عاجل عاجل | التحكم المروري: 8 جرحى في 5 حوادث سير خلال الساعات الماضية
صحافة

التيار المقاوم في باكستان: جدلية الهوية والدور

التيار المقاوم في باكستان: جدلية الهوية والدور

ليس التيار المقاوم في باكستان مجرد حالة عاطفية مرتبطة بأحداث إقليمية، ولا هو امتدادٌ إعلامي لمحور خارجي فحسب، بل هو ـ في فلسفته العميقة ـ تعبير عن وعيٍ يرى أن الصراع في المنطقة ليس صراع حدود فقط، بل صراع إرادات ومشاريع. ومن هنا، فإن وجود تيار مقاوم في باكستان يفترض أن يكون جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، لا على مستوى التبعية، بل على مستوى الفهم والوظيفة.

باكستان ليست دولة هامشية في الجغرافيا السياسية؛ فهي قوة نووية، ومفصل جغرافي بين جنوب آسيا وغربها، وحدٌّ مباشر مع إيران، وتماسّ دائم مع أفغانستان، وعمق بشري يتجاوز 240 مليون نسمة، فضلًا عن كونها البوابة البرية الأهم للصين نحو المياه الدافئة عبر الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني، ما يجعلها عقدة أساسية في مشروع الحزام والطريق، ويمنح موقعها وزنًا يتجاوز محيطها الإقليمي إلى الحسابات الدولية الكبرى.

في مثل هذا الموقع، يصبح أي خطاب مقاوم إمّا مشروعًا وطنيًا يُحسن قراءة الواقع، أو مجرد شعارات لا تصمد أمام تعقيدات الدولة والمجتمع.

فلسفة الدور

فلسفة التيار المقاوم في باكستان ينبغي أن تقوم على ثلاثة مرتكزات:

أولًا: تحويل المقاومة من شعار خارجي إلى وعي داخلي؛ أي ربطها بقضايا السيادة الوطنية، ومواجهة الإرهاب، ومنع استباحة الأرض الباكستانية من أي جهة كانت. المقاومة هنا ليست فقط مواجهة “إسرائيل” أو أمريكا في الخطاب، بل منع أي اختراق أمني أو فكري أو اقتصادي يهدد استقرار البلاد.

ثانيًا: إدراك أن باكستان ليست ساحة ملحقة، بل عقدة جيوسياسية مؤثرة. إن أي محاولة لتطويق إيران إقليميًا تمرّ ـ شئنا أم أبينا ـ عبر باكستان، سواء عبر الضغوط السياسية أو الاصطفافات الأمنية. ومن هنا، فإن التيار المقاوم إذا أراد أن يكون فاعلًا، فعليه أن يعمل على رفع كلفة هذا التوظيف، عبر بناء رأي عام واعٍ، وعلاقات نخبوية، ومساحات تواصل رسمية وغير رسمية تعزّز الاستقرار بدل الاصطفاف العدائي.

ثالثًا: الانتقال من ردّة الفعل إلى التخطيط طويل الأمد. المقاومة ليست بيانًا غاضبًا بعد حادثة، بل مشروعًا مؤسساتيًا: إعلام، مراكز دراسات، شبكات علاقات، برامج شبابية، وتأطير ديني عقلاني يربط بين العقيدة والمصلحة الوطنية.

من أبرز مشكلات التيار المقاوم او الجماعات المرتبطة بخط المقاومة في باكستان أنها بقيت في كثير من الأحيان أسيرة البعد الرمزي، ولم تتحول إلى بنية استراتيجية. فهناك حضور عاطفي واضح في المناسبات الكبرى، لكن عند المفاصل الحساسة ـ سواء في التعرض للرموز أو في التحولات الإقليمية ـ يبدو المشهد أقل من مستوى التحدي.

المشكلة ليست في صدق القاعدة الجماهيرية كما أشرنا سابقا ونعود ونؤكد على ذلك في كل مناسبة، فهي غالبًا صادقة ومتحمسة، بل في غياب الإطار المنظم الذي يحوّل الحماسة إلى تأثير. كما أن انكفاء بعض القيادات عن الشأن الداخلي، أو الخشية المفرطة من الاشتباك السياسي، جعل التيار يبدو وكأنه في “كوكب آخر” عن التحولات الجارية حوله.

أضف إلى ذلك تعقيد الساحة الشيعية في باكستان، حيث تتداخل الحسابات المرجعية، والاعتبارات الشعائرية، والانقسامات التنظيمية، ما يشتّت الجهد ويمنع تشكّل خطاب موحّد ذي أفق وطني واضح.

نحو رؤية جديدة

إذا أراد التيار المقاوم في باكستان أن يستعيد دوره، فعليه أن يعيد تعريف نفسه بوصفه مشروع وعي لا مشروع صدام. أن يعمل على بناء شراكات وطنية، وأن يستثمر المساحات الرسمية القائمة بين باكستان وإيران لتأسيس حراك غير رسمي داعم للاستقرار الإقليمي، لا مستفزّ له.

المطلوب ليس خطابًا أعلى صوتًا، بل عقلًا أعمق رؤية. ليس اندفاعًا لحظيًا، بل نفسًا طويلًا. فالمقاومة في بلدٍ بحجم باكستان لا يمكن أن تُختزل في شعارات، بل يجب أن تُصاغ كاستراتيجية توازن بين الهوية الدينية، والمصلحة الوطنية، والتحولات الدولية.

وفي النهاية، فإن أي تيار لا يمتلك فلسفة لدوره، سيتحوّل ـ مهما علت شعاراته ـ إلى هامش في معادلة يصنعها الآخرون. أما التيار الذي يفهم زمانه ومكانه، فيمكنه أن يتحول إلى رافعة استقرار، وجسر توازن، ونقطة تأثير حقيقية في قلب المشهد الباكستاني.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

admin

موقع Wakala News يقدم أحدث الأخبار العالمية والعربية لحظة بلحظة، بتغطية دقيقة وموثوقة للأحداث السياسية والاقتصادية والتقنية حول العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى