عاجل | فورين أفيرز: الخيار الأقل سوءاً لترامب في إيران
عاجل | فورين أفيرز: الخيار الأقل سوءاً لترامب في إيران
يعتبر هذا المأوضح، الذي نشرته مجلة "فورين أفيرز - Foreign Affairs" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني، ان التوصل الآن إلى اتفاق محدود لكنه دائم، يخرج امريكا من المستنقع الحالي ويمنع جولات مستقبلية من الصراع بينها وبين إيران، وأنه يمثل الخيار الأقل سوءاً بالنسبة إلى ترامب، حتى لو تطلب ذلك تنازلات أميركية مؤلمة، التي اعتبرها ثمن حرب فاشلة جعلت أمريكا في وضع أسوأ مما كانت عليه عند بدايته. مشيراً إلى أن توقعات ترامب بتحقيق تنازلات نووية إيرانية، ليست في الأفق إطلاقاً، بسبب أن الموقع التفاوضي الأميركي أصبح اليوم أسوأ مما كان عليه قبل الحرب، بعدما أثبتته الجمهورية الإسلامية من صمود أكثر مما توقعه الرئيس الأميركي، وأن هذه المطالب الأميركية تتناقض مع ميزان القوى الذي مال بشكل حاسم لمصلحة إيران منذ اندلاع الحرب. مبيّناً أن الحرب أظهرت أيضاً، أن قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة تمنحها نفوذاً هائلاً لتعطيل مرور إمدادات الطاقة العالمية الحيوية وإلحاق أضرار مؤلمة بالمنشآت العسكرية الأميركية والدول المجاورة.
النص المترجم:
بعد 3 أشهر على الهجمات الأميركية-الإسرائيلية المشتركة على إيران التي أشعلت حرباً في الشرق الأوسط، لا تزال الولايات المتحدة عالقة في حالة من الضياع الاستراتيجي، من دون أي أفق واضح لتسوية النزاع. فقد أدّت الحصارات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران إلى إغلاق مضيق هرمز أمام معظم حركة الملاحة البحرية، ما أخرج نحو 14 مليون برميل يومياً من نفط الخليج الفارسي من الأسواق العالمية. وعلى الرغم من أسابيع من الغارات الجوية القاسية، لا تزال الجمهورية الإسلامية قائمة ومتحدية. وتتواصل التبادلات الدبلوماسية بوساطة باكستان، فيما ألمح مسؤولون أميركيون وإيرانيون إلى أن اتفاقاً ما قيد الإعداد. لكن مواقف التفاوض بين واشنطن وطهران لا تزال متباعدة بشكل كبير، خصوصاً أن الولايات المتحدة تواصل استهداف مواقع عسكرية إيرانية خلال محادثات السلام، فيما أثارت جولات القصف الأخيرة تهديدات إيرانية بالرد.
إن الوضع مع إيران بات غير قابل للاستمرار. ومع أن ترامب يحتاج بشدة إلى اتفاق ينهي حالة الجمود ويريده، فإن قراراته نفسها تواصل تخريب عملية التفاوض. ولكي يتم التوصل إلى اتفاق، سيحتاج ترامب أولاً إلى إعادة ضبط مطالبه بما يتلاءم مع الواقع الاستراتيجي الجديد الذي يصب الآن في مصلحة إيران. وهذا يعني التخلي عن المواقف القصوى بشأن البرنامج النووي الإيراني، والتخلي نهائياً عن أي أمل في فرض قيود على قدرات إيران الصاروخية أو دعمها للقوى الحليفة.
ولكي يصمد أي اتفاق، سيتعين على ترامب أيضاً التعامل مع مشكلة خلقتها السياسات الأميركية خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، وهي غياب الضمانات الموثوقة، وهي قضية تناولناها سابقاً في مجلة "فورين أفيرز". فدفع إيران نحو اتفاق لا يتطلب فقط التهديد العسكري، بل يحتاج أيضاً إلى إقناع النظام الإيراني بأن التعاون مع المطالب الأميركية والتخلي عن برنامجه النووي يمكن أن يمنع أي عدوان مستقبلي من الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن عبر مهاجمة إيران خلال المفاوضات والانخراط في خطاب تصعيدي متطرف على الإنترنت، مثل تهديده بمحو "حضارة كاملة"، جعل ترامب من الصعب أكثر فأكثر على واشنطن تقديم الالتزامات التي ستطلبها طهران قبل أن توافق حتى على الحد الأدنى من المطالب الأميركية.
لا يزال هناك مسار ضيق نحو اتفاق، لكنه سيتطلب تنازلات أميركية، سواء بشأن مضيق هرمز أو الملف النووي. ويمكن أن تأتي الضمانات الضرورية والموثوقة بعدة أشكال، منها اعتماد مسار تدريجي يفصل بين وضع مضيق هرمز والمفاوضات النووية، ويكافئ إيران على إحراز تقدم في أي من الملفين، أو استخدام أطراف ضامنة ثالثة مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
قد يكون مثل هذا الاتفاق غير مقبول بالنسبة إلى ترامب، لكن واشنطن في هذه المرحلة لا تواجه سوى خيارات سيئة. فاستمرار المواجهة المفتوحة حول المضيق سيؤدي فقط إلى إضعاف الموقع التفاوضي الأميركي، مع تفاقم التداعيات المؤجلة لإخراج نفط الخليج من الأسواق العالمية. كما أن المزيد من التصعيد العسكري عبر شن ضربات إضافية من غير المرجح أن يدفع إيران إلى الاستسلام. بل إن إيران سترد على الأرجح عبر استهداف البنية التحتية النفطية الخليجية. وحتى بعد إشعال مثل هذا التصعيد، سيظل ترامب بحاجة إلى اتفاق، ما سيعيد مشكلة الضمانات الموثوقة إلى الواجهة مجدداً. ويمكن لترامب ببساطة أن ينسحب، فيوقف الضربات ويترك المنطقة تتعامل وحدها مع التداعيات المتبقية. لكن هذا الخيار ربما يكون الأقل قابلية للتطبيق سياسياً بالنسبة إلى رئيس جعل من منع إيران من امتلاك سلاح نووي جزءاً أساسياً من خطابه السياسي.
إن التوصل الآن إلى اتفاق محدود لكنه دائم، يخرج الولايات المتحدة من المستنقع الحالي ويمنع جولات مستقبلية من الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يمثل الخيار الأقل سوءاً بالنسبة إلى ترامب، حتى لو تطلب ذلك تنازلات أميركية مؤلمة. لكن هذه التنازلات، للأسف، هي ثمن حرب فاشلة جعلت الولايات المتحدة في وضع أسوأ مما كانت عليه عند بدايتها.
رمال متحركة
عندما أطلقت الولايات المتحدة عملية "الغضب الملحمي" في 28 شباط/فبراير، وسط مفاوضات جارية مع إيران، كانت إدارة ترامب تعتقد أنها تستطيع إجبار طهران على قبول اتفاق أفضل من ذلك الذي كانت مستعدة للموافقة عليه على طاولة التفاوض. وعلى الرغم من أن أهداف العملية تغيّرت بشكل شبه يومي منذ ذلك الحين، فإن الرغبة الأساسية لترامب بقيت إلى حد كبير على حالها: انتزاع اتفاق نووي أفضل من أي صيغة سبق أن عرضتها طهران، بما في ذلك خطة العمل الشاملة المشتركة التي باتت من الماضي، أي الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما مع إيران. لكن ترامب يواجه الآن أولوية أكثر إلحاحاً تتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أبقته إيران مغلقاً فعلياً منذ اندلاع الحرب. وبالمسار الحالي، لا تبدو واشنطن في موقع يسمح لها بالحصول على اتفاق يحقق أيّاً من هذين الهدفين.
إن التنازلات النووية التي توقّع ترامب تحقيقها عبر ضرب إيران في البداية ليست في الأفق إطلاقاً، والسبب البسيط هو أن الموقع التفاوضي الأميركي أصبح اليوم أسوأ مما كان عليه قبل الحرب. فقد أثبت النظام الإيراني أنه أكثر صموداً مما توقعه الرئيس الأميركي، ما بدّد آمال تحقيق انتصار سريع شبيه بذلك الذي حققه ترامب في عملية الإطاحة بنيكولاس مادورو في فنزويلا. وإضافة إلى ذلك، أظهرت الحرب أن قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة تمنحها نفوذاً هائلاً لتعطيل مرور إمدادات الطاقة العالمية الحيوية وإلحاق أضرار مؤلمة بالمنشآت العسكرية الأميركية والدول المجاورة.
ويتمثل الموقف المعلن لإدارة ترامب في أن أي اتفاق يجب أن يتضمن التزام إيران بوقف تخصيب اليورانيوم، وتسليم مخزونها المتبقي من اليورانيوم عالي التخصيب ــ على الأرجح إلى الولايات المتحدة أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية ــ وإعادة فتح مضيق هرمز من دون رسوم أو ضرائب عبور. وفي المقابل، سترفع الولايات المتحدة حصارها على الموانئ الإيرانية. أما تخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة فلن يحدثا إلا مع التزام إيران بتعهداتها النووية وتفكيك منشآتها النووية.
لكن بالنسبة إلى النظام الإيراني، فإن هذا الترتيب غير مقبول. فبدايةً، تتناقض المطالب الأميركية مع ميزان القوى الذي مال بشكل حاسم لمصلحة إيران منذ اندلاع الحرب. فالولايات المتحدة لم تهزم إيران، وبالتالي لا يمكنها فرض شروط المنتصر أو توقّع استسلام إيراني كامل. صحيح أن إيران أيضاً لم تنتصر في الحرب، لكنها تريد ــ وبحق ــ اتفاقاً نهائياً يعكس موقعها التفاوضي الأقوى، أي امتلاكها الآن مصدرين للنفوذ لا مصدراً واحداً: برنامجها النووي وسيطرتها على المضيق. وإذا كان المفاوضون الأميركيون قد فشلوا في تحقيق أهدافهم القصوى في جنيف قبل الحرب، حين كانت إيران تبدو في موقع أضعف، فليس مستغرباً أن تصبح هذه الشروط نفسها غير قابلة للنقاش اليوم.
وليست التوقعات الأميركية غير الواقعية هي المشكلة الوحيدة. فقيادة إيران لا تستطيع أيضاً قبول المطالب الأميركية لأنها تأتي مصحوبة فقط بتهديدات قسرية، وتفتقر بالكامل إلى الضمانات الموثوقة المطلوبة لمنح طهران الثقة بأن الولايات المتحدة تتفاوض بحسن نية وستلتزم بتعهداتها في أي اتفاق. فبعد أن ضللت إدارة ترامب مراراً نظراءها الإيرانيين، وعرقلت عدة جولات تفاوضية عبر شن هجمات عسكرية، أصبحت كلمة ترامب ذات قيمة ضئيلة بالنسبة إلى القيادة الإيرانية الجديدة. ولدى طهران كل الأسباب التي تدفعها إلى الخشية من أنه بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز وتسليم مخزونها النووي، فإن الولايات المتحدة ستتراجع عن التزاماتها، أو ما هو أسوأ، ستلوّح بعدوان جديد ما لم تستجب إيران لشروط إضافية.
ولكي يحصل ترامب على اتفاق، سيتعين عليه ترميم حالة انعدام الثقة التي تسببت بها السياسات الأميركية، أو على الأقل أخذها في الحسبان. وهذا سيتطلب تنازلات أميركية مكلفة تهدف إلى إقناع النظام الإيراني بأن الاتفاق مع الولايات المتحدة سيجعل طهران أكثر أمناً مما كانت عليه قبل الحرب، لا أقل أمناً. ويمكن أن تشمل هذه التنازلات تقديم الفوائد الموعودة لإيران بشكل مسبق، عبر رفع الحصار الأميركي فوراً أو الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في المصارف الأجنبية مقابل إعادة فتح طهران لمضيق هرمز. وقد تنظر الولايات المتحدة أيضاً في تقديم تخفيف محدود للعقوبات مقدماً إذا وافقت إيران على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.
لا خيارات جيدة... بل خيارات سيئة جداً
إن أي اتفاق يتضمن تنازلات أميركية سيواجه بالتأكيد اعتراضات شرسة من أشد المؤيدين للحرب في واشنطن، الذين يواصلون المطالبة بشروط متطرفة وغير واقعية. لكن مثل هذا الاتفاق بات بعيد المنال تماماً، وإذا رفض ترامب التسوية استجابة لضغوط الصقور المحيطين به، فسيتعين عليه التعامل مع البدائل المتبقية، وكل منها ينطوي على مخاطر تتراوح بين الكارثة الاقتصادية والضرر السياسي والمعنوي.
أحد الخيارات السيئة يتمثل في تمديد الحصار الأميركي على أمل أن يؤدي في النهاية إلى إجبار إيران الضعيفة على قبول تنازلات أكبر. لكن من غير المرجح أن ينجح هذا الخيار، بل قد يقوّض النفوذ الأميركي مع مرور الوقت. فـ 6 أسابيع من الحصار فرضت صعوبات اقتصادية على إيران، لكنها فشلت في إحداث أي تغيير ملموس في موقف طهران التفاوضي. وعلى الرغم من تراجع العائدات النفطية، فإن إيران لا تقترب من نوع الانهيار الاقتصادي الذي تصوره ترامب أو الذي يمكن أن يفرض عليها الاستسلام، خصوصاً أن طهران تعتبر الصراع وجودياً.
وفي حين تستطيع إيران تحمّل استمرار الجمود الحالي، فإن كلفة المواجهة المفتوحة إلى أجل غير مسمى حول هرمز بالنسبة إلى الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي قد ترتفع قريباً بشكل حاد. ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، فإن مخزونات النفط العالمية التي خففت حتى الآن من ارتفاعات الأسعار الأسوأ تُستنزف بوتيرة قياسية، بعدما فقدت الأسواق العالمية بشكل تراكمي أكثر من مليار برميل من إنتاج نفط الخليج الفارسي. ويحذّر خبراء الصناعة النفطية من أنه إذا بقي مضيق هرمز مغلقاً بعد شهر حزيران/يونيو، فإن مخزونات النفط العالمية ستنخفض إلى مستويات حرجة جداً، ما سيدفع الأسواق سريعاً إلى رفع الأسعار للحفاظ على منظومة الطاقة، الأمر الذي سيشل الاقتصاد العالمي. وإذا بدا الاقتصاد الأميركي أكثر اضطراباً بشكل واضح بحلول الصيف، فإن مصداقية ترامب في مواصلة هذا الجمود ستتراجع بسرعة، ومعها القدرة التفاوضية الأميركية.
يمثل التصعيد العسكري خياراً آخر غير مرغوب فيه. فقد يأمل ترامب أن تؤدي الغارات الجوية التي تستهدف البنية التحتية للطاقة في إيران، أو سلسلة من عمليات القوات الخاصة، إلى إخضاع طهران، لكن هذه الخيارات أيضاً من غير المرجح أن تحقق النتيجة المرجوة. فالضربات التي تستهدف شبكة الكهرباء الإيرانية أو المنشآت النفطية، على سبيل المثال، ستؤدي بشكل شبه مؤكد إلى هجمات انتقامية إيرانية ضد جيرانها، ما سينتج عنه أضرار طويلة الأمد في إنتاج النفط الإقليمي، وارتفاع دائم في أسعار النفط، ومزيد من التدهور في موقع ترامب السياسي الداخلي. وفي الوقت نفسه، قد تؤدي العمليات البرية داخل إيران إلى خسائر أميركية كبيرة، كما أنها معرضة للفشل نظراً لصعوبة العمل بفعالية داخل إيران التي لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية معتبرة. وهناك أيضاً مسألة الاستنزاف الحاد في المخزونات العسكرية الأميركية. فأي حملة عسكرية متجددة لن تؤدي إلا إلى تفاقم التساؤلات حول جاهزية الولايات المتحدة لعمليات عسكرية مستقبلية، بما في ذلك في غرب المحيط الهادئ، الذي لا يزال يُفترض أنه أولوية البنتاغون. وحقيقة أن ترامب تجنب إلى حد كبير حتى الآن استئناف الحرب بشكل واسع النطاق تشير إلى أنه ومستشاريه، إلى جانب قادة دول الخليج، يدركون حجم المخاطر وضآلة العائد المتوقع.
أما البديل السيئ الثالث بالنسبة إلى ترامب، فهو ببساطة تقليص الخسائر والانسحاب، عبر إعلان النصر وإنهاء الحصار الأميركي. وعلى الرغم من أن هذا الخيار سيترك مسألتي مضيق هرمز والقدرات النووية الإيرانية من دون حل، فإنه يبقى مقبولاً من زاوية المصالح الأميركية. فالضربات الأميركية، بحسب اعتراف ترامب نفسه، أعادت البرنامج النووي الإيراني إلى الوراء، وربما لسنوات. وإضافة إلى ذلك، ورغم أن امتلاك إيران لقدرات نووية يبقى أمراً غير مرغوب فيه، فإنه لا يشكل تهديداً وجودياً للولايات المتحدة، التي تمتلك ترسانة نووية خاصة بها لردع إيران، وهي أكبر وأكثر قوة بكثير من أي قدرة يمكن لطهران أن تطورها بصورة واقعية. وفي الوقت نفسه، ومع انتهاء الحصار الأميركي، ستواجه إيران ضغوطاً دولية كبيرة لإعادة فتح مضيق هرمز، ربما عبر نظام معين لرسوم العبور. ورغم أن منح إيران مصدراً جديداً للعائدات ليس أمراً مثالياً، فإن الرسوم التي تحدثت تقارير عن أن إيران فرضتها على المرور عبر المضيق تبقى متواضعة، كما أن تحويل المرور الآمن إلى مصدر دخل سيحفّز إيران على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. لكن الانسحاب قد يكون صعباً سياسياً بالنسبة إلى ترامب، لأنه سيُنظر إليه باعتباره تراجعاً فعلياً ودليلاً على الضعف الأميركي وانعدام المسؤولية. ولهذا أظهر ترامب حتى الآن اهتماماً محدوداً بهذا الخيار، رغم أن نفاد صبره للعثور على مخرج بات واضحاً بصورة متزايدة.
قول "نعم"
بالمقارنة مع البدائل السيئة، فإن اتفاقاً محدوداً يتضمن بعض التنازلات الأميركية الحقيقية مقابل تنازلات إيرانية ذات أهمية مماثلة يبدو أكثر قابلية للاستمرار. وأي مخرج عملي من الأزمة يجب أن يتمتع بعدة خصائص: ينبغي أن تسمح شروطه لإيران بالحفاظ على قدر من قوة الردع التي اكتسبتها خلال الحرب؛ كما يجب أن يُصاغ بطريقة تضمن لطهران فوائد أمنية واقتصادية ودبلوماسية أفضل من الوضع القائم الحالي؛ ويجب أيضاً أن يوفر لإيران حماية من أي محاولات أميركية أو إسرائيلية للتراجع عن الاتفاق أو تعديله مستقبلاً.
وللوصول إلى مثل هذا الترتيب، سيتعين على إدارة ترامب موازنة مطالبها من إيران بتنازلات مقابلة من جانبها. فإذا طلبت واشنطن من طهران الالتزام بإعادة فتح مضيق هرمز وعدم فرض رسوم عبور، فعليها أن تقدم تضحيات مماثلة، مثل رفع الحصار سريعاً ومنح إيران إمكانية الوصول الفوري إلى أموالها المجمدة. كما ينبغي أن تقترن التنازلات الإيرانية في الملف النووي بمكافآت أميركية إضافية. فإذا وافقت إيران، على سبيل المثال، على وقف طويل الأمد لتخصيب اليورانيوم، فينبغي أن تحصل على تخفيف تدريجي لكن فوري للعقوبات.
ولطمأنة إيران إلى أمنها من أي هجمات مستقبلية إذا التزمت بالاتفاق، سيتعين على واشنطن أيضاً تقديم تنازلات تتعلق بقدرات إيران الصاروخية وبمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. وينبغي السماح لإيران بالاحتفاظ بترسانتها الصاروخية التقليدية وبنيتها التحتية من دون قيود، لسببين: أولاً، لأن حرمان إيران من صواريخها بالقوة ليس أمراً واقعياً؛ إذ تشير الاستخبارات الأميركية إلى أن نحو 70 في المئة من مخزونات إيران الصاروخية ومنصات الإطلاق نجت من الحرب، كما تستطيع طهران إعادة بناء قدراتها بسرعة بمساعدة روسيا والصين. وثانياً، لأن الإبقاء على قدرات إيران الانتقامية الأساسية سليمة سيرسل إشارة قوية بأن الولايات المتحدة لا تنوي مهاجمة إيران مجددًا. فالصواريخ تمنح إيران القدرة على معاقبة أي خرق للاتفاق، كما يمنحها نفوذها المثبت ــ والدائم بحكم الجغرافيا ــ على مضيق هرمز وسيلة ضغط إضافية. وقد لا يعجب واشنطن ترك هذه القدرات بيد إيران، لكنها لا تملك خيارات كثيرة، كما أن هذه القدرات تشكل أدوات ردع ضرورية ضد أي هجوم أميركي، وهو ما ستعتبره إيران على الأرجح شرطاً أساسياً قبل التخلي عن المكونات الجوهرية لبرنامجها النووي.
أما مسألة اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب فهي أكثر تعقيداً، لكن ثمة حلاً وسطاً يمكن أن يوفر ضمانات موثوقة. فبدلاً من تصدير المخزون الإيراني إلى الولايات المتحدة، يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تتولى الوصاية على المواد المخصبة، بحيث يتم تخفيف نسبة تخصيب جزء منها داخل إيران، فيما يُحتفظ بالباقي خارج البلاد. كما أن التعهد بحق إيران في استعادة هذه المواد إذا تعرضت مستقبلاً لعدوان أميركي أو إسرائيلي قد يشكل ضمانة أمنية إضافية.
وسيتعين على ترامب أيضاً أن يقدم لطهران ضمانات موثوقة بأنه قادر على كبح إسرائيل عن مهاجمة إيران مستقبلاً. وهذه مهمة صعبة بالنظر إلى الدور الحاسم الذي يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعبه في دفع ترامب إلى مهاجمة إيران. وعلى الرغم من القدرات العالية للقوات العسكرية الإسرائيلية، فإنها تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة في الدفاع الصاروخي وأنظمة حيوية أخرى، ما يعني أن إسرائيل لا تمتلك القدرة العسكرية لخوض حرب ضد إيران من دون دعم أميركي. ولتبديد شكوك إيران بشأن استعداد واشنطن لكبح إسرائيل، قد توافق الولايات المتحدة على تقييد مبيعات السلاح ووقف الدعم العسكري لإسرائيل إذا تصرفت الأخيرة بعدائية تجاه إيران مستقبلاً. كما يمكن أن يتضمن الاتفاق بنداً يسمح لإيران بفرض رسوم عبور في المضيق إذا تعرضت أراضيها لهجوم أميركي أو إسرائيلي. وفي المقابل، إذا تراجعت إيران عن التزاماتها، فإنها ستتحمل أيضاً عواقب تشمل خسارة الفوائد المالية والدبلوماسية، إضافة إلى فقدان الحماية من أي هجمات مستقبلية.
إن مثل هذا الاتفاق سيكون غير مريح لكثير من المسؤولين الأميركيين الذين اعتادوا قبول اتفاقات تصب بالكامل تقريباً في مصلحة الولايات المتحدة ومن دون قيود كبيرة على حركتها. لكن بعد إشعال حرب اختيارية سيئة التقدير من دون استراتيجية خروج، فإن هذا الاتفاق يمثل بالنسبة إلى ترامب الخيار الأقل سوءاً ــ والوحيد القابل للحياة ــ لوقف النزيف الناتج عن أزمة تحولت إلى جرح متقيح في ولايته الثانية. صحيح أن الاتفاق الذي يعيد فتح مضيق هرمز ويحقق بعض التنازلات النووية الإيرانية مقابل ضمانات أمنية وانتعاش اقتصادي سيكلف الولايات المتحدة ثمناً معيناً، لكن نجاحه قد يضع أسس شرق أوسط أكثر استقراراً، مع دور أميركي أقل على المدى الطويل.
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




