صحافة

احتجاجات في مختلف المحافظات السورية: رسالة شعبية حاسمة للسلطة بحماية الأرض ورفض التوغلات الإسرائيلية

لم تعد التوغلات العسكرية الإسرائيلية في جنوبي سوريا مجرد تحركات ميدانية تجري على مقربة من خط فضّ الاشتباك، بل باتت تثير ردود فعل شعبية تتجاوز المناطق الحدودية، في ظل استمرار اقتحام القرى، ودهم المنازل، واعتقال المواطنين، وتجريف الأراضي الزراعية. وقد جاءت الاحتجاجات التي شهدتها عدة محافظات سورية منذ أيام، لتعبّر عن رفض شريحة واسعة من السوريين استمرار هذه الانتهاكات، ولتؤكد أن قضية السيادة الوطنية لا تزال حاضرة في الشارع السوري، بالرغم من كل التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد منذ أواخر العام 2024.

وشكّل استشهاد الشاب معاذ سلامة البعير، يوم الخميس 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في قرية جملة بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، محطة جديدة في تصاعد الغضب الشعبي. فبحسب المعلومات الواردة عن الحادثة، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في القرية، وانتشرت في حارتها الشرقية، ونشرت قناصة على أسطح المنازل، قبل أن تطلق النار على البعير، وهو من ذوي الحاجات الخاصة، ولم يتمكن من سماع نداءات الجنود أو تحذيراتهم.

وأعادت هذه الحادثة تسليط الضوء على المخاطر التي يواجهها المدنيون في المناطق التي تتكرر فيها التوغلات الإسرائيلية، ولا سيما في القرى القريبة من خط وقف الاشتباك. كما أثارت تساؤلات بشأن طبيعة الإجراءات التي تنفذها القوات الإسرائيلية داخل التجمعات السكانية، ومدى التزامها بحماية المدنيين، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول هذه التوغلات إلى واقع ميداني دائم، يفرض قيوداً على حياة السكان وأمنهم وحقهم في البقاء بأراضيهم. وكل ذلك يحصل في ظلّ غياب أي رد فعل من السلطات السورية المؤقتة.

وكان لافتاً أن الاحتجاجات لم تبقَ محصورة في درعا والقنيطرة، بل امتدت إلى دمشق ودوما وحمص، وصولاً إلى مناطق في إدلب وحماة والرقة والحسكة ودير الزور. ورفع المشاركون الأعلام السورية ولافتات منددة بالاعتداءات، من بينها “كلنا معاذ” و”سوريا لن تكون ساحة مفتوحة للاحتلال”، في رسائل تعكس التضامن مع ضحايا التوغلات، والاعتراض على استمرار الانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية. ويكتسب اتساع هذه التحركات دلالة تتجاوز أعداد المشاركين وأماكن تجمعهم؛ إذ يضع السيادة السورية وسلامة الأراضي الوطنية في صدارة المطالب الشعبية، ويشير إلى أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية لا يُقابل بالضرورة بالقبول أو الصمت، حتى في ظل غياب مواجهة عسكرية مباشرة بين القوات الإسرائيلية والسلطات السورية الجديدة. كما يعكس حضور القضية في مدن متباعدة جغرافياً محاولةً لتأكيد أن ما يجري في الجنوب ليس شأناً محلياً يخص سكان القرى الحدودية وحدهم، بل قضية وطنية تتصل بأمن السوريين جميعاً.

السويداء والاحتجاجات: رفض التدخل الإسرائيلي وخطر الانقسام الداخلي

ومن الجوانب التي تستحق التوقف عندها، هي ربط بعض المحللين هذه الاحتجاجات بما يجري في محافظة السويداء، حيث تتواصل الخلافات بين السلطات السورية الحالية وبعض القوى المحلية الدرزية، في ظل اتهامات متبادلة بشأن مستقبل المحافظة وعلاقتها بدمشق، ودور إسرائيل في هذا المشهد.

فثمة من يرى في الاحتجاجات المناهضة للتوغلات الإسرائيلية رسالةً تتجاوز إدانة الاعتداءات الإسرائيلية المباشرة، لتشمل رفض أي مسار يتيح لإسرائيل توسيع احتلالها ونفوذها داخل سوريا، سواء عبر السيطرة الميدانية ومن خلال بناء علاقات مع شخصيات محلية لا تمثل إطلاقاً، غالبية سكان محافظة السويداء. فمن الضروري التمييز بين مواقف بعض الشخصيات المحلية وبين موقف أبناء السويداء والدروز عموماً. فالمجتمع الدرزي ليس كتلة سياسية واحدة، ولا يجوز اعتبار مواقف أطراف محددة تعبيراً عن إرادة جميع أبنائه، كما أن المجتمع الدرزي بأغلبه مناهض لإسرائيل ويرفض أي خطة تقسيم وفدرلة. وهنا لا يجب الإغفال أيضاً عن مسؤولية السلطات الحالية عما حصل في السويداء من مجازر وجرائم وحشية، كانت السبب الأول لذهاب البعض الى خيارات غير وطنية.

رفض التوغلات وحقوق جميع المكونات

وعليه، فإن الاحتجاجات الأخيرة تفتح المجال أمام قراءة تقوم على أن رفض التوغلات الإسرائيلية لا يتناقض مع المطالبة بمعالجة المظالم المحلية أو ضمان حقوق المكونات السورية المختلفة. بل إن الحفاظ على وحدة سوريا يقتضي، في الوقت نفسه، رفض الاعتداءات الخارجية، وتجنب تحويل الخلافات الداخلية إلى ذرائع للتدخل الإسرائيلي أو لتوسيع نفوذه. أما اختزال الموقف الدرزي في مواقف بعض القوى المرتبطة بإسرائيل، فيهدد بتعميق الانقسامات التي تستفيد منها الأطراف الساعية إلى تكريس واقع التجزئة.

وفي المحصلة، وجّهت احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2026 رسالة واضحة إلى السلطات السورية والمجتمع الدولي: إن استمرار التوغلات والاعتقالات وتجريف الأراضي وقتل المدنيين لم يعد يمكن السكوت عليها، وبالتأكيد ستكون الفترة المقبلة شاهدة على تطور في هذا الموقف الشعبي. وقد جعل استشهاد الشاب معاذ سلامة البعير هذه الرسالة أكثر إلحاحاً، بعدما تحولت قضيته إلى رمز لمعاناة سكان المناطق الحدودية. ويبقى الاختبار أمام السلطات السورية في ترجمة هذا الرفض الشعبي إلى خطوات عملية لحماية المدنيين واستعادة السيادة، بالتوازي مع معالجة الانقسامات الداخلية على أساس المواطنة والحقوق المتساوية، حتى لا تتحول معاناة السوريين إلى مدخل لمزيد من التدخلات الخارجية والتفكك.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى