كتاب: الشيطان الأكبر- أميركا في فكر الإمام الخميني قدّس سرّه
كتاب
متجسد الحرب الأميركية الأخيرة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بمختلف أشكالها، مثالًا حياً على عمق وشموليّة وصدقيّة رؤية الإمام الخميني (قده) بشأن الماهيّة العدوانية والتوسعية للولايات المتحدة الأميركية، أو قل الإدارات الأميركية المتعاقبة، تجاه شعوب ودول العالم المستضعف، وبالخصوص شعوب غرب آسيا، أو المنطقة المُسمّاة بالشرق الأوسط.
في هذا الكتاب عرض موضوعي للأبعاد المختلفة لرؤية الإمام الخميني الثاقبة، ضمن فصول ستّة، وبما يُتيح فهماً دقيقاً للاستراتيجيات الأميركية العدوانية في المنطقة، وخصوصاً في إيران، في المراحل التي سبقت أو تلت انتصار الثورة الإسلامية في العام 1979.
لقد كان الإمام الراحل يعتقد اعتقاداً جازماً أن الإدارة الأميركية هي الشيطان الأكبر الذي يهدّد وجود الإسلام؛ ولذا هو سعى لتحديد نظرته إلى الإدارة الأميركية، وفهمه لنظامها وسياساتها، حيث بيّن سياسة الروح الاستكبارية، وأوضح مبادئها، ودعمها للأنظمة المستبدّة، وتعاملها مع الشعوب والمنظمات الدولية، وسطوها على ثروات العالم، وسياستها في الشرق الأوسط.
يقول الإمام إنّ (المستكبرين) لا ينحصرون بالسلاطين؛ لا ينحصرون برؤساء الدول؛ لا ينحصرون بالحكومات الظالمة؛ بل للمستكبرين معنى أعمّ من ذلك، وأحد مصاديقه هم الأجانب، حيث يستضعفون الشعوب ويتعدّون عليها ويظلمونها.
ويقول أيضاً: فليعلم العالم أن مصائب الشعب الإيراني والشعوب الإسلامية كلّها هي من الأجانب ومن أميركا؛ ويوضح: لا خلاف بين شعبنا وبقيّة الشعوب، حتى الشعب الأميركي، ولم يصلنا منهم ظلم يكون سبباً للخلاف معهم؛ فالمسائل ترتبط بالحكومات.
ويؤكد الإمام: إنّ شعارنا في جميع الحالات هو قطع أيدي الأجانب، من اليمين واليسار، عن البلاد. فالتنمية والاستقلال والحريّة لا يمكن تحقيقها مع التدخل الأجنبي، من أيّ جنسية أو مدرسة فكرية، سياسياً أو ثقافياً أو اقتصادياً أو عسكرياً.
كما يحذّر الإمام الخميني المسلمين بقوله: إنّ مصائبنا كلّها هي من فعل حكّام الشعوب، من رؤساء البلدان. إنّ كلّ المصائب التي تطال إيران وبلدان الشرق هي من رؤساء ما يسمّى بالقوى الكبرى. فهؤلاء الأقوياء يريدون نهب ثروات الضعفاء، وأن يتحمّل الضعفاء الجوع، وينهب أولئك نفطهم ومعادنهم ويبدّدوها، وأن يجلس الناس على آبار النفط هذه، ويتضوّروا جوعاً!
ويقول كذلك: إن إيران – كما نعلم وتعلمون – كانت خاضعة تماماً لأميركا، وكان الشاه الخائن المخلوع هو الذي وضع إيران برمّتها تحت تصرّف أميركا، وجعلها قاعدة عسكرية أميركية. لقد كان الجيش في يد مستشاري أميركا، وكانت الثقافة في يد المرتزقة، ولم يكن الشاه والحكومة والبرلمان سوى عبيد وخدم لهم. وبهذا، انهار الاقتصاد بسبب التبعيّة لهؤلاء، وأصبح الشاه شرطيّهم القوي في المنطقة، وكان حُماته أميركا والبلدان العميلة لها.
حول إيهام الناس بعزلة إيران، يقول الإمام الراحل: من المؤسف أن يظن بعضهم بأننا عزلنا أنفسنا عالمياً، جرّاء مخالفتنا لأميركا! بل أميركا هي المعزولة. والميزان في ذلك هو الشعوب. ارفعوا حرابكم عن رقاب شعوبكم، واسمحوا لها بالتعبير عن رأيها بحريّة، لنرى من المعزول منّا…
فقبل انتصار ثورتنا، لم يكن أحد يحفل بنا. ولكن بعد انتصار الثورة المباركة، فبالإضافة إلى الوحدة والتلاحم في صفوف شعبنا (يد واحدة على من سواهم)، فإنّ جميع الشعوب المستضعفة، الإسلامية منها وغير الإسلامية، باتت معنا، فكيف نكون نحن المعزولين؟
أما بشأن الكيان الصهيوني، ربيب أميركا، فيحذّر الإمام الخميني المسلمين بقوله: إنّني أخشى أن يأتي ذلك اليوم الذي تتنازل فيه الشعوب والحكومات الإسلامية، وتمكّن إسرائيل من تحقيق أهدافها الظالمة والإجرامية بمساعدة من أميركا المجرمة. وعندئذٍ لا يستطيع المسلمون عمل أيّ شيء. إنّني أعتبر دعم مشروع استقلال إسرائيل والاعتراف بها كارثة للمسلمين وانفجاراً للحكومات الإسلامية، وإنّي أعدّ معارضة ذلك فريضة إسلامية كبرى.
وحول التفرقة بين الشيعة والسنّة، يقول الإمام: يجب أن يعلم المسلمون أنه بعد الثورة الإسلامية وظهور قوة الإسلام الإعجازية، بدأت المؤامرات والخطط الأميركية لإيجاد الفرقة بين السنّة والشيعة، وازداد الهجوم على إيران، التي كانت تمثّل مركز ثقل الحركة الإسلامية، وامتدّت إلى لبنان، وأنّ جميع هذه المؤامرات هي من أجل محاربة الإسلام وإضعاف هذه القدرة الإلهية.
أهم ما في إعلان حقوق الإنسان هو حريّة الأفراد. فكلّ فرد من أفراد البشر حرّ، ويجب أن يكون حراً، ويجب أن يكون الجميع متساوين أمام القانون. الجميع يجب أن يكونوا أحراراً في بلدانهم، وأحراراً في عملهم، وأحراراً في مشيهم. هذا هو إعلان حقوق الانسان المتضمّن لهذه المسألة. والمسلمون، بل جميع البشر، كانوا يُعانون من هؤلاء الذين وقّعوا وصادقوا على إعلان حقوق الإنسان؛ وأميركا هي إحدى الدول التي صادقت على هذا الإعلان الذي يضمن حقوق الإنسان. وأحد حقوق الإنسان هو الحريّة.
ويتابع الإمام: انظروا ماذا ارتكب هؤلاء الأميركيون، الذين وقّعوا على إعلان حقوق الإنسان، من جرائم على هذا الإنسان في السنوات الأخيرة، وأنا أتذكّرها أكثر منكم؛ لكِبَر سنّي. ماذا حصل للإنسان من مشكلات على يد أميركا، وهي من الدول التي وقّعت على إعلان حقوق الإنسان؟ لقد نصّبت أميركا في كلّ بلاد المسلمين، مأموراً لها، سَلَب حريّة الموجودين في ذلك المكان.
وعن مستقبل العلاقة مع المجتمع الغربي يوضح الإمام: علاقتنا مع المجتمع الغربي ينبغي أن تكون متكافئة؛ فلا نرضخ لظلمهم، ولا نظلمهم. سنتعامل معهم باحترام متبادل؛ وإذا حرصوا على مبدأ الاحترام المتبادل، وتخلّوا عن فرض أنفسهم علينا، وأعادوا النظر في الإساءة إلينا وإلى الشرق عموماً، فإننا سنعاملهم باحترام، وتقيم معهم علاقات حسنة، وتعاوناً في مختلف المجالات، بالصورة التي تقتضيها مصالحنا، وليس حسبما يرغبون هم فيه، ويريدون فرضه علينا.
أخيراً، وحول سبل مواجهة أميركا، يقول الإمام الخميني (قده): إن إيران كانت البداية والقدوة لجميع الشعوب المستضعفة. لتنظر الشعوب المستضعفة إلى إيران، كيف وقفت بأيدٍ خالية، ولكن بقوّة الإيمان ووحدة الكلمة والتمسك بالإسلام، بوجه القوى الكبرى، وتغلّبت عليها… فلتقتدِ بقيّة الشعوب بهذا السرّ الإسلامي، بهذا السرّ الإيماني… لينهض المسلمون في جميع أقطار العالم، بل لينهض المستضعفون. إنّ الوعد الإلهي قد شمل المستضعفين، حيث يقول-عزّ من قائل-:﴿ونريد أن نمنّ على الذين استُضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين﴾.
ويقول الإمام: على الشعوب أن لا تخشى أميركا؛ فهي لا تعدو أن تكون طبلًا فارغاً يقرع ولا يعمل شيئاً. وكلّ تهويلاتها مدحورة ولا أثر لها. فعلى الشعوب أن تترك الخوف جانباً، وتواصل طريقها؛ فالإسلام معهم، والله في عونهم.
وما أشبه اليوم بالأمس؛ في ظلّ الحرب الأميركية الكبرى على إيران، حيث قال الإمام، في حزيران 1980، مُخاطباً المستكبرين: الآن، حتى لو جئتم بسفنكم كلّها، وبطائراتكم كلّها إلى هنا، فإنّ الحالة تختلف عمّا كانت عليه. إنّنا نتوكّل على الله. نحن نؤمن بأن لهذا العالم مُدَبّراً. الذين لم يكونوا قد تنبّهوا لحدّ الآن، ليتنبّهوا جيّداً كيف استطاع الشعب الذي لم يكن يملك سوى سلاح “الله أكبر!” -وهو كلّ شيء – أن يزيح كلّ القوى…
وعلى الرغم من جميع العقبات التي أوجدتها أميركا والدائرون في فلكها، من حصار اقتصادي، وتدخّلات عسكرية، ومحاولات التدبير لانقلابات داخل إيران، إلّا أن أمّتنا المجاهدة استطاعت، بالاعتماد على الذات، أن تؤمّن كافة احتياجات البلاد، وتوصلها إلى حدّ الاكتفاء الذاتي…
وهذا ما سيؤدّي حتماً إلى فشل ذريع للعدوان الاقتصادي، الذي أعلنت عنه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 24/8/2026، تحت مسمّى “العزل الاقتصادي” للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعد فشلها في إسقاط النظام الثوري من خلال القوّة العسكرية الغاشمة.




