عين على العدو

الخبراء يجيبون: الذكاء الاصطناعي العربي.. سيادة أم تبعية؟ | تكنولوجيا

الخبراء

قد تبدو الحقيقة أكثر لمعانا حين تُكتب في البيانات الرسمية والخطابات الرنانة، لكن التكنولوجيا لا تفهم لغة الشعارات، إنها تحتاج إلى ما يُشغلها ويحميها ويمنح أصحابها القدرة على التحكم فيها.

في الخطابات الرسمية، تبدو سيادة الذكاء الاصطناعي أحيانا وكأنها حقيقة تتشكل من نماذج واستثمارات وشعارات متضخمة، لكن حين توضع الشعارات جانبا وتفكك المنظومة إلى مكوناتها الأولى، تظهر صورة أكثر تعقيدا مما توحي به اللغة الرسمية، حوسبة ومراكز بيانات ورقائق وطاقة وبيانات وسحابة وكفاءات، وهي حلقات لا تزال دول عربية كثيرة تعتمد في جانب منها على الخارج.

قصص مقترحة

قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة

في ياسمين الحمامات التونسية، حيث انعقدت من 7 إلى 10 سبتمبر/أيلول 2026 النسخة الثانية من قمة الذكاء الاصطناعي نحو المستقبل (AI Forward Summit)، بدا هذا التناقض حاضرا في صلب النقاش. فقد جمعت القمة، التي نظمتها المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات تحت رعاية جامعة الدول العربية بالتعاون مع وزارة تكنولوجيات الاتصال التونسية، ممثلين عن 22 دولة عربية تحت شعار “صياغة مستقبل الذكاء: من الرؤية إلى القيمة”.

وبينما رفعت القمة عنوان السيادة الرقمية والانتقال من الرؤية إلى التنفيذ، بقيت الفجوة بين الطموح والقدرة الفعلية هي الاختبار الأصعب.

الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي خلال مشاركته في فعاليات قمة الذكاء الاصطناعي بتونس (الجزيرة)

خلف النماذج.. فجوة السيادة العربية

لا تقاس جاهزية الدول للذكاء الاصطناعي بعدد النماذج التي تعلن إطلاقها، ولا بحجم الاستثمارات التي ترصدها، وإنما بمدى قدرتها على امتلاك الموارد والبنية التي تجعل هذه التكنولوجيا ممكنة وقابلة للاستمرار.

وهذه هي الزاوية التي يحاول “مؤشر المستقبل للذكاء الاصطناعي” الذي أُطلق خلال “قمة الذكاء الاصطناعي نحو المستقبل” في مدينة الحمامات، مقاربتها من منظور عربي، إذ لا يكتفي بقياس تبني الذكاء الاصطناعي، بل ينظر أيضا إلى مدى اعتماد الدول على مواردها وقدراتها الذاتية، بما يشمل الجوانب البرمجية والمادية.

وفي حديث خاص للجزيرة نت على هامش فعاليات القمة، قال الدكتور والخبير الدولي الأول في الأمن السيبراني بالمنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات، محمد حمدي، إن المنطقة العربية لا تزال متفاوتة بشكل كبير في قدرتها على بناء منظومة ذكاء اصطناعي مستقلة، مشيرا إلى استثمارات متقدمة في السعودية وقطر والإمارات ومصر، مقابل فجوات أكبر في دول أخرى.

لكن الفجوة، بحسب حمدي، لا تتوقف عند النماذج والبيانات. فالسيادة تظل منقوصة ما لم تمتلك الدول البنية التحتية والحوسبة والموارد البشرية اللازمة، إلى جانب القدرة على تأمين هذه المنظومة. ويقول إن الحضور العربي في إنتاج المكونات الأساسية للبنية التحتية التقنية ما يزال “شبه منعدم”، وهو ما يجعل الحديث عن الاستقلال التكنولوجي أكثر تعقيدا من مجرد تطوير نموذج عربي.

ويرى حمدي أن التحدي العربي الحقيقي يتمثل في 3 عناصر مترابطة، وهي النماذج والبنية التحتية والموارد البشرية، محذرا من أن الخطوات الحالية لن تكون كافية أو مستدامة ما لم تتحقق السيادة في هذه المكونات مجتمعة.

ولا يستثني ذلك الدول العربية التي قطعت شوطا متقدما في تطوير نماذجها، إذ يرى حمدي أن امتلاك نموذج متطور لا يعني بالضرورة امتلاك المنظومة التي يقوم عليها، مادامت الخوادم والحوسبة والمكونات التقنية الأساسية مرتبطة بسلسلة توريد وقدرات خارجية.

حمدي يرى أن فجوة السيادة العربية تمتد إلى البنية التحتية والحوسبة والموارد البشرية (الجزيرة)

ويضع المؤشر في مرحلته التجريبية 5 دول عربية هي السعودية وقطر والإمارات ومصر وتونس، ضمن خارطة طريق تمتد 3 أعوام، في محاولة لقياس الجاهزية ليس عبر الشعارات أو الاستبيانات وحدها، وإنما بالاستناد إلى أدلة وبيانات واختبارات عملية.

ويكشف المسار الأولي للمؤشر، بحسب حمدي، تفاوتا واضحا للدول العربية في طريق بناء قدراتها الخاصة. فبينما قطعت السعودية والإمارات وقطر أشواطا متقدمة في الاستثمار وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وبدأت مصر أيضا في بناء نماذجها الوطنية، لا تزال تونس في مراحل أبكر بكثير.

ولا يرى حمدي أن هذا التفاوت يعني بالضرورة أن على كل دولة عربية أن تبني نموذجا خاصا بها من الصفر، بل إن التحدي، في نظره، يتمثل في بناء قدرات مشتركة تسمح للدول العربية بتوظيف ما لديها من إمكانات متكاملة بدلا من إعادة إنتاج المنظومة نفسها في كل دولة.

تونس.. كفاءات بلا منظومة مكتملة

وتبدو تونس حالة كاشفة لهذا التفاوت العربي، فهي تمتلك كفاءات ومجتمعا علميا وتجارب في الذكاء الاصطناعي، ويشير حمدي إلى أنها تمتلك قاعدة بشرية وعلمية يمكن البناء عليها، لكن ذلك لا يكفي وحده لبناء منظومة وطنية قادرة على الاستمرار. فامتلاك الكفاءات يحتاج إلى بنية تحتية وحوسبة وبيانات ومراكز بيانات وطاقة، إلى جانب إستراتيجية واضحة تربط هذه العناصر ببعضها.

هذا الأمر يتقاطع مع رؤية الدكتور بلال الجاموسي، نائب مدير مكتب تقييس الاتصالات (TSB) ورئيس إدارة مجموعات الدراسات والسياسات (SPD) بالاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) بجنيف/سويسرا، الذي يرى أن تحويل هذه القدرات إلى منظومة وطنية متكاملة يتطلب أن تبدأ الدولة من إستراتيجية وطنية رفيعة المستوى تحظى بالمصادقة على أعلى مستوى، ثم تنتقل بها من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ.

ويقول الجاموسي في حديثه للجزيرة نت على هامش القمة إن تنفيذ أي إستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي يحتاج إلى ركائز أساسية، في مقدمتها مراكز البيانات والحوسبة والبيانات والطاقة والمهارات. ويرى أن هذه البنية هي التي تتيح للدول الانتقال من مجرد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى تطوير حلول وطنية قادرة على الاستمرار.

ولا يفصل الجاموسي بناء هذه القدرات عن تنمية رأس المال البشري، مشيرا إلى أن الاتحاد الدولي للاتصالات يعمل على دعم الدول العربية في تطوير المهارات، بما في ذلك البدء من سن مبكرة، إلى جانب دعم الشركات الناشئة ومساعدتها على تطوير حلول يمكن أن تجد طريقها إلى الأسواق والاستثمارات الدولية.

وفي جانب الحوكمة، يرى الجاموسي أن بناء الذكاء الاصطناعي لا ينفصل عن التقييس الدولي، ولذلك أنشأ الاتحاد الدولي للاتصالات قاعدة بيانات تضم حوالي 900 منشور ووثيقة مرتبطة بالتقييس والتقييم الدولي للذكاء الاصطناعي، صادرة عن الاتحاد ومنظمات دولية أخرى، من بينها المنظمة الدولية للتقييس (ISO). والغاية، من وجهة نظره، هي توفير أداة لصانع القرار تجمع هذه المعايير والتقييمات والتقارير وتساعده على الاستناد إليها عند بناء السياسات والحلول الوطنية.

وفي الاتجاه نفسه، أشار الجاموسي إلى إنشاء “مختبر الذكاء الاصطناعي للخير” (AI For Good Lab) الذي أطلق قبل نحو شهرين، ويجمع موارد وخبرات من الاتحاد الدولي للاتصالات ومنظمة الأمم المتحدة بهدف مساعدة الدول للانتقال من الإستراتيجية إلى التنفيذ.

الجاموسي يرى أن تنمية المهارات ورأس المال البشري ركيزة أساسية لبناء القدرات العربية في الذكاء الاصطناعي (الجزيرة)

ويقول إن نحو 10 دول تشارك في المبادرة حاليا، من بينها الإمارات، التي تساهم أيضا في دعم توسيع التجربة على المستوى الإقليمي، فيما يعمل الاتحاد الدولي للاتصالات مع البنك الدولي على إيجاد التمويل اللازم لتسريع تنفيذ الإستراتيجيات الوطنية.

ومن هنا، لا يرى الجاموسي أن امتلاك نموذج لغوي ضخم يجب أن يكون نقطة البداية لكل دولة. فالدول التي لا تملك قدرات الحوسبة ومراكز البيانات والطاقة اللازمة تستطيع، في مرحلة انتقالية، استخدام النماذج الكبرى المطورة في الولايات المتحدة والصين، لبناء تطبيقات وحلول وطنية في الصحة والنقل والتعليم، قبل الانتقال تدريجيا لبناء نماذجها الخاصة.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة، بحسب الجاموسي، يظل مرتبطا بحجم الاستثمار المطلوب، فبناء مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية اللازمة للنماذج الكبرى يتطلب مليارات الدولارات، وهو ما يجعل بناء نموذج مستقل لكل دولة عربية أمرا بالغ الصعوبة. ومن ثم، يرى أن التكتل الإقليمي العربي أو الأفريقي قد يكون الطريق الأكثر واقعية لبناء قدرات مشتركة في الحوسبة والنماذج والبنية التحتية.

السيادة لا تبدأ من النموذج بل من البيانات

لكن امتلاك الحوسبة ومراكز البيانات لا يحسم وحده مسألة السيادة، إذ تبقى البيانات والقوانين التي تحكمها في قلب المعادلة. وترى الدكتورة الفلسطينية منى نبيل ضميدي، نائبة رئيس الجامعة العربية الأمريكية للذكاء الاصطناعي ومديرة العلاقات الدولية، أن الدول العربية تحتاج إلى امتلاك قدرتها على التحكم في بياناتها، بما يشمل البنية التي تستضيفها والسحابة التي تعالجها، إلى جانب قواعد واضحة تحدد كيفية استخدامها.

وفي حديثها للجزيرة نت، على هامش القمة، تلفت ضميدي إلى فجوة تشريعية تواجه المنطقة العربية، مقارنة بما طوره الاتحاد الأوروبي من أطر قانونية مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) وقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act).

وترى أن امتلاك بنية تحتية للبيانات من دون قوانين واضحة تحميها وتحدد المسؤوليات المرتبطة بها يترك جزءا أساسيا من مفهوم السيادة ناقصا، خصوصا مع توسع الاعتماد على الشركات والمنصات الخاصة.

وتطرح ضميدي في هذا السياق مفهوم “سفارة البيانات” (Data Embassy) بوصفه أحد الحلول الممكنة للدول التي لا تستطيع حماية بياناتها بصورة كافية داخل حدودها. وتشرح أن دولة مثل فلسطين، في ظل غياب إطار قانوني قوي لحماية البيانات، يمكن أن تبحث عن استضافة بعض بياناتها في دول أخرى ضمن ترتيبات قانونية واضحة، بحيث تخضع تلك البيانات لقواعد الحماية في الدولة المضيفة، وتتوفر آليات قانونية يمكن من خلالها حماية أصحابها ومساءلة الجهات التي تتعامل معها.

ضميدي تشير إلى أن امتلاك بنية للبيانات من دون قوانين واضحة لحمايتها يترك مفهوم السيادة منقوصا (الجزيرة)

ولا ترى ضميدي أن هذا الحل يوفر حماية مطلقة، لأن البيانات تظل مرتبطة باعتبارات سياسية وقانونية، لكنه قد يمنح الدول التي تفتقر إلى الأطر والبنى الوطنية قدرة أكبر على الحماية والمساءلة. وفي المقابل، فإن بناء مراكز بيانات وطنية أو سحب خاصة لا يكون كافيا إذا ظلت السيطرة التشغيلية والقانونية على البنية لدى شركات خاصة أو جهات خارجية.

وتضع ضميدي 3 شروط أساسية أمام أي حديث عن سيادة الذكاء الاصطناعي، وهي وجود بنية وطنية للبيانات ومراكز بيانات قادرة على استضافة الأنظمة الحساسة، وتشريعات واضحة وقوية لحماية البيانات، ثم تحديد خطوط حمراء لاستخدام النماذج العالمية، بحيث تعرف المؤسسات مسبقا أي البيانات يمكن معالجتها عبر هذه النماذج وأيها لا يجوز إخراجه من البيئة الوطنية.

وتزداد أهمية هذه القواعد مع انتقال الذكاء الاصطناعي من نماذج تجيب عن الأسئلة إلى أنظمة قادرة على تنفيذ المهام واتخاذ خطوات نيابة عن المستخدم، إذ يصبح السؤال، حسب ضميدي، ليس فقط أين توجد البيانات، وإنما أيضا ماذا تستطيع هذه الأنظمة الوصول إليه، وما القرارات التي يمكنها اتخاذها، وكيف تخضع عملياتها للرقابة.

جانب من حضور قمة الذكاء الاصطناعي نحو المستقبل في مدينة الحمامات التونسية (الجزيرة)

وتشير ضميدي إلى إمكانية بناء قدرات إقليمية مشتركة تجمع بين عناصر القوة المتوافرة في الدول العربية، فبعض دول الخليج تمتلك الطاقة والبنية التحتية والاستثمارات، بينما تمتلك دول أخرى، بينها دول في شمال أفريقيا، قاعدة من الكفاءات والخبرات التي يمكن أن تسهم في بناء هذه المنظومة. ومن ثم، قد لا تكون السيادة في امتلاك كل حل على حدة، بقدر ما تكون في امتلاك القدرة الجماعية على التحكم في البيانات والبنية التحتية والقواعد التي تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي.

في النهاية، تُترك الشعارات عند الباب حين تبدأ الآلة بالعمل. هناك فقط، في المكان الذي تتحرك فيه البيانات وتستهلك فيه الحوسبة وتتخذ فيه القرارات، تنكشف السيادة على حقيقتها. وما بين أن نستخدم الذكاء الاصطناعي وأن نملك مفاتيحه، مسافة لا يزال العالم العربي يحاول ردمها. وقد تكون هذه المسافة، أكثر من أي نموذج أو استثمار، هي القصة الحقيقية للسيادة التي يجري الحديث عنها.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.aljazeera.net

تاريخ النشر: 2026-09-12 14:15:00

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews“:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.aljazeera.net
بتاريخ: 2026-09-12 14:15:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews“، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى