صحافة

ترسانة لا تطالها القنابل: الخطاب العقائدي اليمني في مواجهة التحالف السعودي

الحروب في جوهرها صراع إرادات قبل أن تكون صراع ترسانات، وقد جاءت المواجهة التي شهدها اليمن صيف 2026 مثالاً على ذلك. فالتصعيد الذي بدأ باعتداءات سعودية مكثفة على مطار صنعاء ومطارات يمنية أخرى في تموز، وترافق مع إحكام الحصار، بلغ ذروته في أيلول بهجوم بري وجوي شامل. لكن اليمنيين لم يكتفوا بصدّه، بل حوّلوه إلى هجوم مضاد استعاد الساحل الغربي والضفة الشرقية لمضيق باب المندب، ووصل إلى العمق السعودي وقواعد حلفائه. وعلى امتداد هذه الأشهر لم تكن خطابات السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي تعليقاً على ما يجري فحسب، بل شكّلت خارطة طريق عقائدية متكاملة، حوّلت النص القرآني والموروث الديني إلى أداة لتشريع الحرب وتعبئة الناس ونزع الشرعية عن الخصم.

بدأ بناء هذه الخارطة قبل أن تُطلق أول غارة. ففي خطاب العاشر من محرم، الموافق للخامس والعشرين من حزيران، لم تُستحضر كربلاء مناسبةً للرثاء، بل منصةً لتهيئة الوجدان اليمني لمعركة رأى الخطاب أنها قادمة لا محالة، في ظل الموقف اليمني المساند لغزة والتوتر المتصاعد في البحر الأحمر. رسم الخطاب خطاً موازياً بين مواجهة الحسين (ع) ليزيد ومواجهة المشروع الأمريكي الإسرائيلي ومن يسير في ركبه، فخرج العدو من كونه خصماً سياسياً إلى كونه خصماً عقائدياً. وتحوّل شعار “هيهات منا الذلة” من هتاف إلى عقيدة ملزمة تختصر المعادلة المفروضة على اليمن: الخضوع مقابل رفع الحصار والتجويع، أو المواجهة بكل ما تقتضيه من تضحيات. ولسدّ الفجوة الهائلة في موازين القوة المادية استند الخطاب إلى قوله تعالى: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، فصار معيار النصر ارتباط المعركة بنصرة المستضعفين، لا عدد الطائرات والبارجات.

ومع قصف مطار صنعاء في وضح النهار في تموز، انتقل الخطاب من التعبئة التاريخية إلى ما يمكن تسميته التشريع العسكري القرآني. فقد افتتح السيد الحوثي خطابه في السادس عشر من تموز بقوله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ}، ليقول لليمنيين إن العدوان ليس انكساراً لهم، بل مقدمة لفتح قادم. ثم أسّس لمعادلة “المطار بالمطار والحصار بالحصار” على آيات القصاص والانتصار من الظالم، كقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}. بذلك لم يعد الرد خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، بل واجباً دينياً، وهو ما أغلق الباب أمام أي تردد داخلي. وفي وجه بيانات الإدانة الإقليمية والدولية برز مفهوم التوكل بوصفه مصدراً للقرار لا مبرراً للانتظار، إذ أعلن السيد الحوثي أن اليمنيين في موقع القوة ولو واجهوا الدنيا بأسرها ما داموا مع الله.

ولم تكتمل الخارطة من دون تحطيم الهالة الدينية التي يحيط بها النظام السعودي نفسه بوصفه خادماً للحرمين. ففي خطاب الثلاثين من تموز استُحضرت قضية إهداء قطعة من كسوة الكعبة إلى جيفري إبستين دليلاً على استخفاف هذا النظام بالمقدسات، وقُرئت آية الارتداد في سورة المائدة قراءة معاصرة جعلت التبعية المطلقة لأمريكا والكيان الصهيوني صورة حديثة للردة.

وحين حشدت السعودية عشرات الآلاف من المقاتلين ومئات الشاحنات المحملة بالسلاح استعداداً لاجتياح بري، جاء خطاب المولد النبوي في الخامس والعشرين من آب ليستحضر قصة أصحاب الفيل. فكما جعل الله جيش أبرهة {كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} رغم ضعف العرب يومها، فإن الحشود الزاحفة اليوم لا تملك أن تغلب الإرادة الإلهية. وأضاف الخطاب إلى ذلك آيات سورة الإسراء عن “وعد الآخرة”، ليرسّخ يقيناً بأن العلوّ الصهيوني وتوابعه ليس نهاية التاريخ، بل مرحلة تسبق الزوال.

أما خطاب الذكرى الثانية عشرة لثورة الحادي والعشرين من أيلول، فجاء بعد فشل الزحف السعودي نحو مأرب والجوف والساحل الغربي، وحمل نبرة المنتصر. افتتحه السيد الحوثي بآية الاستخلاف والتمكين من سورة النور، مقدّماً الصمود والهجوم المضاد تحقيقاً لوعد إلهي لا عبقريةً عسكرية مجردة. وحين روّجت الرياض أن اليمن يستهدف مكة المكرمة، لم يكتفِ الخطاب بالنفي، بل نزع عن النظام السعودي أي ولاية دينية على الحرم بقوله تعالى: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ}، واستحضر حديث “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، وذكّر بمجزرة حجاج تنومة وبتاريخ تدمير الآثار الإسلامية. ثم أكد أن حق المواجهة مستمد من قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا}، لا من أمريكا ولا من بريطانيا، وهو ما حرّر القرار العسكري من أي ارتهان لمجلس الأمن.

تقوم هذه الخارطة إذن على أربعة أركان متكاملة. الثقة بالله تعبر فوق فجوة ميزان القوى. والتوكل يمنح القيادة الجرأة على القرارات المصيرية، كضرب العمق السعودي في ظل التهديدات الأمريكية. واليقين درع يقي من حرب نفسية أرادت إقناع اليمنيين بأن العالم كله ضدهم. أما الغيب فهو البوصلة التي جعلت المقاتل يرى نفسه جزءاً من سنّة التدافع، لا جندياً في معركة حدود.

بهذا المعنى، واجه خطاب السيد عبد الملك الحوثي الترسانة العسكرية والإعلامية للتحالف السعودي الأمريكي بترسانة من المبادئ لا تطالها القنابل. وقد نجح في تفكيك شرعية الخصم أخلاقياً ودينياً، وفي حماية الجبهة الداخلية من الانهيار، ثم في تتويج الصمود بإعلان نصر نسبه إلى الله. وتبقى هذه التجربة واحدة من أبرز الشواهد على قدرة العقيدة، حين تُدار بوعي سياسي، على صناعة المعادلات العسكرية والجيوسياسية في غرب آسيا.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى