عاجل | إعادة تموضع القوات الأمريكية: واشنطن تعيد توزيع مخاطر حروبها ودول المنطقة تدفع الثمن
عاجل | إعادة تموضع القوات الأمريكية: واشنطن تعيد توزيع مخاطر حروبها ودول المنطقة تدفع الثمن
لم يكشف العدوان الصهيوأمريكي على إيران عن حدود القوة العسكرية الأمريكية فحسب، بل كشفت أيضاً عن هشاشة نموذج الانتشار الذي بنت عليه واشنطن وجودها العسكري في الخليج الفارسي لعقود. فالقواعد الأمريكية المنتشرة في قطر والبحرين والكويت والإمارات، والتي شكلت ركائز أساسية لمنظومة القيادة والسيطرة والعمليات الجوية والبحرية الأمريكية في المنطقة، تحولت خلال الأشهر الماضية إلى أهداف مباشرة للضربات الإيرانية، الأمر الذي دفع البنتاغون إلى إعادة تقييم وجوده العسكري برمته، بهدف إعادة توزيع قواته وأصوله ومراكز قيادته على جغرافيا أوسع وأقل تعرضاً للخطر المباشر (وفقاً للظن الأمريكي).
وتقوم المقاربة الأمريكية الجديدة على التحرك غرباً بعيداً عن الخليج الفارسي، مع دراسة استخدام منشآت في غربي السعودية، وفي الأردن والكيان المؤقت، بالتوازي مع توسيع شبكة الإسناد الأمريكية في شرق أفريقيا والمحيط الهندي. ويبرز ضمن هذا المسار استخدام أو توسيع منشآت مثل قاعدة الملك فهد الجوية في الطائف، وقاعدة الملك فيصل الجوية في تبوك، ومرافق لوجستية على ساحل البحر الأحمر، إضافة إلى قاعدة موفق السلطي والمنشآت الأمريكية في الأردن، ومواقع في منطقة النقب داخل فلسطين المحتلة. وبالتوازي، يجري تعزيز الاعتماد على نقاط ارتكاز متوسطة البعد أو بعيدة، مثل بوصاصو في الصومال أم جزيرة دييغو غارسيا، ضمن محاولة لتأمين خطوط الإمداد والحركة في حال استمرار تهديد الخليج ومضيق هرمز.
هذا التحول ليس تفصيلاً عسكرياً محدوداً، بل يمثل اعترافاً أمريكياً بأن القواعد الأمامية الضخمة باتت نقطة ضعف بدلاً من أن تكون نقطة قوة. فقد جعل تمركز آلاف الجنود والطائرات والذخائر ومراكز القيادة في مواقع ثابتة ومعروفة من تلك القواعد أهدافاً يمكن استهدافها في أي مواجهة واسعة. وتعرضت منشآت أمريكية في البحرين وقطر والإمارات والكويت لضربات متكررة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تقليص بعض الأصول وإعادة توزيعها، في حين أصبحت قاعدة العديد الجوية، التي تضم نحو 10 آلاف جندي وتشكل مركزاً متقدماً للقيادة المركزية الأمريكية، مثالاً بارزاً على مخاطر البنية العسكرية شديدة التركّز.
ومن هنا برزت فكرة الانتأوضح من نموذج “الوجود الدائم” إلى نموذج “الوصول المرن”. فبدلاً من إبقاء الجزء الأكبر من القوة في قواعد ضخمة، تسعى واشنطن إلى توزيع المعدات والأفراد، وإنشاء مراكز قيادة أصغر وأكثر حركة، والاستفادة من اتفاقيات الوصول إلى القواعد والمطارات والموانئ عند الحاجة. كما تبرز فكرة نقل جزء من ثقل إدارة العمليات إلى المقر الرئيسي للقيادة المركزية في قاعدة ماكديل الجوية بولاية فلوريدا، مع الاعتماد عند الضرورة على مراكز عمليات متنقلة أو بحرية.
ويكتسب خيار غربي السعودية أهمية خاصة في هذه المعادلة. فالانتأوضح من الساحل الشرقي للخليج إلى الساحل الغربي للبحر الأحمر يسمح لواشنطن بالحفاظ على وجودها داخل شبه الجزيرة العربية، مع إبعاد جزء من البنية العسكرية عن البيئة الأكثر تعرضاً للضربات الإيرانية (بحسب المزاعم الأمريكية). كما يوفر استخدام قاعدة الملك فهد الجوية في الطائف، وقاعدة الملك فيصل في تبوك، ومرافق مثل ميناء ينبع، شبكة إسناد قادرة على خدمة العمليات الجوية والبحرية واللوجستية الأمريكية. لكن هذه الخطوة تحمل في المقابل نتيجة واضحة: كل منشأة سعودية تتحول إلى نقطة إسناد للقوات الأمريكية ستتحول أيضاً إلى جزء من معادلة الاستهداف في الحرب.
وينطبق الأمر نفسه على الأردن. فدفع مزيد من الأصول الأمريكية نحو قاعدة موفق السلطي والمنشآت الأخرى لا يعني أن المملكة أصبحت مجرد “خط خلفي” بعيد عن الحرب، بل قد يجعل أراضيها جزءاً من البنية العملياتية الأمريكية الممتدة بين الخليج والعراق وسوريا وفلسطين. والأمر أكثر وضوحاً في حالة الكيان الإسرائيلي، حيث يجري بحث نقل مراكز عمليات وأصول عسكرية من قواعد الخليج إلى منطقة النقب، للاستفادة مما يمكن أن تقدمه منظومات الدفاع الجوي والصاروخي الإسرائيلية والأمريكية، بما فيها “آرو” و”مقلاع داوود” و”القبة الحديدية” و”ثاد”.
أما أخطر ما في هذه العملية، فهو على المنطقة وشعوبها، لأن واشنطن لا تنقل وجودها العسكري فقط؛ بل تنقل معها احتمال اتساع نطاق المواجهة العسكرية. فحين توافق دولة ما على استخدام أراضيها أو قواعدها أو موانئها كمراكز للقوات الأمريكية، فإنها لا تحصل بالضرورة على مظلة أمنية إضافية، بل قد تجد نفسها أمام معادلة معاكسة: تصبح منشآتها العسكرية واللوجستية جزءاً من بنك الأهداف المحتمل في أي مواجهة أمريكية-إيرانية جديدة. وهنا تبرز المسؤولية السياسية لسلطات الدول المضيفة ولشعوب هذه الدول، التي يجب أن تلعب دوراً فعّالاً في مواجهة خطوة حكامهم، سراً وعلانية. لأنه إذا كانت الضربات التي طالت القواعد الأمريكية في الخليج قد أثبتت أن الجغرافيا لا توفر حماية مطلقة، فإن نقل تلك القواعد إلى الطائف أو تبوك أو الأردن أو النقب لا يلغي المشكلة، بل يعيد توزيعها ويفاقمها. كما أن التوسع الأمريكي في شرقي أفريقيا، ولا سيما في بونتلاند بالصومال، تحت ذريعة مواجهة تنظيم داعش الوهابي الإرهابي، سيتحول عملياً إلى جزء من شبكة أوسع لمواجهة التحديات القادمة من اليمن بقيادة حركة أنصار الله والبحر الأحمر خدمةً لمصالح أمريكا وإسرائيل، بما يفتح جبهات جديدة بدلاً من إغلاق الجبهات القائمة.
لذلك، فإن إعادة التموضع الأمريكية ليست انسحاباً من المنطقة كما يظن البعض، بل هي في جوهرها إعادة هندسة للوجود العسكري الأمريكي، وإعادة توزيع للمخاطر والخسائر، وإيجاد بدائل متعددة في حال تعرض إحدى ساحات الانتشار للخطر. غير أن الثمن المحتمل لهذه الاستراتيجية ستدفعه بشكل أكبر، الدول التي تفتح أراضيها أمام هذا الانتشار. فكلما اتسعت البنية العسكرية الأمريكية خارج الخليج، اتسعت معها دائرة الدول التي قد تجد نفسها مرتبطة مباشرة بنتائج الحرب.
وبذلك، ستتحول الدول المضيفة من مجرد حلفاء لواشنطن إلى أطراف فعلية في الصراع، بقرار مسبق منها، عندما سمحت بتحول منشآتها إلى جزء من منظومة العمليات الأمريكية!!
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





