من الهيمنة إلى الترشيد: القيادة المركزية الأمريكية تبحث عن ردع أقل كلفة
الهيمنة
أعدَّ مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية التابع لقيادة الجيش الأمريكي ورقة بعنوان: “التخطيط لبيئة ما بعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران من منظور القيادة المركزية الأمريكية: الشركاء، والموقف، والردع”. تطرح الورقة تصورًا للبيئة الأمنية والاستراتيجية التي نشأت في أعقاب الحرب الأمريكية–الإيرانية عام 2026، وتنطلق من فرضية مفادها أن الحرب أضعفت بصورة كبيرة القدرات العسكرية التقليدية والاستراتيجية لإيران، ولا سيما قدرات القيادة والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وشبكات الحلفاء، لكنها لم تؤدِّ إلى تغيير النظام الإيراني أو إنهاء قدرته على تهديد القوات الأمريكية وشركائها والتجارة العالمية. ومن ثم، فإن انتهاء العمليات القتالية الكبرى لا يعني انتهاء الصراع، وإنما ينقل العلاقة الأمريكية–الإيرانية إلى مرحلة جديدة تتسم باستمرار الردع والمنافسة، ولكن في ظل شروط وقيود مختلفة.
وبناءً على ذلك، لا تتمحور الورقة بصورة أساسية حول كيفية تحقيق انتصار عسكري جديد على إيران، وإنما حول سؤال أوسع يتعلق بكيفية إعادة تشكيل الوجود والاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط بعد الحرب. فالحرب، وفق معدو الورقة، أظهرت حدود نموذج الانتشار الأمريكي التقليدي القائم على شبكة واسعة من القواعد والمواقع الثابتة، كما أظهرت في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك الحرية نفسها في تخصيص موارد كبيرة للشرق الأوسط، نتيجة تزايد الطلب على قدراتها الجوية والبحرية والدفاعية في مسارح أخرى، خصوصًا المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا. ولذلك يصبح التحدي أمام القيادة المركزية الأمريكية هو تحديد مستوى الوجود العسكري الذي يحقق الحد الأدنى المطلوب من الردع وطمأنة الشركاء والحفاظ على حرية التصرف، من دون تحمل الكلفة والمخاطر المرتبطة بالوجود العسكري الكثيف والثابت.
وتقوم الورقة، على مجموعة من المتغيرات المتداخلة التي تحدد شكل البيئة الجديدة والخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة. يأتي في مقدمتها المتغير الإيراني؛ فإيران خرجت من الحرب بقدرات تقليدية واستراتيجية أضعف، لكنها لم تفقد أدواتها غير المتكافئة. كما يشير معدو الورقة إلى احتمال اعتماد طهران بدرجة أكبر على الصواريخ والطائرات المسيّرة والحلفاء لاختبار الإرادة الأمريكية واستغلال نقاط الضعف المتصورة. وبذلك، فإن طبيعة التهديد الإيراني تتغير أكثر مما تختفي: فبدل أن يكون التحدي قائمًا بصورة أساسية على قدرات تقليدية واسعة، يصبح أكثر ارتباطًا بوسائل أقل تكلفة وأكثر قابلية للاستخدام المتكرر.
أما المتغير الثاني فهو محدودية الموارد الأمريكية. فالورقة تفترض أن الولايات المتحدة تعمل في بيئة تتزايد فيها المتطلبات العسكرية في أكثر من مسرح، في الوقت الذي تتعرض فيه قدراتها اللوجستية والذخائرية والاستراتيجية لضغوط. ولذلك لا تتعامل الورقة مع الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط باعتباره موردًا غير محدود، بل تنظر إليه باعتباره موردًا ينبغي إعادة توزيعه وفق الأولويات. ويؤدي ذلك إلى انتقال السؤال من مقدار القوة التي تستطيع الولايات المتحدة نشرها إلى مقدار القوة التي تحتاج إليها بالفعل لتحقيق أهدافها الأساسية.
ويتصل بذلك متغير هشاشة البنية العسكرية الأمريكية. فقد أظهرت الحرب أن القواعد الثابتة، التي كانت لفترة طويلة أداة رئيسية لإبراز القوة الأمريكية وطمأنة الشركاء وردع إيران، أصبحت أكثر تعرضًا للصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي المقابل، فإن تطور منظومات الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمية حسّن قدرة الشركاء على مواجهة الهجمات، لكنه لم يلغِ مشكلة تعرض البنية التحتية الثابتة للاستهداف. لذلك تميل الورقة إلى البحث في نموذج أكثر توزيعًا ومرونة وترابطًا بدل الاعتماد على شبكة كبيرة من المنشآت الثابتة.
ويظهر متغير “الشركاء الإقليميين” بوصفه عنصرًا آخر في إعادة صياغة الاستراتيجية الأمريكية. وبحسب الورقة يفترض أن دول المنطقة بدأت في إعادة تقييم الاعتماد على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني الوحيد، وأن بعضها يتجه إلى تنويع علاقاته الأمنية والسياسية والتعامل مع أكثر من قوة خارجية. ولذلك فإن مستقبل الوجود الأمريكي لا يتوقف فقط على رغبة واشنطن، بل يتأثر أيضًا بدرجة استعداد الدول المضيفة لتوفير الوصول والتمركز والتعاون الأمني، وبمدى استقلاليتها الاستراتيجية. وتفرّق الورقة بين شركاء أكثر اعتمادًا على الولايات المتحدة، مثل الكويت والبحرين، وشركاء أكثر تنوعًا وتحوطًا مثل السعودية وقطر وباكستان.
كما يمثل المتغير الإسرائيلي عاملًا يمكن أن يؤثر في استقرار أي اتفاق أمريكي–إيراني. بحيث يفترض أن “إسرائيل قد تستمر في النظر إلى البرنامج النووي والأنشطة الإقليمية الإيرانية باعتبارها تهديدًا أساسيًا”، الأمر الذي قد يدفعها إلى الضغط على واشنطن لاتخاذ موقف أكثر تشددًا أو إلى اتخاذ خطوات منفردة. وبالتالي، فإن الوصول إلى اتفاق بين واشنطن وطهران لا يعني بالضرورة أن البيئة الإقليمية ستصبح مستقرة، لأن الاتفاق سيظل معرضًا لتأثير مواقف الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها “إسرائيل”.
يضاف الى ذلك المتغير الاقتصادي في هذه المعادلة. فاستمرار الصراع يؤثر في أسعار النفط والشحن والتجارة العالمية، في حين أن قدرة الولايات المتحدة على امتصاص هذه الصدمات محدودة نسبيًا نتيجة انخفاض مخزونها الاستراتيجي من النفط. وفي الوقت نفسه، تعتمد إيران على صادرات الطاقة، ما يجعل استمرار الاضطراب مكلفًا لها أيضًا. وبالتالي، فإن الاقتصاد لا يظهر في الدراسة بوصفه مجرد نتيجة للحرب، وإنما باعتباره عامل ضغط يدفع الطرفين نحو البحث عن تسوية قبل أن ترتفع كلفة استمرار المواجهة بصورة أكبر. ويرتبط بذلك المتغير السياسي الداخلي في كل من الولايات المتحدة وإيران. ففي الولايات المتحدة، تتداخل الحرب مع الضغوط المرتبطة بأسعار الوقود والانتخابات النصفية والجدل حول استخدام القوة العسكرية. أما في إيران، فتتراكم آثار العقوبات والتضخم والحرب والضغوط الاجتماعية، بما يفرض على القيادة الإيرانية التعامل مع مسألة شرعية النظام وتماسك النخبة وتوقعات الجمهور. وبذلك، ترى الورقة أن كلا الطرفين يعمل تحت ما يمكن تسميته “ساعات زمنية” داخلية تحد من قدرته على مواصلة الصراع إلى أجل غير محدد.
ولا تنظر الورقة إلى العلاقة الأمريكية–الإيرانية بمعزل عن المنافسة الاستراتيجية الأوسع مع الصين وروسيا. فإيران أصبحت، جزءًا من بيئة تنافس أكبر تشمل الدعم التكنولوجي والاستخباراتي والدبلوماسي الذي يمكن أن تحصل عليه من موسكو وبكين. ولذلك فإن أي قرار أمريكي بشأن مستوى الوجود في الشرق الأوسط يجب أن يأخذ في الاعتبار ليس إيران فقط، وإنما أيضًا كيفية توزيع الموارد الأمريكية بين مسارح التنافس العالمي المختلفة.
وتؤدي هذه المتغيرات مجتمعة إلى تغيير طبيعة السؤال الاستراتيجي الأمريكي. فبدل أن يكون السؤال: كم ينبغي للولايات المتحدة أن تبقي من قوات وقواعد في الشرق الأوسط؟ يصبح السؤال: ما الحد الأدنى من الوضع العسكري القادر على تحقيق الردع وطمأنة الشركاء والحفاظ على حرية التصرف، مع تقليل الكلفة ونقاط الضعف؟ وهذه النقلة تمثل جوهر الورقة إذ إنها تنقل التركيز من “حجم الوجود الأمريكي” إلى نوعية هذا الوجود ومرونته وقدرته على البقاء والاستجابة.
وفي هذا الإطار، تعرض الورقة عددًا من الخيارات. يتمثل الخيار الأول في الإبقاء على نسخة معدلة من الوضع الحالي، بما يشمل استمرار المقرات الرئيسية في قطر والبحرين، والحفاظ على شبكة واسعة من القواعد والوجود البري، مع تعزيز حماية المنشآت وتكامل الدفاع الجوي والصاروخي مع الشركاء. ويوفر هذا الخيار الاستمرارية والطمأنة، لكنه يبقي على مستويات مرتفعة من الكلفة والتعرض للمخاطر. أما الخيار الثاني فيقوم على وضع أكثر توزيعًا ومحدودية، يتم فيه تقليص وظائف المقرات، وحصر القواعد في عدد أقل من المواقع الأكثر تحصينًا، وتحويل القوات البرية إلى نماذج تناوبية، وزيادة الاعتماد على شبكات الدفاع الجوي والصاروخي المدعومة من الشركاء.
لتحميل الدراسة من هنا
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




