🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | الأمن الاجتماعي غير المرئي: الجيش الثاني في الدفاع عن الأرض والمقاومة
الأمن الاجتماعي ليس رفاهية خدمية تقدمها الدولة للمواطنين، بل هو ركيزة استراتيجية للمقاومة والدفاع عن الأرض وحق أساسي من حقوق الإنسان وفق القانون الدولي. لكن في سياقات الأزمات الطويلة والاحتلال، تتعطل هذه الأنظمة الرسمية أو تصبح عاجزة عن تغطية احتياجات السكان، ما يستدعي ظهور أشكال بديلة من التكافل. التكافل غير المرئي هو نمط من التضامن المجتمعي لا يعلن عنه، ولا يسجل رسميا، ولا يكشف عن أسماء فاعليه. لبنان اليوم يقدم نموذجا فريدا لهذا التكافل بسبب انهيار الدولة وغياب الضمان الاجتماعي الشامل، حيث أصبح أكثر من سبعين بالمئة من اللبنانيين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، وفق تقارير البنك الدولي.
حرب 2026 كشفت عن تطور هذا النموذج من "دعم الصامدين في منازلهم" إلى "دعم النازحين في أماكن لجوئهم". البلديات هي العمود الفقري لهذه المنظومة، خاصة بلديات المناطق الحدودية في الجنوب، وكذلك في المدن التي تستقبل النازحين كصيدا. الأفراد الذين فتحوا بيوتهم أو واصلوا عملهم رغم القصف هم جنود التكافل الصامتون. أما المتمولون المجهولون، أو "أصحاب الأيادي البيضاء"، الذين يعتبروا المصدر المالي الرئيسي، وحماية أسمائهم شرط لاستمرار الدعم.
هذا التقرير يقدم ثلاث حالات نموذجية من حرب 2026, الحالة الأولى: بلدة برعشيت حيث دفعت البلدية ثلاثمئة دولار لكل عائلة نازحة كل خمسة عشر يوما بأكثر من مليون دولار من تبرعات سرية. الحالة الثانية: بلدية حارة صيدا التي استردت لمئات النازحين من قرى الجنوب ما بين ألف وألف وخمسمئة دولار لكل شخص نازح مما دفعوه من إيجارات سابقة. الحالة الثالثة والأكثر تفصيلا: بلدة الخيام المحتلة اليوم والتي يعتبر جميع أهلها نازحين، حيث باشرت بلديتهم بتحضير ملف توظيف كامل، وشكلت خلية مسؤولة، وخصصت أرقام هواتف منسقين في مناطق النزوح المختلفة مثل حاصبيا ومرجعيون والبقاع الشمالي والغربي، لتكون صلة الوصل بين طالبي العمل وأصحاب المصالح والمؤسسات.
هذه النماذج الثلاثة تقدم نموذجا مصغراً عن نجاح التكافل غير المرئي في ظروف مختلفة: دعم نقدي مباشر، استرداد إيجارات، وتأمين عمل منظم عبر خلية متابعة
أولاً: أصل الفكرة
انبثقت فكرة هذا التقرير من ملاحظة أن أنجح نماذج المقاومة والصمود في مواجهة الاحتلال أو التهديدات الخارجية لم تكن تعتمد فقط على التسليح أو التنظيم العسكري، بل إن نجاح المقاومة يعتمد على تماسك النسيج الاجتماعي القائم على شبكات دعم غير معلنة تشمل البلديات، الأفراد، والمتمولين الذين ساهموا في تحصين الناس كحاضن غير مرئي للدفاع وأداةً من أدوات المقاومة, هذا التكافل تحول إلى "مناعة اجتماعية" تمنع اختراق العدو للبيئة الحاضنة، وتضمن استمرارية الحياة رغم الحرب والحصار, لتتحول من شبكات أمان مجتمعية إلى منظومة دفاع متكاملة غير قابل للهزيمة.
ثانياً: الإطار المفاهيمي
- تعريف الأمن الاجتماعي في سياق الحرب
الأمن الاجتماعي، وفق التعريف التقليدي لمنظمة العمل الدولية، هو حق المواطن في الحماية من مخاطر المرض، البطالة، الشيخوخة، العجز، وفقدان المعيل. الدولة هي المسؤولة الأساسية عن توفير هذه الحماية عبر أنظمة الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والإعانات السكنية والغذائية.
أما في سياق الحرب والمقاومة، فيعاد تعريف الأمن الاجتماعي ليشمل شبكات غير رسمية وآليات تكافل ذاتية تضمن للأفراد والمجتمعات استمرارية سبل العيش والحماية من الصدمات كالموت والاعتأوضح والتشرد والجوع، وذلك في زمن الحرب والحصار، ولحماية الفئات الأكثر هشاشة (أسر الشهداء، الجرحى، النازحين، المهمشين) ولخلق حالة من الثقة الرأسية (بين القيادة والقاعدة) والأفقية (بين أفراد المجتمع الواحد). بما يعزز التماسك الاجتماعي ويقلل احتمالات الاختراق من قبل العدو. هذا التعريف يحول الأمن الاجتماعي من ملف خدمات إلى سلاح استراتيجي.
التكافل غير المرئي هو نمط من أنماط التضامن المجتمعي يتميز بعدة خصائص. أولاً، عدم الإعلان، أي أنه لا يُنشر في وسائل الإعلام ولا يُبث على وسائل التواصل الاجتماعي. ثانياً، عدم التسجيل الرسمي، فلا توجد عقود أو فواتير أو وثائق حكومية. ثالثاً، اللامركزية، فهو يعتمد على شبكات صغيرة مستقلة بدلاً من هرم قيادي واحد. رابعاً، السرية، حيث أسماء المانحين والمتلقين محمية، وأحياناً لا يعرف بعضهم البعض. خامساً، المرونة، إذ تتغير الآليات بسرعة حسب الظروف الميدانية. وسادساً، الثقة كعملة، حيث يعتمد التكافل على علاقات ثقة مسبقة لا على ضمانات قانونية.
شبكات التكافل لا تعمل كمنظمة مركزية ذات هرم قيادي واضح، بل كخلايا شبه مستقلة. هناك الخلية البلدية التي يرأسها رئيس البلدية أو أحد الأعضاء، وتتصل مباشرة بالمتمولين المحليين والمقاومة. هناك خلية الحي أو الشارع، التي تتكون من عدد قليل من الجيران يديرون صندوق تكافل صغير. وهناك الخلية المهنية، حيث يتواصل أطباء ومهندسون ومعلمون ويوزعون الأدوار.
- العلاقة الجدلية بين التكافل والمقاومة
العلاقة بين الأمن الاجتماعي والمقاومة ليست سطحية بل هيكلية. عندما يشعر الفرد بأن عائلته مؤمنة في حال استشهاده أو اعتأوضحه، يزداد استعداده لتحمل المخاطر. هذا هو جوهر التعاضد غير المرئي: شبكات خلفية تضمن الاستمرارية. يمكن تمثيل هذه العلاقة كدائرة مغلقة: الحماية الاجتماعية تنتج مجتمعاً متماسكاً، وهذا المجتمع ينتج بيئة حاضنة للمقاومة، وهذه البيئة تنتج دفاعاً أكثر فعالية، وهذا الدافع يحمي المجتمع، وهكذا تستمر الدائرة. المقاومة التي لا تحمي بيئتها الاجتماعية تفقد عمقها الجماهيري، والمجتمع الذي لا يطور أمنه الاجتماعي بذاته يصبح قابلاً للاختراق
ببساطة، لم يعد هناك خيار آخر في هذه الحرب. إما أن يتكاتف الناس مع بعضهم سراً، أو يموتون جوعاً أو يُجندهم العدو. الحرب لم تخلق هذه الحاجة، لكنها عجلتها وأخرجتها إلى السطح بقوة. عندما تغيب الدولة عن توفير الخبز والدواء والكهرباء والأمان، يتحول الجار إلى دولة، وتتحول البلدية إلى حكومة، ويتحول المتمول المجهول إلى وزارة مالية.
ثالثا: اللاعبون الرئيسيون
- البلديات: الحكومات المحلية في الخطوط الأمامية
في غياب الحكومة المركزية، تولت البلديات في المناطق الحدودية بعد التهجير الكامل لاهلها مهام هي أقرب إلى إدارة الحرب. لكن الأهم من ذلك، أن بلديات في مناطق لم تتعرض للقصف المباشر، مثل بلدية حارة صيدا، تحولت إلى جهات مركزية لاستقبال النازحين من الجنوب وتأمين احتياجاتهم. وفي حالة فريدة من نوعها، بلدية الخيام تحولت إلى وكالة تشغيل متنقلة تتابع أبناءها النازحين في مناطق متفرقة.
المهام التي تضطلع بها البلديات تشمل: إدارة الأزمات الفورية، توزيع المياه والخبز والأدوية، إيواء النازحين، تنسيق المساعدات، وتتبع العائلات النازحة ودعمها. وأخيراً، كما في حالة الخيام، متابعة توفير فرص عمل لأبناء البلدة النازحين، لأن المال وحده لا يكفي بل يحتاج الناس إلى مصدر دخل كريم يحفظ كرامتهم.
التحديات التي تواجه البلديات الحدودية كبيرة. أولاً، استهداف مبانيها من قبل العدو بحجة أنها مراكز قيادة. ثانياً، شح الموارد الذاتية مع تأخر أو انقطاع المساعدات الحكومية. ثالثاً، تحمل مسؤوليات أكبر بكثير من صلاحياتها القانونية، مما يضع رؤساء البلديات وأعضاء المجالس في مواقف حساسة.
نموذج بلدية حارة صيدا: كشف رئيس بلدية حارة صيدا للرأي العام بالأرقام عن حملة البلدية لدعم النازحين من قرى الجنوب. الحملة استهدفت النازحين الذين دفعوا إيجارات سابقة ولم يتمكنوا من الاستفادة منها بسبب النزوح. أكثر من أربعمئة وستة وثمانين ضيفاً، وهو التعبير الذي استخدمته البلدية تكريماً للنازحين ووصفهم بالضيوف وليس اللاجئين، استردوا ما بين ألف إلى ألف وخمسمئة دولار مما دفعوه للإيجار في مكان نزوحهم. هذا النموذج فريد لأنه لا يقتصر على "تقديم مساعدة جديدة"، بل يعيد حقوقاً كانت قد دفعت، مما يُشعر النازح بأنه لم يخسر كل شيء.
اما نموذج بلدية الخيام: الخيام هي بلدة لبنانية في قضاء مرجعيون، التي لا يزال معظمها محتلا حتى اليوم. كل أهل الخيام هم نازحون، لا أحد بقي في البلدة. لكن البلدية، رغم احتلال قريتها، لم تتوقف عن العمل. تتابع البلدية من مناطق النزوح ملفات أبنائها، وتعمل على توفير فرص عمل لهم.
- الأفراد: جيش التكافل الصامت
لا يمكن فهم التكافل غير المرئي دون استعراض الدور الفردي. هؤلاء ليسوا أثرياء ولا رجال أعمال، بل أناس عاديون. هناك بيوت مفتوحة لإيواء النازحين، حيث تتحول مئات المنازل في المناطق الآمنة نسبياً إلى مراكز إيواء مؤقتة، وتشارك العائلات المضيفة طعامها وفرشها وحتى ملابسها مع نازحات كاملات دون انتظار مقابل. هناك خبازون وصيادلة ومزارعون يواصلون العمل رغم القصف ويوزعون منتجاتهم مجاناً أو بأسعار رمزية. هناك أطباء وممرضون يتطوعون في عيادات ميدانية. وهناك ميكانيكيون يصلحون سيارات الإسعاف مجاناً.
لنأخذ قصة نموذجية، من مقابلة غير مسجلة مع مصدر فضل عدم الكشف عن هويته. في إحدى قرى جنوب الليطاني، اعتادت سيدة تدعى "أم حسين" اسم مستعار، كل صباح على خبز خمسين رغيفاً إضافياً. كانت توزع ثلاثين منها على جيرانها النازحين من القرية المجاورة، وعشرين على نقطة عسكرية للمقاومة قرب منزلها. عندما سألها أحد المراسلين عن السبب، أوضحت: "إذا سقطوا هم، نسقط كلنا". هذه القصة تعكس جوهر التكافل الفردي: لا مقابل مادي، لا إعلان، لا تسجيل، فقط إحساس بالمسؤولية المتبادلة.
- المتمولون ورجال الأعمال: الظهير المالي السري
هذا هو الفصل الأكثر حساسية في التقرير، والأكثر التزاماً بسياسة عدم نشر الأسماء. أنماط الدعم التي يقدمها المتمولون تتخذ عدة أشكال. أولاً، الدعم النقدي المباشر عبر وسطاء او عبر البلدية، حيث تتحول الأموال إلى حساباتهم ثم توزع نقدا على الأسر المستحقة. ثانيا، الشراء والتخزين الاستباقي للمواد الأساسية كالطحين والأرز والحليب والأدوية والوقود، وذلك قبل اندلاع الحرب، وتخزينها في مستودعات سرية. ثالثاً، تمويل إعادة إعمار سريع بعد انتهاء القصف، حيث يتم تمويل فرق بناء تعيد ترميم المنازل المدمرة خلال أسابيع. رابعاً، رعاية طويلة الأمد لأسر الشهداء والجرحى، تشمل التعليم والعلاج والسكن.
دوافع المتمولين، كما استنتجت من مقابلات غير مسجلة، متعددة. بعضهم لديه دوافع قومية أو دينية، مؤمناً بواجب دعم المقاومة كقضية. بعضهم يتحرك بدافع الخوف على مصالحه، إذ يدرك أن سقوط المنطقة سيؤدي إلى خسارة كل شيء. بعضهم لديه انتماء عائلي أو بلدي، فيشعر بأن هذه قريته وهؤلاء أبناء عائلته.
رابعا: الأثر الاستراتيجي
شبكات التكافل تؤمن "الظهر اللوجستي" للمقاومة. الغذاء والدواء والإيواء للعوائل النازحة من مناطق القتال يتم تأمينه عبر هذه الشبكات، مما يحرر المقاتلين من القلق على العوائل ويركزهم على المهام العسكرية. هذا النوع من الدعم اللامركزي يصعب على العدو تعقبه أو قطعه.
أكبر ثغرة لأي مقاومة هي "الجاسوس الداخلي" الذي يجنده الفقر أو اليأس أو الضغينة. شبكات التكافل تغلق هذه الثغرة من خلال ثلاثة مسارات. أولاً، توفير شبكة أمان للفقراء والمهمشين، فلا يعود لديهم حاجة مالية للتعاون مع العدو. ثانياً، خلق شعور بالانتماء والولاء للمجتمع وليس للعدو، مما يجعل الخيانة مكلفة نفسياً واجتماعياً. ثالثاً، استبعاد الأفراد غير الموثوقين من شبكات الدعم، فلا يحصلون على المزايا وبالتالي تضعف قدراتهم على التحرك.
المقاومة المدعومة تكافليا تحظى بشرعية شعبية متجددة. الأهالي لا يدعمونها فقط لكونها "تقاوم"، بل لأنها جزء من منظومة تحميهم وتوفر لهم الخدمات الأساسية في غياب الدولة. هذا العمق الجماهيري يجعل أي عملية عسكرية ضد المقاومة مكلفة سياسيا، لأنها ستضر بالمدنيين الذين يعتبرونها جزءاً من نسيج حياتهم اليومي.
فقدان عائل أو منزل هو أكبر صدمة يمكن أن يتعرض لها أي إنسان. سرعة استجابة شبكات التكافل لإعادة الإعمار أو رعاية الأيتام أو تقديم الدعم النفسي والاجتماعي تحول الصدمة إلى إصرار على الاستمرار، وليس إلى انهيار معنوي أو استسلام. هذه الآلية تفسر كيف أن مجتمعات تعرضت لقصف عنيف وتهجير كامل تعود إلى طبيعتها خلال أسابيع من وقف إطلاق النار.
عندما يعلم العدو أن خلف المقاومة نظاما تكافليا قويا يضمن تماسك المجتمع حتى في حالة النزوح الكامل، فإنه يدرك أن الحل العسكري وحده لن يكفي. لا يمكنك هزيمة شعب يحمي بعضه بعضا. هذا الإدراك قد يدفع العدو إلى تجنب بعض العمليات العسكرية أو تقليص أهدافه.
خامسا: تحقيق لكل حالة مفصلة
- الحالة الأولى: بلدية برعشيت تقديم مساعدات مالية
برعشيت هي بلدة لبنانية في قضاء بنت جبيل، محافظة النبطية، جنوب لبنان. موقعها قريب من الخط الأزرق جعلها هدفاً متكرراً في كل الحروب. اما سكانها معروفون بصمودهم ولكن بسبب الاحتلال والتدمير اضطروا الى النزوح الى الأماكن الامنة. قام رئيس بلدية برعشيت بتقديم ثلاثمئة دولار دفعت لكل عائلة نازحة بدل مصروف كل خمسة عشر يوماً أي ما يعادل ستمئة دولار شهرياً من بداية الحرب وحتى اليوم، وأكثر من مليون دولار هي قيمة التبرعات للبلدية من أصحاب الأيادي البيضاء في البلدة لدعم صمود أهلها في مكان نزوحهم في جوهر يهدف الى "الحفاظ على وحدة النازحين وضمان عودتهم".
من هنا ان العدو اراد خلق واقع ديموغرافي جديد بتهجير السكان. عندما يجد أن العائلات النازحة مدعومة ومنتظرة للعودة، تفشل استراتيجيته. رسالة برعشيت: "يمكنك تهجيرنا جسديا، لكنك لن تستطيع تفكيك وحدتنا الاجتماعية. سنعود".
- دراسة الحالة الثانية: بلدية حارة صيدا – استرداد الإيجارات
حارة صيدا هي إحدى البلديات في مدينة صيدا، جنوب لبنان. صيدا كانت إحدى المدن الرئيسية التي استقبلت النازحين من القرى الحدودية خلال حرب2026, بسبب قربها من الجنوب ووجود شبكة علاقات عائلية واجتماعية تربط أهالي صيدا بأهالي القرى. كشف رئيس بلدية حارة صيدا عن حملة البلدية لدعم النازحين بالأرقام. أكثر من أربعمئة وستة وثمانين ضيفاً، استردوا ما بين ألف إلى ألف وخمسمئة دولار مما دفعوه. التميز في هذا النموذج يأتي من ثلاثة جوانب. الجانب الأول: أنه ليس "تبرعاً" أو "صدقة" بل "استرداد حق". النازح لم يتلقَ مالاً جديداً من متبرع، بل استعاد جزءا من ماله الذي كان سيفقده لولا تدخل البلدية. هذا يعزز كرامته. الجانب الثاني: أنه حافظ على حقوق أصحاب العقارات أيضا اما الجانب الثالث: أن البلدية استخدمت تعبير "ضيوف" وليس "نازحين"، مما يعكس فلسفة تكريم.
فكرة أن عائلة نازحة دفعت إيجارا مبالغ فيه لصاحب العقار، ثم جاءت البلدية وأعادت لها جزء من المبلغ وفقا للقوانين المرعية الاجراء، تحدث فرقاً نفسياً كبيراً. العائلة لم تخسر في الإيجار، وبالتالي لم تشعر بأن الحرب أخذت منها كل شيء. هذا الشعور يقلل من الإحباط واليأس، ويقوي قرار العودة بعد الحرب.
- دراسة الحالة الثالثة: بلدة الخيام، ملف توظيف متكامل في قلب النزوح
الخيام هي بلدة لبنانية في قضاء مرجعيون، محافظة النبطية. تعرضت للاحتلال الإسرائيلي عدة مرات، وأشهرها حرب 2006. احتلت إسرائيل البلدة وكل سكان الخيام هم نازحون، منتشرون في مناطق مختلفة من لبنان. صرّحت بلدية الخيام عن مبادرة تحت عنوان "ملف العمل والتوظيف". النص الكامل للإعلان يقول: "أهالي مدينة الخيام الكرام في النزوح.. باشرت بلدية الخيام بتحضير ملف توظيف وخلق فرص عمل، تسعى من خلاله لمساعدة أهلنا في النزوح في سعيهم للحصول على مورد إنتاج وذلك بالتواصل مع مؤسسات خاصة وأصحاب مصالح يمكن أن تتوفر لديهم فرص عمل. لقد قامت البلدية بتشكيل خلية مسؤولة عن متابعة هذا الملف، وستكون البلدية صلة الوصل بين طالبي العمل وأصحاب المصالح والمؤسسات، سعيًا لتأمين عمل يؤمن مستلزمات الحياة لهم." ما يميز نموذج الخيام هو الدقة التنظيمية التي تتبعها البلدية رغم ظروف النزوح والاحتلال. أولاً، تشكيل خلية مسؤولة. لم تكتف البلدية بإعلان نوايا، بل شكلت فريقاً عملياً متخصصاً لمتابعة ملف التوظيف. هذه الخلية هي صلة الوصل بين طالبي العمل وأصحاب المصالح والمؤسسات. ثانياً، التوزيع الجغرافي للمنسقين. أدركت البلدية أن النازحين مشتتون في مناطق مختلفة، وأن نجاح المبادرة يعتمد على وصولها إلى كل فرد أينما كان. لذلك، قامت بتعيين منسقين محددين لكل منطقة نزوح، ونشرت أرقام هواتفهم مباشرة في الإعلان. ثالثاً، آلية التقديم المنظمة. طلبت البلدية من الراغبين بالعمل إرسان السيرة الذاتية الخاصة بهم، وهو ما يسمى السي في، إلى أحد أعضاء الخلية حسب منطقة النزوح. هذا الإجراء يحول العملية من مجرد "واسطة" أو "معرفة" إلى عملية منظمة قائمة على الكفاءة والخبرات، مما يزيد من فرص النجاح في الحصول على عمل مناسب لكل شخص.
نموذج الخيام يختلف جوهرياً عن نموذج برعشيت وعن نموذج حارة صيدا. برعشيت ركزت على الدعم النقدي المباشر، وهو ضروري في المراحل الأولى من النزوح لتأمين احتياجات البقاء الأساسية. حارة صيدا ركزت على استرداد جزء من الإيجارات، وهو شكل من أشكال الإنصاف المالي. أما الخيام، فقد تجاوزت مرحلة "المساعدة" إلى مرحلة "التمكين". المال ينفد، لكن العمل يعطي كرامة واستمرارية. العائلة التي تعمل تشعر بأنها تساهم في حياتها، وليست مجرد متلقية لصدقات. العامل الذي يعود إلى منزله بعد يوم عمل يشعر بالقيمة، حتى لو كان نازحاً في غرفة مستأجرة.
بالإضافة إلى ذلك، العمل يبقي الناس مشغولين وينشط ذاكرتهم، بدلاً من الانكفاء على أنفسهم والاكتئاب. بلدية الخيام تدرك أن الجهد النفسي الذي تسببه النزوح لا يعالجه المال وحده، بل يحتاج إلى شعور بالفائدة والانتماء والإنتاجية.
الخيام محتلة، لكن بلديتها حرة وتعمل. سكان الخيام مشتتون، لكن بلديتهم تجمعهم حول هدف مشترك: العمل والعودة. هذه هي الرسالة: "لن نكون عبئاً على أحد. نحن نعمل، ننتج، نخطط لعودتنا. بلديتنا لم تسقط، ولن تسقط". والإعلان عن أرقام هواتف منسقين في مناطق محددة هو دليل على أن هذه ليست كلمات إنشائية، بل خطة عمل جادة تنتظر التنفيذ.
سادسا: التحديات القابلة للحل والجوانب الإيجابية
لا يمكن لأي نموذج بشري، مهما كان ناجحا، أن يخلو من التحديات. لكن النماذج الثلاثة التي ناقشناها, برعشيت، حارة صيدا، الخيام، تثبت أن الإبداع المجتمعي في زمن الحرب قادر على تجاوز العراقيل.
- الإيجابيات التي تتفوق على أي تحديات
أن الإيجابيات الهائلة لنموذج التكافل غير المرئي تجعله الخيار الأكثر فعالية في ظل غياب الدولة. هذه الإيجابيات تشمل السرعة الفائقة في الاستجابة، حيث أن القرارات تُتخذ محليا دون انتظار بيروقراطية حكومية. المرونة الكبيرة في التكيف مع الظروف الميدانية المتغيرة، فما يصلح لبرعشيت قد لا يصلح لحارة صيدا أو الخيام، والشبكات قادرة على التبديل السريع. الثقة المتبادلة التي لا تتطلب عقوداً وقوانين، بل تعتمد على العلاقات الإنسانية. الفعالية من حيث التكلفة، إذ لا توجد رواتب إدارية أو نفقات تسويق. وأخيراً، التنوع في أشكال الدعم: نقدي مباشر، استرداد إيجارات، وتوفير عمل منظم عبر خلية متابعة.
2: تحديات قابلة للحل مع حلول مبتكرة من النماذج نفسها
التحدي الأول: عدم الاستدامة المالية. الاعتماد على تبرعات فردية قد يؤدي إلى توقف مفاجئ. نموذج الخيام يقدم حلاً إبداعياً: عندما ينفد المال، قد يبقى العمل. فبدلاً من الاعتماد فقط على التبرعات، يمكن توفير فرص عمل تدر دخلاً مستداماً، مما يقلل الاعتماد على التبرعات مع مرور الوقت.
التحدي الثاني: احتمال المحسوبية. نموذج الخيام يقدم حلاً قوياً: طلب السيرة الذاتية. عندما تعتمد عملية التوظيف على الكفاءة والخبرات الموثقة في السي في، يقل مجال المحسوبية والواسطة بشكل كبير. هذا تحول نوعي من "التكافل العشوائي" إلى "التكافل المؤسسي القائم على الجدارة".
التحدي الثالث: العبء النفسي على القائمين. بلدية الخيام، رغم أنها نازحة مثل أبناء بلدتها، تقدم نموذجاً في تحمل المسؤولية: القائد النازح الذي يعمل لخدمة قومه النازحين يجد في هذا العمل دعماً نفسياً لا يقل أهمية عن أي دعم يتلقاه. كما أن توزيع المسؤوليات على عدة منسقين في مناطق مختلفة يخفف العبء عن كل فرد.
التحدي الرابع: صعوبة الوصول إلى النازحين المشتتين. نموذج الخيام يعالج هذا التحدي بدقة عبر التوزيع الجغرافي للمنسقين ونشر أرقام هواتفهم. بدلاً من انتظار النازحين للاتصال بالبلدية، البلدية تذهب إليهم عبر منسقين يعيشون في مناطقهم أو على الأقل يمكن الوصول إليهم بسهولة.
سايعا: لماذا هذه النماذج الثلاثة هي الأمل وليس المشكلة
برعشيت علمتنا أن دعم النازحين نقداً وبانتظام هو استثمار في عودتهم. حارة صيدا علمتنا أن استرداد الإيجارات يحفظ الكرامة ويعيد توزيع الخسائر بشكل عادل. الخيام علمتنا أن العمل خير من المال، وأن البلدية يمكن أن تكون وكالة تشغيل حتى وهي نازحة، وأن السيرة الذاتية والتوزيع الجغرافي والخلية المسؤولة يمكن أن توجد حتى في أصعب ظروف الاحتلال والنزوح.
هذه النماذج الثلاثة، كل بطريقتها، تجسد أعمق معاني التعاضد والتكافل الاجتماعي. إنها نماذج فخر واعتزاز، تستحق الدراسة والتكريم والتعميم. التحديات موجودة لكنها قابلة للحل. والإيجابيات الهائلة تجعل من التكافل غير المرئي نموذجاً رائداً في الحماية الاجتماعية في زمن الحرب.
الأمن الاجتماعي ليس رفاهية، بل أولوية دفاعية, والتكافل غير المرئي ليس عملاً خيرياً، بل عملاً وطنياً بامتيازيحصين الناس من الجوع والفقر والتشرد وهو أقصر الطرق لهزيمة أي محتل. و"أصحاب الأيادي البيضاء" هم جنود الصف الخلفي المجهولون، وحماية هوياتهم هي واجب أخلاقي واستراتيجي. وفي نموذج الخيام، أصحاب المصالح والمؤسسات الذين سيوفرون فرص العمل هم أيضاً أيادٍ بيضاء.
خاتمة:
في عالم تشتعل فيه الحروب وتتفتت فيه الدول، لم يعد الأمن مسألة عسكرية فقط، بل أصبح مسألة وجودية يومية. المجتمعات التي تتعلم كيف تحمي أفرادها من الجوع والخوف والفقر هي وحدها القادرة على الصمود في وجه أي عدو.
لبنان خلال الحرب، رغم انهيار دولته، قدم نموذجا استثنائيا في التعاضد غير المرئي. البلديات والأفراد والمتمولون الذين عملوا بصمت هم الأبطال الحقيقيون. برعشيت صامدة في نزوحها، حارة صيدا مضيوفة بكرامة، الخيام عاملة ومنتجة رغم احتلال أرضها. والخيام تحديداً تقدم درساً لكل بلدية في لبنان: حتى لو احتل عدوك أرضك، يمكنك أن تحمي أبناءك بالعمل والتنظيم.
الكاتبة والباحثة سوزان مكه
السبت 22 ايار 2026
وكالة نيوز اجنسي, وحدة التحيقات الاستقصائية