفض إيتمار بن غفير تجديد الشراكة معها، وفي ظل نقمة على أداء سموتريتش في وزارة المالية وعلى دفاعه عن إعفاء الحريديين من التجنيد حفاظًا على الائتلاف، وهي نقمة اشتدّت في أوساط قاعدته التي يخدم أبناؤها في الجيش والاحتياط. غير أنّ تحالفه مع حزب “زهوت” بزعامة موشيه فيغلين أعاده إلى دائرة الأمان بخمسة إلى ستة مقاعد، بعدما أسهم تعميق الاستيطان وتصعيد التحريض على الفلسطينيين في استعادة جزء من قاعدته. أما الأصوات التي يخسرها فتتّجه نحو قوى أشدّ تطرّفًا داخل المعسكر نفسه، ولا سيّما “قوّة يهودية” التي تخوض الانتخابات منفردة للمرة الأولى منذ 2021، وتُمنح 7–8 مقاعد مقارنة بستة حاليًّا، لتكون الحزب الوحيد في الائتلاف الذي ازداد تأييده بعد السابع من أكتوبر، مستفيدًا من خطاب بن غفير الشعبوي ومواقفه العنصرية تجاه الفلسطينيين وتشدّده في الحرب على غزة.

في المقابل، يتراجع شاس من 11 مقعدًا إلى 8–9، تحت وطأة أزمة تجنيد طلبة المعاهد الدينية التي تفاقمت بعد قرار المحكمة العليا في حزيران 2024 بإلزامهم بالخدمة ووقف تمويل المعاهد التي لا يؤدّي طلبتها الخدمة. وقد وجد الحزب نفسه عالقًا بين ناخبين حريديين يرونه متساهلًا، وناخبين تقليديين يخدمون في الجيش نفّرهم خطابه الرافض للتجنيد فاتّجه بعضهم إلى بن غفير، يضاف إلى ذلك تعثّر وعوده الاجتماعية وتقلّص قدرة درعي على تولّي الحقائب الوزارية. أما “يهدوت هتوراه” الأشكنازي فحافظ على حصّته (7–8 مقاعد) بفضل قاعدة منضبطة ملتزمة بتوجيهات مرجعياتها ونموّ ديمغرافي طبيعي، رغم إبعاد موشيه غفني عن القائمة بعد 38 عامًا في الكنيست. ويبرز كذلك حزب “عمخا يسرائيل” بقيادة الضابط عوفر فينتر، الذي رفض ضغوط نتنياهو للانضمام إلى قائمة موحّدة، ويلامس العتبة بأربعة إلى خمسة مقاعد، ما يجعله عاملًا قد يعيد رسم التوازنات.

غير أنّ إعادة الترتيب الأوسع جرت في معسكر المعارضة. فقد اضطر “يوجد مستقبل”، الذي هوى من 24 مقعدًا إلى ستة في الاستطلاعات، إلى التحالف مع نفتالي بينيت في قائمة “بياحد” التي تُمنح 12–13 مقعدًا، دون أن تنجح في استقطاب ناخبي اليمين، بسبب التناقض بين جمهور لبيد العلماني الأقرب إلى وسط اليسار، وجمهور بينيت اليميني المحافظ. وفي المقابل، يتصدّر حزب “يشار” بزعامة غادي آيزنكوت الاستطلاعات بـ22–23 مقعدًا منافسًا الليكود على المرتبة الأولى، ببرنامج يشدّد على يهودية الدولة وتعزيز القوة العسكرية وفرض الخدمة على الجميع، وهو خطاب ارتبط تاريخيًّا باليمين الصهيوني التقليدي. ويعني ذلك أنّ البديل الذي يتبلور في وجه نتنياهو ليس تحوّلًا نحو اليسار، بل منافسة تنتقل من ثنائية وسط اليمين واليمين إلى ثنائية اليمين واليمين المتطرّف.

ويحافظ “يسرائيل بيتينو” بقيادة ليبرمان على موقع مستقر (8–9 مقاعد مقابل 6 حاليًّا)، جامعًا بين مواقف يمينية متشدّدة ترفض الدولة الفلسطينية وتدعم ضمّ الضفة الغربية، وعلمانية حادّة في مواجهة الأحزاب الحريدية. أما ما تبقّى من اليسار الصهيوني فتجمّع في حزب “الديمقراطيون” الذي دمج العمل وميرتس، ويُتوقّع حصوله على نحو عشرة مقاعد، أي أقل من 10% من الناخبين، في دلالة على انتقاله من التنافس على الحكم إلى مجرّد الحفاظ على البقاء، مع اقتراب خطابه من نهج حزب العمل الأمني الصقوري أكثر منه من طروحات ميرتس الداعية إلى إنهاء الاحتلال. ويتلاشى في المقابل “أزرق أبيض” بقيادة بيني غانتس، من 28–30 مقعدًا في الأشهر التي تلت السابع من أكتوبر إلى ما دون نسبة الحسم، بعد انسحاب آيزنكوت عام 2025، في مؤشر على أفول صيغة “الجنرال البديل” التي افتقرت إلى مشروع سياسي متمايز.

خلاصة المشهد أنّ انتخابات 2026 لا تُنتج انقسامات جديدة ولا تنقل الناخبين بين المعسكرات، بل تعمّق الاستقطاب السياسي والعاطفي القائم، وتعيد إلى الواجهة الخلافات حول القضاء وهوية الدولة والدين. فالحركة الحقيقية جرت داخل المعسكرات لا بينها، وتركّزت في المعارضة لا في الائتلاف، على عكس ما ساد من توقعات بعد السابع من أكتوبر. والأهمّ أنّ مركز الثقل في السياسة الإسرائيلية ينزاح بمجمله نحو اليمين، بحيث يتنافس على الحكم معسكران يتّفقان في جوهر الموقف من الفلسطينيين، ويختلفان أساسًا حول نتنياهو وشكل النظام.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى