
لم تكن الهزيمة المدوية التي مُني بها دونالد ترامب وحزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي مجرد زلزال سياسي هامشي، بل كانت لحظة كشف تاريخية اجتمعت فيها عوامل متراكمة لطالما تجاهلها البيت الأبيض، وتغافلت عنها دوائر القرار في واشنطن. فما جرى في صندوق الاقتراع الأمريكي لم يكن انتصاراً للديمقراطيين بقدر ما كان استفتاءً عقابياً على سياسات الرئيس الذي وعد بـ”أمريكا أولاً”، فإذا به يغرق بلاده في حرب على إيران لم يفهم الشارع الأمريكي أسبابها، ويرتهن قراره الوطني لنتنياهو وحكومته اليمينية، ويترك المواطن الأمريكي وحيداً أمام موجات تضخم تعصف بجيبوهم وقدرتهم على تحمل تكاليف الحياة.
الاعتراف المتأخر.. عندما يقرّ المهندس بهندسة الهزيمة
لم يكن مفاجئاً أن يعترف جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، بأن أربعة أسباب رئيسية تقف خلف هذه الهزيمة التاريخية: الحرب على إيران وما سببته من تضخم، وعدم تطبيق شعار “أمريكا أولاً”، وتكلفة المعيشة، وتغيير طبيعة العلاقة بـ”إسرائيل”. هذا الاعتراف المتأخر لم يكن نابعاً من مراجعة نقدية صادقة، بل من محاولة يائسة لالتقاط ما تبقى من شرعية سياسية أمام قاعدة انتخابية شعرت بالخيانة. فالناخبون الذين منحوا ترامب ثقتهم عام 2024 استندوا إلى وعوده بإنهاء الحروب، ومحاسبة طبقة إبستين، وإعادة الرخاء إلى البيوت الأمريكية. لكن ما حصل هو العكس تماماً: حرب غير مبررة على إيران أشعلت أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع كامل عن كل الوعود، وانغماس في دعم حرب إبادة جماعية في غزة حوّلت صورة أمريكا في العالم إلى شريك في الجريمة.
والحقيقة التي يحاول البيت الأبيض التملص منها هي أن الشارع الأمريكي لم يكن بحاجة إلى استطلاعات رأي لتشخيص الأزمة؛ فمواطن يدفع فواتير مرتفعة، ويرى شباباً يموتون في حروب لا يفهمها، ويراقب صورة بلاده تتآكل في المحافل الدولية، لم يكن أمامه سوى التصويت عقابياً. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: الرئيس الذي رفع شعار “أمريكا أولاً” وجد نفسه أسير أجندات خارجية، يدفع ثمن حرب أرادها نتنياهو، ويقدم تنازلات لجماعات ضغط باتت تشكل وصمة انتخابية لا رافعة سياسية.
إيباك.. سقوط “الأسطورة” وانهيار جدار “المال السياسي”
من أبرز التحولات التي كشفتها هذه الانتخابات هو الانهيار غير المسبوق لهيبة اللوبي “الإسرائيلي” (إيباك) في المشهد السياسي الأمريكي. فقد تحول هذا اللوبي من قوة ضاربة ترهب المرشحين وتوجه الأموال إلى عبء ثقيل يتبرأ منه الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء. المرشحون الذين رفضوا أموال إيباك علناً، وأعادوا التبرعات التي قدمتها، وأعلنوا صراحة أن الدعم “الإسرائيلي” بات خطراً على مستقبلهم السياسي، إنما يعبرون عن تحول عميق في الوعي الأمريكي، خصوصاً لدى جيل الشباب والجاليات العربية والمسلمة.
ولم يقتصر الأمر على إيباك، بل امتد إلى إيلون ماسك الذي ضخ أموالاً طائلة في هذه الانتخابات، فإذا به يتلقى صفعات مدوية في تكساس وغيرها من الولايات. لقد أثبت الناخب الأمريكي أن المال السياسي لم يعد قادراً على شراء الإرادة الشعبية، أما بالنسبة لعبد الرحمن السيد، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ من ميشيغان، لخّص هذه اللحظة حين قال: “اتهمونا بالكراهية لأننا قلنا إن من حق الأطفال الفلسطينيين أن يعيشوا بكرامة. هذه ليست كراهية، هذه محبة”. هذه العبارة تختصر تحولاً أخلاقياً عميقاً في السياسة الأمريكية، حيث بات الدفاع عن الحق الفلسطيني موقفاً انتخابياً رابحاً، لا خاسراً.
“إسرائيل”.. الخاسر الأكبر ونتنياهو في مواجهة المرآة
في تل أبيب، أحدثت النتائج الأمريكية زلزالاً حقيقياً. فالإجماع “الإسرائيلي” على أن ما جرى هو “كارثة” يعكس قلقاً وجودياً من تحول “إسرائيل” إلى عبء انتخابي على حلفائها. لكن اللافت هو أن المؤسسة “الإسرائيلية” لا تزال عاجزة عن مراجعة الذات، فبدلاً من الاعتراف بأن سلوكها وحكومتها اليمينية وخطابها الشعبوي هو ما أفضى إلى هذه العزلة، تلجأ إلى إنكار مسؤوليتها وإلقاء اللوم على “معاداة السامية” المتنامية في العالم. بعضهم يذهب إلى أن ترامب المهزوم قد يلجأ إلى مغامرة عسكرية جديدة لإثبات قوته، مستشهدين بسوابق رؤساء سابقين، لكن هذا التفسير يتجاهل حقيقة أن ترامب أصبح “بطة عرجاء” لا يملك رفاهية المغامرات.
الأعمق من ذلك هو ما ذهب إليه فريق آخر في “إسرائيل”: أن على “الدولة العبرية” أن تعيد حساباتها جذرياً، لا حباً في الآخر، بل لإنقاذ نفسها من نفسها. فصورة “إسرائيل” في الولايات المتحدة لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل تحولت إلى وصمة أخلاقية تلاحق كل من يدعمها. ونتنياهو، الذي تغنى بعلاقته الشخصية بترامب، وجد نفسه أمام واقع مرير: الرئيس الذي بنى عليه آماله تحول إلى عبء، وحليفه في البيت الأبيض أصبح رئيساً مقيداً بكونغرس ديمقراطي، والمشروع الذي راهن عليه في غزة وإيران يترنح بين الرفض الشعبي والعزلة الدولية. الأصوات التي تتحدث عن ضرورة “تبييض صورة إسرائيل” إنما تعترف ضمنياً بأن المشكلة في السلوك “الإسرائيلي” نفسه، لا في سوء تقدير نتنياهو فحسب.
ترامب والكونغرس.. سنوات “البطة العرجاء”
مع سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس، يدخل ترامب عاميه الأخيرين في وضع سياسي غير مسبوق. فالأغلبية الديمقراطية ستمتلك أدوات تحقيق ومساءلة قوية، من مذكرات الاستدعاء إلى عرقلة التعيينات، وصولاً إلى فتح ملفات الفساد التي تلاحق الرئيس وعائلته. لكن الأخطر هو أن هذه الهزيمة لم تكن فقط خسارة مقاعد، بل كانت تصويتاً على شخص ترامب وسياساته. الرئيس الذي وعد بأنه سيفوز لو كان على بطاقة الاقتراع، يتجاهل حقيقة أن الأمريكيين صوتوا ضده هو شخصياً، ضد أسلوبه، ضد انجرافه، ضد تحويله البيت الأبيض إلى ملحق لنتنياهو.
ورغم أن السياسة الخارجية تبقى إلى حد بعيد بيد الرئيس، فإن الشرعية الشعبية التي كان يتمتع بها ترامب قد تآكلت. أي مغامرة عسكرية جديدة ضد إيران أو كوبا ستكون محفوفة بمخاطر سياسية هائلة، وستواجه برفض شعبي ومساءلة برلمانية. لكن الخطر الحقيقي يكمن في سيناريو “الرئيس المحرر من القيود”: رئيس لا يملك ما يخسره، ولم يعد أمامه استحقاقات انتخابية، قد يقرر أن ينهي ولايته بانفجار كبير. هذا الاحتمال، وإن كان مستبعداً، يبقى وارداً في ظل عقلية ترامب الانتقامية.
طهران.. المنتصر الرمزي والرسائل الاستراتيجية
لم يكن تزامن الهزيمة الأمريكية مع اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار في إيران مجرد صدفة هامشية. فقد قرأت طهران هذه النتائج بوصفها انتصاراً استراتيجياً لمحور المقاومة، وتأكيداً على أن خيار الصمود والمواجهة قد أثمر. تصريحات قائد الثورة السيد علي خامنئي جاءت واضحة: الولايات المتحدة وقوى الهيمنة تعرضت لانهيار لا رجعة فيه، ومضيق هرمز كشف زيف أسطورة القوة الأمريكية، والاعتقاد بأن التحولات الحزبية ستغير سلوك النظام الأمريكي هو “خطأ فادح”. هذه القراءة تعكس ثقة متزايدة بأن أمريكا لم تعد ذلك العملاق الذي لا يُقهر، وأن زمن الاستسلام تحت الضغط قد ولّى.
لكن طهران تدرك أيضاً أن الحزب الديمقراطي ليس بديلاً مخلصاً، فتشاك شومر وجيفريز ومن خلفهم إيباك لم يتوقفوا عن دعم “إسرائيل”. ما تغيّر هو أن الشعب الأمريكي بدأ يعاقب من يدعم الإبادة، وهذا تحول مهم حتى لو لم يكن كافياً لتغيير السياسة الأمريكية جذرياً.
في النهاية؛ نحن أمام لحظة فارقة في التاريخ السياسي الأمريكي. هزيمة ترامب ليست فقط خسارة انتخابية، بل هي كشف لهشاشة تحالفاته، ولعمق الأزمة الأخلاقية التي تعيشها السياسة الأمريكية. “إسرائيل” ليست الخاسر الأكبر فحسب، بل هي أيضاً أمام اختبار وجودي: إما مراجعة سلوكها، أو الاستمرار في مسار العزلة والانحدار. وغرب آسيا يقف على مفترق طرق: إما تصعيد لا يحمد عقباه، أو فرصة لسلام عادل يرفضه نتنياهو وترامب معاً. الشارع الأمريكي قال كلمته، فهل يستمع البيت الأبيض؟
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





