الدفاع والامناخبار لبنانالعرب والعالمثقافةصحافةعاجلعين على العدو
أخر الأخبار

قد يغادر الجندي الميدان حيًا، فيما تبقى الجبهة داخله:من أخطر نتائج الحروب الطويلة على الجيوش حين تنتقل المعركة إلى ذاكرة المقاتلين وأعصابهم

 

 

‏اسرائيل تنتحر بجنوب لبنان ..؟

 


‏إذا صحّت المعطيات التي أوردها الإعلام الإسرائيلي عن انتحار جندي قرب قاعدة كريات غات بعد أزمات نفسية ارتبطت بخدمته في جنوب لبنان، فإن دلالة الحادثة تتجاوز مصير جندي إلى سؤال أكثر قسوة عن الأثر الذي تتركه هذه الجبهة في المقاتل الإسرائيلي. فالجنوب ليس ميدانًا تُقاس خطورته بكثافة النار وعدد الاشتباكات وحدهما؛ بل ببيئة قتالية مركّبة يصبح فيها الغموض سلاحًا: تضاريس صعبة، مراقبة ومباغتة، خصم يعرف أرضه، واحتمال تهديد لا يستطيع الجندي تحديد مصدره أو توقيته. هنا تتآكل ميزة التفوق التقني أمام ضغط الانتظار والترقّب، ويصبح الخوف من الضربة أحيانًا أثقل من الضربة نفسها. لذلك قد يغادر الجندي الميدان حيًا، فيما تبقى الجبهة داخله؛ وهذه واحدة من أخطر نتائج الحروب الطويلة على الجيوش، حين تنتقل المعركة من خطوط الاشتباك إلى ذاكرة المقاتلين وأعصابهم.‏خصوصية جنوب لبنان، في الحساب العسكري الإسرائيلي، أنه راكم عبر عقود ما يمكن وصفه بـ«ذاكرة الجبهة»: احتلال طويل، انسحاب عام 2000، حرب 2006، ثم جولات متعاقبة أعادت إنتاج المكان نفسه بوصفه مسرحًا عالي الكلفة والمخاطر. والمشكلة العملياتية هنا ليست في قوة النيران المقابلة فحسب، بل في مقاتلين خبروا الأرض وحوّلوا الجغرافيا إلى جزء من منظومة القتال؛ التلة والوادي والطريق والغطاء الطبيعي عناصر تدخل جميعها في حساب الحركة والرصد والمباغتة. ولذلك فإن أخطر ما يواجه الجيش المتفوّق تكنولوجيًا ليس دائمًا ما يراه، بل ما يعجز عن رؤيته أو توقّعه. وعندما يتحول هذا الاحتمال إلى حالة ملازمة للجندي، يبدأ الاستنزاف قبل الاشتباك، ويستمر أحيانًا بعد انتهائه؛ فتغدو «عقدة الجنوب» أثرًا نفسيًا وعملياتيًا متراكمًا، لا مجرد توصيف سياسي.‏ومن هنا تحمل الوقائع النفسية التي تتكشف داخل الجيش الإسرائيلي دلالة ينبغي قراءتها: الأرض التي لا يستطيع الاحتلال تأمين نفسه فوقها بالكامل تبقى عصيّة على إخضاعه لها، مهما بلغ تفوقه العسكري. جنوب لبنان اختبر أكثر من مرة معنى الاحتلال والاجتياح والقصف، لكنه اختبر في المقابل قدرة أهله ومقاومته على إعادة إنتاج الرفض والصمود بعد كل حرب. تستطيع الطائرات أن تغيّر شكل المكان، ويمكن للنار أن تهدم الحجر، لكن السيطرة العسكرية شيء، وكسر إرادة الأرض شيء آخر تمامًا. وفي الجنوب تحديدًا تبدو المعادلة أشد وضوحًا: قد يغادر المقاتل الإسرائيلي خطوط النار بجسده، لكن بعض ما واجهه هناك يغادر معه؛ وهنا تصبح ذاكرة الميدان نفسها جزءًا من كلفة الحرب، ويصبح الجنوب جبهةً يمكن اقتحامها بالنار، لكن يصعب إخضاعها بالإرادة.

 

‏عباس المعلم – كاتب سياسي

 

Https://t.me/wakalanewsOfficial

 

https://www.facebook.com/wakalanewspage

 

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى