صحافة

ما هي التصورات في “إسرائيل” حول مستقبل العلاقة مع واشنطن؟

ما هو مستقبل التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة؟ وهل تفقد تل أبيب مكانتها كحليف “خاص” لواشنطن؟ هذه التساؤلات، التي كانت هامشية قبل بضع سنوات، باتت تفرض نفسها تدريجياً على النقاشات الاستراتيجية في “إسرائيل”. ففي حين أثبتت الأحداث التي تلت السابع من أكتوبر 2023، مرة أخرى، أن الشراكة مع الولايات المتحدة لا غنى عنها لأمن إسرائيل، إلا أن الأسس التي تقوم عليها هذه العلاقة تبدو اليوم غير مستقرة. ضمن هذا الإطار، نقدم دراسة مفصّلة من إصدار مؤسسة البحوث الاستراتيجية (FRS) للكاتب لور فوشيه.

على مدى عقود، شكلت العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية شراكة فريدة من نوعها، يُشار إليها غالباً بمصطلح “VIP” (الذي يرمز إلى القيم، والمصالح، والسياسة). وتقوم هذه الشراكة على ثلاث ركائز متكاملة، مصالح استراتيجية مشتركة، وقيم سياسية متقاربة، ودعم مستدام لإسرائيل داخل المشهد السياسي الأمريكي. غير أن متانة كل واحدة من هذه الركائز الثلاث باتت اليوم موضع تساؤل.

ويرى قطاع عريض من صناع القرار والمحللين الإسرائيليين أن العلاقة مع الولايات المتحدة قد دخلت مرحلة جديدة. ولا يكمن الشعور السائد في توقع قطيعة وشيكة، بل في الإحساس بأن حقبةً ما قد شارفت على الانتهاء؛ إذ لم يعد الدعم الأمريكي -الذي كان يتسم تاريخياً بكونه تلقائياً تقريباً، ويحظى بتوافق الحزبين، ويمكن التنبؤ به- أمراً مضموناً كما كان في السابق. وتبرز مخاطر في كلا المعسكرين؛ ففي الجانب الجمهوري، لا يتركز القلق على الموقف الحالي للحزب بقدر ما يتعلق بمساره المستقبلي في مرحلة ما بعد دونالد ترامب، لا سيما فيما يخص الثقل المستقبلي لبعض الشخصيات التي تشكك في منطق الانخراط الأمريكي في الخارج، بل وفي جدوى التحالف مع إسرائيل ذاته. أما في الجانب الديمقراطي، فلا يتمحور السؤال حول ما إذا كانت إسرائيل ستستمر في تلقي الدعم الأمريكي، بل حول فهم حدود هذا الدعم وشروطه السياسية. من هذا المنظور، قد يشكل الحزب الجمهوري – إذا ما تبنى نهجاً يتماشى أكثر مع التوجه الذي يمثله اليوم “جي دي فانس” – تحدياً أكبر لإسرائيل على المدى البعيد مقارنةً بالتيار الديمقراطي اليساري.

وبالنسبة لصناع القرار في إسرائيل، بات من الضروري تكييف سردية العلاقات الثنائية لتتناسب مع الواقع السياسي الأمريكي الراهن. ولا يعني هذا التخلي عن الرواية التقليدية القائمة على “العلاقة الخاصة” المتجذرة في التاريخ والقيم المشتركة، بل يعني تعديلها لتلائم واقعاً أمريكياً يتسم بمزيد من الاستقطاب، وبنهجٍ أكثر براغماتية (قائم على منطق الصفقات والمصالح المتبادلة)، وبتركيزٍ أكبر على العوائد الملموسة للانخراط الأمريكي في الخارج. والهدف هنا هو إقناع واشنطن بأن إسرائيل ليست مجرد حليف تاريخي يتمتع بوضع “استثنائي”، بل هي شريك استراتيجي لا غنى عنه للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وخارجه. ترتكز هذه المقاربة على فكرة جوهرية: وهي أن استمرارية التحالف تعتمد، قبل كل شيء، على قدرة إسرائيل على إثبات قيمتها الاستراتيجية. لذا، تسعى تل أبيب لتقديم نفسها كحليف “نموذجي”؛ أي شريكٍ يمكن الاعتماد عليه، ويتمتع باستقلالية عسكرية، وقادر على الدفاع عن مصالحه الخاصة مع الإسهام في الوقت ذاته بشكل مباشر في تحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة. وفي هذا السياق، يتم تسليط الضوء على دور إسرائيل في مجالات الاستخبارات، وتكنولوجيا الدفاع، والابتكار، فضلاً عن قدرتها على بناء شراكات استراتيجية خارج نطاق الشرق الأوسط، لا سيما في ظل المنافسة الاستراتيجية القائمة مع الصين.

بالنسبة لتل أبيب، يتمثل الرهان الأساسي – من خلال هذا الخطاب المتجدد – في الحفاظ على ما يُعتبر الركيزة الاستراتيجية الجوهرية للعلاقة الثنائية، ألا وهي: التعاون العسكري. وفي صميم هذا التعاون، هناك مكسبان يجب الحفاظ عليهما كأولوية قصوى: ضمان “التفوق العسكري النوعي” (Qualitative Military Edge – QME)، وتأمين وصول متميز إلى أكثر القدرات والتقنيات والأنظمة الدفاعية الأمريكية تطوراً. ومع أن هذه الركيزة تظل حجر الزاوية في الشراكة، إلا أنه بات من الواضح أن آليات تنفيذها تثير تساؤلات متزايدة داخل الحزبين الأمريكيين الرئيسيين، وإن كانت دوافع هذه التساؤلات تختلف بينهما. وفي هذا السياق، تُنظر في تل أبيب إلى المفاوضات المتعلقة بتجديد “مذكرة التفاهم” (MoU) في عام 2028 باعتبارها منعطفاً حاسماً لا ينبغي تفويته. إذ يطمح صناع القرار الإسرائيليون إلى جعل هذه المذكرة أداةً لترسيخ ارتباط الولايات المتحدة بإسرائيل بشكل دائم، وذلك من خلال تعميق التكامل العسكري والصناعي والتكنولوجي بين البلدين. والهدف من ذلك هو خلق حالة من الاعتماد المتبادل القوي بما يكفي لجعل العلاقة أقل عرضة للتأثر بالتحولات أو التغيرات السياسية في واشنطن. ويُقدَّم هذا النهج الجديد على أنه يمثل انتقالاً من نموذج قائم على “المساعدات” إلى “شراكة استراتيجية” حقيقية، ستعود بفوائد كبيرة على الولايات المتحدة نفسها. وهناك مبادرة أخرى، وهي “مبادرة التعاون في التكنولوجيا الدفاعية بين الولايات المتحدة وإسرائيل” – الواردة في القسم 219 من مشروع “قانون تفويض الدفاع الوطني” (NDAA) لعام 2027، والذي يُناقش حالياً في الكونغرس الأمريكي – تدفع بهذا المنطق إلى أبعد من ذلك، وقد تساهم أيضاً في تحديد الإطار المستقبلي للتعاون العسكري.

غير أن هذه الرؤية – التي يتبناها غالبية صناع القرار في إسرائيل ويشاركهم فيها أيضاً أبرز ممثلي المعارضة – تواجه اعتراضات من قبل عدد من الخبراء، الذين تتركز انتقاداتهم حول ثلاث أفكار متكاملة. تتمثل النقطة الأولى في وجود خطأ في التشخيص؛ إذ لا يزال يُنظر إلى التحولات في هذه العلاقة -داخل إسرائيل- على أنها تعود في الغالب إلى تغيرات في السياسة الأمريكية، في حين أنها في الواقع ناتجة -بقدر كبير- عن التوجهات السياسية والاستراتيجية الإسرائيلية ذاتها، وهي توجهات من المرجح أن تستمر بغض النظر عن نتائج انتخابات 27 أكتوبر. فالحرب في غزة، وما تلاها من تحميل تل أبيب مسؤولية جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مع إيران، قد أحدثت قطيعة دائمة في كيفية النظر إلى إسرائيل داخل الولايات المتحدة؛ وهو تحول بات يطال الدولة الإسرائيلية ككل، ولم يعد مقتصرًا على حكومة نتنياهو فحسب. أما النقطة الثانية فتتعلق بتطور البيئة الاستراتيجية؛ ففي ظل منطقة شرق أوسط تشهد إعادة تشكيل، ومع توجه الولايات المتحدة نحو إعادة ترتيب أولوياتها، لم تعد القيمة الاستراتيجية لإسرائيل بالنسبة لواشنطن أمراً مسلماً به. وعلاوة على ذلك، فبينما تواصل تل أبيب التفكير -بشكل أساسي- من منظور “القيمة الاستراتيجية”، بدأ النقاش في الولايات المتحدة يتحول تدريجياً نحو مسألة “التكلفة السياسية” لهذا التحالف. وأخيراً، يشير عدد من الخبراء إلى محدودية الاستجابة الإسرائيلية الراهنة في مواجهة التحديات التي تلقي بظلالها على العلاقات الثنائية؛ فتعزيز التكامل العسكري وحده لن يكون كافياً لتعويض تآكل الدعم السياسي الأمريكي، كما أنه لا يقدم إجابة -بل يبتعد أكثر- عن المسألة الأكثر جوهرية، وهي مسألة “الاستقلالية الاستراتيجية” لإسرائيل.

في ظل حالة من الفوضى الإقليمية المستمرة، وبالنظر إلى الخيارات المعتمدة في عقيدتها الأمنية، ستُطرح حتماً مسألة قدرة إسرائيل على الصمود. ورغم ما تتمتع به من قدرة عالية على التكيف الاقتصادي والاجتماعي، تظل تل أبيب تعتمد بشكل مفرط على الولايات المتحدة في الجانب العسكري، لا سيما فيما يتعلق بالإنتاج والإمداد والأداء العملياتي. ولن تكون الصناعات الإسرائيلية قادرة – لا اليوم ولا في المستقبل – على الحلول محل المنظومة العسكرية والصناعية الأمريكية. علاوة على ذلك، شهدت إسرائيل في السنوات الأخيرة عزلة إقليمية متزايدة، مدفوعةً بقناعة بأن شراكتها المتميزة مع الولايات المتحدة ستكون كافية لتعويض آثار هذه العزلة. بيد أن تراجع الموقف الأمريكي في الشرق الأوسط يحرم إسرائيل تدريجياً من إحدى الركائز الأساسية لموقعها الاستراتيجي. وفي هذا المشهد، قد تصبح “نقطة الضعف القاتلة” (أو “كعب أخيل”) بالنسبة لإسرائيل -على المدى البعيد- هي ذاتها التي شكلت مصدر قوتها حتى الآن: أي علاقتها “الخاصة” مع الولايات المتحدة. فقد ظنت تل أبيب طويلاً أنها ستظل الشريك الوحيد لواشنطن “المحصّن” ضد تحولات السياسة الأمريكية، بل وربما اعتقدت أنها قادرة على الاستفادة من التحول الأمريكي نحو مرحلة “ما بعد الليبرالية”، وأن خياراتها الإقليمية الخاصة لن تؤثر على متانة هذه العلاقة. ومع أنه لا يزال من المبكر التنبؤ بدقة بملامح المستقبل، إلا أن “الاستثناء الإسرائيلي” يبدو اليوم أقل ضماناً مما كان عليه. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن تل أبيب قد فقدت نفوذها داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، لكن الدعم الأمريكي التلقائي، والانخراط الأمريكي في المنطقة، والقدرة على التأثير في الديناميكيات الإقليمية، لم تعد أموراً مضمونة.

لتحميل الدراسة من هنا



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى