لماذا لا يظهر السيد مجتبى خامنئي في الإعلام؟
لماذا
لماذا
منذ توليه قيادة الجمهورية الإسلامية، حضر اسم السيد مجتبى خامنئي بقوة في المشهد السياسي الإيراني والعالمي، بينما غاب شخصه عن المشهد الإعلامي. رسائل متتالية في ملفات الحرب والسياسة الخارجية والاقتصاد، أحكام وتعيينات في مؤسسات الدولة، ومواقف تناولت ملفات حساسة من مضيق هرمز إلى المواجهة مع الولايات المتحدة في ملف التفاوض والحرب ودعم المقاومة؛ كل ذلك ظهر خلال الأشهر الماضية من دون أن يترافق مع ظهور علني لقائد الثورة الإسلامية أمام الجمهور. ما جعل سبب غيابه موضع سؤال مطروح لدى كثيرين، خصوصًا مع انتشار إشاعات تدّعي”مقتله” منذ العدوان الأميركي الإسرائيلي الذي استهدف القيادة الإيرانية في 28 فبراير/شباط 2026. فلماذا اختارت إيران أن يبقى السيد مجتبى بعيدًا عن الظهور العلني؟
الأولوية أمنية
لا يرتبط غياب السيد مجتبى خامنئي عن الظهور العلني فقط بالظروف التي أعقبت العدوان، بل ينسجم أيضًا مع مسار طويل ارتبط بشخصيته قبل توليه القيادة. فقد بقي لسنوات بعيدًا عن الواجهة الإعلامية ودوائر صنع القرار، ولم يكن معروفًا كسياسي يعتمد على الخطابات أو الظهور المستمر أمام الكاميرات.
أول ما يفسر هذا النمط من الغياب هو طبيعة الظروف التي وصل فيها السيد مجتبى إلى موقع القيادة. فهو لم يتولَّ المسؤولية في ظروف عادية أو مرحلة هادئة، بل بعد عدوان استهدف قيادات إيرانية وعلى رأسها الامام الشهيد السيد علي الخامنئي، وفي وقت كانت فيه الولايات المتحدة و”إسرائيل” تخوضان مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران.
في مثل هذه الظروف، يصبح ظهور القائد، موقعه وحركته وأوقات اجتماعاته والأشخاص الذين يلتقي بهم ومواقع إقامته، كلها معلومات ذات قيمة استخبارية. وبالتالي، فإن عدم الظهور العلني يمكن قراءته أولًا باعتباره إجراءً أمنيًا احترازياً ضروريا، لأن كل ظهور سيترك خلفه بطبيعة الحال مجموعة من المعطيات القابلة للرصد والتحليل، خصوصًا مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستطلاع والتعرف على الوجوه وتحليل الصور وتتبع الأنماط.
وهذا يعني أن نشر صورة أو تسجيل للسيد مجتبى لا يقدّم للجمهور معلومة عن حالته فقط، بل قد يقدّم للعدو معلومات عن مكان وجوده ووضعه الصحي. لا سيما وان السيد مجتبى أصبح في صدارة أهداف إسرائيل وأمريكا، ففي آذار/مارس 2026 نشر موقع “أكسيوس” تقريراً بعنوان “The Mojtaba mystery: CIA searches for signs of Iran’s new leader”، قال فيه إن CIA والموساد وأجهزة استخبارات أخرى كانت تراقب تحركات ومؤشرات مرتبطة بالسيد مجتبى خامنئي، خصوصاً لمعرفة حالته الصحية ومكان وجوده ودوره في إدارة الحرب.
والأهم أن التقرير أشار إلى أن “إسرائيل”، بعد استهداف الإمام الخامنئي، أصبحت تعتبر السيد مجتبى في صدارة أهدافها. وفي 4 آذار/مارس 2026، وقبل اختيار السيد مجتبى رسمياً قائداً للثورة بأيام، قال وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن أي قائد يختاره النظام الإيراني لخلافة علي خامنئي سيكون “هدفاً مؤكداً للتصفية”، كما أن تقريراً حديثاً من “الأطلسي” في آب/أغسطس ناقش اختفاءه، وأشار إلى أن وجوده في مكان مكشوف يجعله هدفاً محتملاً لضربة إسرائيلية أو أميركية.
التهديد جاء من واشنطن أيضا، ففي التاسع من آذار الماضي نشرت وول ستريت جورنال، نقلاً عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، مفادها أن ترامب “أبلغ مساعديه بأنه سيدعم قتل مجتبى خامنئي” إذا رفض الاستجابة للمطالب الأميركية، ومنها إنهاء البرنامج النووي الإيراني. بالطبع الهدف الأميركي الإسرائيلي المحتمل ليس بالضرورة أن يكون عبر الحصول على صورة للسيد مجتبى أو ظهوره في فيديو فحسب، وإنما بناء “سلسلة ثقة” تحدد أين يوجد، ومن يحيط به، وكيف يمكن التأكد من وجوده في الموقع في لحظة معينة. هذه ليست فرضيات أو تكهنات إنما تصريحات ومعلومات استخبارية تم تسريبها.
السيد مجتبى حاضر في مؤسسات الدولة
المؤشر الأهم هنا أن الغياب الإعلامي لم يترافق مع غياب عن مؤسسات الحكم. فمنذ توليه القيادة، أصدر السيد مجتبى رسائل عديدة، كما صدرت عنه أحكام وتعيينات في مواقع مرتبطة بصناعة القرار. ففي 9 أغسطس/آب 2026، صدرت أحكام بتعيينات سياسية وعسكرية وأمنية مهمة وحساسة منها حكم تعيين اللواء محسن رضائي ممثلًا له في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومحمد باقر ذو القدر مستشارًا سياسيًا له.
وفي 28 أغسطس/آب 2026، صدرت رسالة جديدة منه إلى الحكومة تناولت أداء حكومة الرئيس مسعود بزشكيان والاقتصاد، والإنتاج الداخلي، وتقليص الاعتماد على الدولار، إضافة إلى التحذير من تقديم نقاط الضعف الداخلية بما يخدم العدو. هذه المعطيات تطرح فارقًا مهمًا بين الغياب عن الإعلام والغياب عن الحكم. لأن ذلك لا تدعمه سلسلة أعماله خلال الأشهر الماضية.
التواصل المباشر مع السيد مجتبى قائم
تأتي تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان لتقدم صورة أوضح عن طبيعة هذا التواصل. ففي 6 مايو/أيار 2026، تحدث بزشكيان عن لقاء مع السيد مجتبى استمر نحو ساعتين ونصف، ثم عاد في 10 أغسطس/آب للحديث عن لقاء آخر استمر نحو سبع ساعات، وقال إنه كان في صحة وسلامة كاملة، وخرج من اللقاء وهو في شوق للعودة اليه وفق مصادر دبلوماسية إيرانية للخنادق، والرئيس بزشكيان الذي تحدث بإسهاب عن تفاصيل اللقاء يتمتع بمصداقية واسعة ويحظى بثقة ومحبوبية من الإيرانيين.
وبغض النظر عن عدم نشر صور لهذه اللقاءات، فإن مضمون تصريحات بزشكيان يشير إلى أن التواصل مع قائد الثورة يجري داخل دوائر الحكم، وليس عبر الظهور أمام الجمهور، وأن هذا القرار اتخذته القيادة الإيرانية السياسية والأمنية عقب اغتيال السيد علي الخامنئي.
كما نقلت Reuters في 11 أبريل/نيسان 2026 عن ثلاثة أشخاص قريبين من دائرته أنه كان يشارك في الاجتماعات ويتابع القرارات، بما في ذلك عبر الاتصال الصوتي. وأن عدداً قليلاً جداً من المسؤولين يحتفظون باتصال مباشر معه، خوفاً من تسريب معلومات يمكن أن تسمح للولايات المتحدة باستهدافه.
إلى جانب ذلك، قدّم مسؤولون إيرانيون روايات تفصيلية عن نجاته من الاغتيال وإصابته ثم علاجه ووضعه الصحي، من بينها رواية رئيس العلاقات العامة في وزارة الصحة حسين كرمان پور حول نقله إلى مستشفى سينا وخروجه منه في الساعات الأولى بعد العدوان. كما توالت التصريحات الرسمية التي أكدت بقاءه حيًا، وانه في صحة جيدة ولا يوجد أي تشوهات في الوجه أو إعاقة في الرجل، وصولًا إلى تصريح السفير الإيراني في روسيا كاظم جلالي في 8 يونيو/حزيران 2026: “قائدنا حي وسالم”. فيما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب -بعد تأرجح بين الروايتين- في 27 أغسطس/آب: “لا أعتقد أنه مات”.
وبذلك، فإن المعطيات المؤكدة تشكل سجلًا متراكمًا من الشهادات والوقائع التي تشير إلى أنه بصحة جيدة وقد تعافى بشكل كامل من الإصابة، وهو يتصدى لإدارة إيران والمواجهة العسكرية والدبلوماسية مع أمريكا، حتى مع استمرار غيابه عن الظهور العلني.
في الخلاصة يمكننا التوصل إلى أن السيد مجتبى لا يظهر لأن الظهور العلني ليس هو الوسيلة التي اختيرت لإظهار حضوره في هذه المرحلة وفق قراءة أمنية دقيقة ومعقدة؛ فبعد انتقاله إلى موقع القيادة في ظروف الحرب والاستهداف الأمني، أصبح الحفاظ على سرية حركته وموقعه أكثر أهمية، بينما يجري إظهار استمرار القيادة من خلال القرارات والرسائل والتواصل مع أشخاص محدّدين تم اختيارهم بعناية فائقة في مؤسسات الدولة.




