عاجل عاجل | دمشق تحتضن والدة أصالة بعد 14 عاماً.. وغياب الفنانة يشعل التساؤلات - أخبار السعودية
صحافة

عاجل | هرمز لم يعد القضية.. الخليج يعيد بناء قواعد اللعبة

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | هرمز لم يعد القضية.. الخليج يعيد بناء قواعد اللعبة

نادراً ما تؤدي الحروب والأزمات إلى تغيير الخرائط السياسية فقط، لكنها كثيراً ما تعيد رسم خرائط القوة بطرق أكثر عمقاً واستدامة. وما تشهده منطقة الخليج اليوم يبدو أقرب إلى هذا النوع من التحولات. فبعيداً عن الضجيج السياسي والعسكري الذي رافق أزمة التصعيد الأخيرة، كانت هناك عملية أكثر أهمية تجري في الخلفية: إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي نفسه، وإعادة توزيع الأدوار بين القوى المحلية والقوى الخارجية التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية.

منذ نهاية الحرب الباردة، استند النظام الأمني الخليجي إلى معادلة بدت راسخة لسنوات طويلة. الولايات المتحدة توفر المظلة العسكرية والضمانات الاستراتيجية، فيما تتدفق الطاقة عبر ممرات بحرية تحميها القوة الأمريكية. وبدا وكأن هذه الصيغة قادرة على الصمود إلى أجل غير مسمى. لكن التاريخ نادراً ما يحافظ على معادلاته ثابتة، خصوصاً عندما تتغير موازين القوة العالمية وتتبدل أولويات اللاعبين الكبار.

أزمة التصعيد الأخيرة لم تكشف فقط حجم المخاطر التي يمكن أن تواجهها المنطقة، بل كشفت أيضاً حدود الإرادة الأمريكية في إدارة هذه المخاطر. وبينما احتفظت واشنطن بتفوقها العسكري الهائل، فإنها تصرفت في النهاية وفق منطق المصالح الأمريكية المباشرة لا وفق منطق الالتزام المفتوح بأمن الحلفاء. وهذه ليست سمة خاصة بإدارة معينة أو رئيس بعينه، بل تعبير عن اتجاه أوسع بدأ يتبلور منذ سنوات مع انتأوضح مركز الثقل الاستراتيجي الأمريكي نحو آسيا وصعود أولويات جديدة تتجاوز الشرق الأوسط.

هنا تحديداً بدأت الصورة تتغير في العواصم الخليجية. فالسؤال لم يعد يتعلق بحجم الوجود العسكري الأمريكي أو عدد القواعد المنتشرة في المنطقة، بل بمدى إمكانية بناء أمن مستدام يعتمد على مصالح دول الخليج نفسها قبل اعتماده على إرادة القوى الخارجية. وربما للمرة الأولى منذ عقود، لم يعد النقاش يدور حول كيفية الحصول على مزيد من الحماية، بل حول كيفية إنتاج قدر أكبر منها محلياً.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحولات المتسارعة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا العسكرية وتنويع الشراكات الدولية. لكن التحول الأكثر أهمية لا يحدث في صفقات السلاح أو البيانات السياسية، بل في البنية الاقتصادية والجغرافية التي تشكل أساس القوة في الخليج.

فإذا كان القرن العشرين قد ربط أمن الخليج بحماية حقول النفط، فإن القرن الحادي والعشرين يربطه بصورة متزايدة بحماية تدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد وشبكات النقل والممرات اللوجستية. ولهذا السبب اكتسب مضيق هرمز كل هذه الأهمية الاستثنائية. فالمضيق لم يكن مجرد ممر بحري، بل كان تجسيداً لفكرة أوسع مفادها أن نقطة جغرافية واحدة قادرة على التأثير في جزء كبير من الاقتصاد العالمي.

لكن ما كشفته الأزمة الأخيرة هو أن دول الخليج لم تعد تفكر في كيفية حماية المضيق فقط، بل في كيفية تجاوز مركزية المضيق نفسها. وهذه ملاحظة تستحق التوقف عندها. فعندما تنفق دول المنطقة مليارات الدولارات على خطوط أنابيب جديدة وموانئ بديلة وشبكات نقل عابرة للحدود، فإنها لا تبحث فقط عن طريق آخر للنفط، بل تعيد تعريف مفهوم الأمن ذاته.

السعودية توسع قدراتها التصديرية عبر البحر الأحمر، والإمارات تعزز شبكات التصدير والتخزين خارج هرمز، وسلطنة عُمان تطور موانئها كمراكز بديلة للطاقة والتجارة، فيما تتقدم مشاريع الربط البري والسككي بين دول المنطقة بوتيرة متسارعة. ظاهرياً تبدو هذه المشاريع استثمارات اقتصادية، لكنها في جوهرها تعبر عن تحول استراتيجي بالغ الأهمية.

فالمسألة لم تعد تتعلق بحماية طريق واحد للطاقة، بل ببناء شبكة متعددة المسارات تجعل أمن الاقتصاد الإقليمي أقل ارتباطاً بأي نقطة اختناق منفردة. وبهذا المعنى، فإن الخليج لا يعيد رسم طرق النفط فحسب، بل يعيد صياغة مفهوم الردع والأمن الذي حكم المنطقة لعقود.

والأهم من ذلك أن هذه التحولات تعني أن الخليج ينتقل تدريجياً من موقع مستهلك للأمن إلى موقع منتج للأمن. فبدلاً من انتظار الضمانات القادمة من الخارج، بدأت دول المنطقة تبني أدواتها الخاصة لإدارة المخاطر وحماية التدفقات الاقتصادية وتأمين المصالح الاستراتيجية. وقد يبدو هذا التحول تقنياً للوهلة الأولى، لكنه في الواقع أحد أعمق التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة منذ عقود.

وهنا تبرز إيران بوصفها حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها. فالمكانة التي تمتلكها لا تنبع فقط من قدراتها العسكرية أو نفوذها السياسي، بل من موقعها داخل الجغرافيا التي تتحكم بأحد أهم مفاصل الطاقة العالمية. ولهذا فإن محاولات بناء منظومة أمنية إقليمية تتجاهل إيران أو تسعى إلى إخراجها بالكامل من المعادلة اصطدمت دائماً بحدود الواقع الجغرافي.

لكن قراءة المشهد من زاوية "صعود إيران" وحدها تبقى قراءة ناقصة. فالأزمة الحالية لا تتعلق بانتصار طرف إقليمي على آخر بقدر ما تتعلق بعودة الجغرافيا لتفرض نفسها على الجميع. فالدول العربية المطلة على الخليج وإيران تشترك في مساحة استراتيجية واحدة، وتتأثر بالتهديدات ذاتها، وتعتمد على الممرات الاقتصادية نفسها. ولذلك فإن أي تصور طويل الأمد للاستقرار سيبقى مرتبطاً بدرجة ما بقدرة هذه القوى على بناء تفاهمات إقليمية تنطلق من المصالح المشتركة لا من رهانات الاستقطاب الدائم.

وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحدياً مختلفاً. فهي لا تفقد نفوذها في الخليج، لكنها تفقد تدريجياً احتكارها لتعريف الأمن الخليجي. فالقوى الإقليمية باتت أكثر استقلالية، والخيارات الدولية أصبحت أكثر تنوعاً، والعالم نفسه يتجه نحو تعددية أكبر في مراكز القوة والتأثير. وفي مثل هذه البيئة، يصبح من الصعب على أي قوة خارجية أن تفرض وحدها شكل النظام الإقليمي أو أولوياته.

لهذا فإن التحول الحقيقي الذي كشفت عنه الأزمة الأخيرة لا يكمن في حجم النفوذ الإيراني ولا في طبيعة الدور الأمريكي، بل في انتأوضح الخليج نفسه من موقع الساحة التي تتنافس فوقها القوى المختلفة إلى موقع الفاعل الذي يعيد تشكيل قواعد اللعبة. فالدول الخليجية لم تعد تكتفي بالتكيف مع التحولات الدولية، بل بدأت تبني بنية تحتية وممرات وشبكات وشراكات تعيد توزيع القوة داخل الإقليم بطريقة تمنحها هامشاً أكبر من الاستقلال والقدرة على المبادرة.

وربما هنا تكمن المفارقة الأهم. فبينما انشغل كثيرون بالسؤال عمّن ربح الجولة الأخيرة ومن خسرها، كانت المنطقة تشهد تحولاً أكثر عمقاً وأطول عمراً من أي مواجهة عسكرية عابرة. كانت تشهد انتأوضحاً تدريجياً من نظام أمني تأسس على الحماية الخارجية إلى نظام جديد يتشكل حول الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والتفاهمات الإقليمية.

ومن هنا يمكن فهم الدلالة الأعمق لكل ما يجري اليوم. فالصراع الذي يتشكل في الخليج لم يعد صراعاً على السيطرة على الممرات أو حماية خطوط الطاقة فقط، بل أصبح صراعاً على حق تعريف النظام الذي يحكم هذه الممرات وخطوط الطاقة. وبينما تنشغل القوى الكبرى بإدارة أزمات اللحظة، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة تاريخية مختلفة، مرحلة يصبح فيها أمن الخليج نتاجاً لتوازنات الخليج نفسه أكثر مما هو انعكاس لإرادة القوى البعيدة عنه.

وفي النهاية، قد لا يكون الإرث الأهم للأزمة الأخيرة هو ما أحدثته من توترات أو مواجهات، بل ما كشفته من حقيقة استراتيجية طال تجاهلها: أن الجغرافيا لا تختفي تحت ظلال التحالفات، وأن الأمن المستدام لا يُستورد من الخارج بقدر ما يُبنى بين القوى التي تتشارك المكان والمصير والمصلحة. وفي هذه الحقيقة تحديداً تكمن ملامح النظام الخليجي الجديد الذي بدأ يتشكل أمام أعين الجميع.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى