عاجل | «CSTO»… تجنيد تحت الشعار الروسي من يستدرج اللبنانيين إلى «راسلنا»؟
من ينتظرهم في الطرف الآخر عندما يضغطون «راسلنا»؟
عاجل | «CSTO»… تجنيد تحت الشعار الروسي من يستدرج اللبنانيين إلى «راسلنا»؟
«CSTO»… تجنيد تحت الشعار الروسي
من يستدرج اللبنانيين إلى «راسلنا»؟
الكاتب : علي جمال الدين بظت
في 16 نيسان الماضي، لم يكتفِ الأمن العام اللبناني بتحذير المواطنين من «حسابات مشبوهة» أو محاولات احتيال إلكتروني على الطريقة المعتادة. سمّى صفحة بعينها CSTO وأوضح أن الصفحة كانت تحمل سابقاً اسم FGIH، داعياً إلى عدم التفاعل معها أو تزويدها بأي معلومات شخصية، تفادياً للوقوع في ما وصفه صراحة بـ«فخ التجنيد الإلكتروني المشبوه» .
كان يفترض أن يضع التحذير حداً للقصة، أو على الأقل أن يدفع الصفحة إلى التواري. لكن ما حصل كان العكس تقريباً. فالرصد اللاحق للحساب يظهر أن نشاطه استمر بعد التحذير الرسمي، وأنه لا يزال يخاطب اللبنانيين بلهجتهم، يبحث عن أصحاب «المهارات»، يستثير فضولهم وجرأتهم، ويدعوهم إلى «الانضمام»، قبل أن يعيدهم في كل مرة تقريباً إلى الطلب نفسه: «راسلنا»
وهنا لا تعود المسألة مجرد صفحة غامضة على فيسبوك، بل تتحول إلى سؤال أمني: ما وظيفة الحساب فعلاً، ومن يجلس في الطرف الآخر من المحادثة؟
تحمل الصفحة اسم منظمة معاهدة الأمن الجماعي، المعروفة اختصاراً بـCSTO، وهي منظمة حكومية إقليمية حقيقية تضم دولاً وترتبط ببنية سياسية وعسكرية وأمنية رسمية، وتؤدي روسيا فيها دوراً محورياً. لكن التشابه يكاد يتوقف عند الاسم والهوية البصرية. فالمنظمة الحقيقية تخاطب الدول والمؤسسات وتنشر بيانات الاجتماعات والقرارات والتمارين والوثائق الرسمية. أما الحساب الموجه إلى لبنان، فلا يبدو مهتماً بشرح المعاهدة أو نشاط المؤسسات التابعة لها. هو مهتم بشيء آخر: الأفراد.
يسألهم عن خبرتهم ومهاراتهم وجرأتهم وقصتهم، وعن مستقبلهم وفضولهم ورغبتهم في أن يكونوا «جزءاً» من شيء ما، ثم يدعوهم إلى نقل التواصل من المجال العلني إلى Messenger ، متابعة الحساب خلص إلى أن هذا الفارق هو أحد أهم المؤشرات على أن الصفحة لا تعمل كواجهة إعلامية طبيعية للمنظمة التي تحمل اسمها.
«إذا عنجد إنت جزء منن» الحساب، الذي يحمل المعرّف الرقمي 100083642527420، لا يعتمد رسالة واحدة يمكن تفسيرها على أنها صدفة تحريرية. ثمة نمط يتكرر. في 16 حزيران، نشر: «إذا عنجد إنت جزء منن، نحنا عم ندور على مهاراتك»، متبوعاً بدعوة إلى المراسلة. ووفق فهرسة فيسبوك، اقتربت مشاهدات المادة من 1.2 مليون مشاهدة. وفي 26 حزيران عاد الخطاب نفسه بصيغة أخرى: «إذا عندك فضول تكون معنا، راسلنا» وسبق ذلك محتوى يبحث عن «أشخاص واعين ومتزنين»، بلغ أحد مقاطعه، نحو 2.9 مليون مشاهدة.
لا يطلب الحساب في المرحلة الأولى «معلومة سرية». وهذه ربما أهم نقطة في بنيته. لا يقول للمتلقي: أعطني موقعك أو أسماء زملائك أو تفاصيل عملك. يبدأ من مكان أقل إثارة للشك: لديك مهارة، لديك خبرة، أنت مختلف عن الآخرين، هل لديك الفضول والجرأة لتعرف أكثر؟ بهذا المعنى، لا يجري «اختيار» الأشخاص في البداية بقدر ما يُدفعون إلى اختيار أنفسهم. من يستجيب يكون قد كشف أول معلومة عنه: أنه مهتم بما يكفي لفتح باب التواصل. ثم تأتي النقلة إلى Messenger.
في المواد المنشورة، تظهر إعلانات تحمل الشعار الأمني للصفحة، يرافقها زر Send Message وفي لقطة أخرى تظهر واجهة المراسلة مع إشارة إلى أن الصفحة ترد عادة خلال يوم. المنشور العام، إذاً، ليس الغاية النهائية. هو مدخل لنقل الشخص إلى قناة اتصال ثنائية، بعيداً عن المجال المفتوح الذي يمكن للآخرين مراقبته. ولا يملك التحقيق الحالي محتوى المحادثات الخاصة حتى يجزم بما يحدث بعد الانتأوضح إليها. لكن ما يظهر علناً يسمح بتثبيت وظيفة المرحلة الأولى: جذب عدد كبير من الأشخاص وفرز من يبادر منهم إلى الاتصال.
اللبنانيون يفرزون أنفسهم، ليس استخدام العربية وحده ما يجعل النشاط لافتاً، بل اللهجة اللبنانية والسياق السياسي المحلي الذي تتحرك فيه الصفحة. فالمحتوى يخاطب البيئة اللبنانية، مع تركيز واضح على البيئة الشيعية، ويستخدم مفردات تلامس قضايا المهارة والانتماء والجرأة والقلق على المستقبل.
والتعليقات نفسها تكشف كيف تصل الرسالة إلى المتلقين. تحت منشور يسأل المستخدم إن كان «جريئاً كفاية لتنضم إلنا»، كتب أحدهم: «ممكن سجل». آخر حذره بالقول: «موساد انتبه» وثالث سأل: «انتو مين» وفي منشورات أخرى ظهرت مواقف مؤيدة للمقاومة وأخرى شديدة الخصومة مع حزب الله.
لا تعني هذه التعليقات أن أصحابها تعاونوا مع الصفحة، ولا يصح التعامل معهم على هذا الأساس. لكنها توضح قيمة المنهج الذي يعتمده الحساب: المتلقون يقدمون بأنفسهم مؤشرات أولية عن شخصياتهم ومواقفهم. الراغب يقول إنه يريد التسجيل. الفضولي يسأل عن هوية الجهة. الشخص السياسي يكشف انحيازه. المرتاب يعلن شكوكه. أي أن الجهة المشغلة، أياً تكن، لا تحتاج في المرحلة الأولى إلى استبيان أمني طويل. التفاعل نفسه يصبح أداة فرز.
الشعار روسي… أما المشغّل فمجهول
هنا تقع النقطة الأكثر حساسية في التحقيق. استخدام اسم CSTO وشعارها، والإشارة في بعض المحتوى إلى «دور قيادي لروسيا»، يخلقان غطاءً روسياً ظاهراً. لكن لا توجد، ضمن المواد التي أمكن مراجعتها، قرينة تسمح بإسناد الحساب إلى الحكومة الروسية أو إلى جهاز أمني روسي أو حتى إلى المنظمة الرسمية نفسها. ولذلك، فإن الحديث عن «صفحة روسية» باعتباره حقيقة سيكون قفزة لا تسمح بها الأدلة. قد يكون الاسم غطاءً. قد يكون انتحالاً. وقد تكون الجهة المشغلة من مكان آخر تماماً. ما يمكن إثباته مختلف: صفحة تستخدم هوية منظمة أمنية دولية من دون ظهور دليل علني يثبت ارتباطها الرسمي بها، وتؤدي في لبنان وظيفة تختلف جذرياً عن الوظيفة الاتصالية لتلك المنظمة. فالصفحة لا تتصرف كمؤسسة تريد جمهوراً يقرأ أخبارها؛ تتصرف كجهة تريد أشخاصاً يتواصلون معها.
التحذير لم ينهِ العملية، ربما يكون المؤشر الأخطر هو التسلسل الزمني. الأمن العام حذّر من الصفحة في 16 نيسان. لكن مواد الاستقطاب المباشر ما زالت تظهر أي بعد التحذير. وفي 16 حزيران تحديداً، نشرت الصفحة عبارة «حتى هنن فهموا إنو ما فيهن يوقفونا»، قبل أن تسأل المتلقي إن كان جريئاً بما يكفي «لينضم». لا يمكن الجزم بأن كلمة «هنن» تشير إلى الأمن العام أو إلى تحذيره تحديداً، لكن الثابت أن النشاط الذي حذرت منه الدولة لم يتوقف.
ومن هنا تنتقل القضية من مسؤولية المستخدم إلى مسؤولية المؤسسات. ماذا حصل بعد التحذير؟ هل طلب رسمياً من «ميتا» حفظ بيانات الحساب؟ هل جرى تحديد الدول التي يدير منها المشرفون الصفحة؟ ما الحسابات الإعلانية المرتبطة بها؟ من يدفع ثمن الوصول الواسع للمنشورات، إذا كان مدفوعاً؟ وهل حاولت الأجهزة الوصول إلى أشخاص سبق أن راسلوها؟
أخطر من «سرقة كلمة المرور» التعامل مع النشاط باعتباره مجرد تهديد للخصوصية يقلل من حجمه. إذا صح تقدير وظيفة الاستقطاب، فإن القيمة لا تكون في الحصول على «باسورد» المستخدم، بل في الإنسان نفسه. يبدأ الشخص بإخبار الجهة عن اختصاصه أو خبرته. ثم قد تأتي أسئلة أخرى، تدريجاً: أين يعمل؟ ما نوع عمله؟ من يعرف؟ ما حاجته؟ هل يعاني ضائقة مالية؟ هل يبحث عن عمل؟ هل لديه وصول إلى مؤسسة أو بيئة مهمة؟ لا تكون أي معلومة منفردة بالضرورة حساسة، لكن تجميع البيانات يستطيع إنتاج ملف مختلف تماماً.
الخطر الثاني هو الفرز. الوصول إلى ملايين المشاهدات لا يعني أن ملايين الأشخاص أهداف محتملة، لكن العدد الكبير يوفر قاعدة يمكن استخراج عشرات أو مئات الأشخاص الأكثر استعداداً للتجاوب منها.
والخطر الثالث هو الثقة المصطنعة. فمن يتعامل مع الصفحة على أنها واجهة لمنظمة أمنية تقودها دولة يعتبرها صديقة قد يخفض حذره أكثر مما يفعل أمام حساب مجهول.
أما الخطر الأكثر حساسية في لبنان، فهو أن الاختراق لا يحتاج في مرحلته الأولى إلى برنامج تجسس أو ثغرة تقنية. المستخدم يدخل بنفسه. يضغط «راسلنا» ومن هناك، إذا قرر الاستمرار، يصبح الإنسان نفسه بوابة الدخول.
ما بعد التحذير ، المطلوب أولاً تثبيت الأدلة الرقمية قبل أن تختفي: المعرّف الرقمي للحساب، أسماؤه السابقة، تاريخ تغيير الاسم من FGIH إلى CSTO، المنشورات والإعلانات، الحسابات المرتبطة، وأي بيانات متاحة في مكتبة إعلانات «ميتا».
ثم ينبغي، عبر المسار القضائي المناسب، طلب حفظ البيانات التي لا يستطيع الرصد المفتوح الوصول إليها: مواقع إدارة الصفحة، الدول التي يدخل منها المشرفون، الحسابات الإعلانية، وسائل الدفع، وأي روابط تقنية بحسابات أخرى. من دون هذه الطبقة ستبقى هوية الجهة المشغلة فرضية لا نتيجة تحقيق.
وفي المقابل، يحتاج الأشخاص الذين سبق أن تواصلوا مع الصفحة إلى باب تبليغ آمن. التعامل معهم تلقائياً كمشتبه بهم خطأ أمني قبل أن يكون اجتماعياً. بعضهم قد يكون دخل بدافع الفضول ثم أدرك طبيعة الحساب. وما يملكه هؤلاء من محادثات قد يكون أهم من كل المنشورات العلنية في كشف المسار الحقيقي للاستدراج.
كذلك، لا يكفي أن تقول الدولة للناس: لا تتعاملوا مع CSTO الصفحة تستطيع أن تغير اسمها غداً، كما غيرته في السابق. ما يجب شرحه هو النمط: هوية مؤسساتية كبيرة، محتوى محلي مصمم بدقة، استثارة للمهارة أو الحاجة أو الفضول، ثم دعوة إلى نقل الاتصال إلى الخاص.
وتبقى مسؤولية «ميتا» سؤالاً مفتوحاً. فإذا كانت سلطة أمنية لبنانية قد حذرت علناً من حساب محدد وربطته بـ«التجنيد الإلكتروني المشبوه»، فإن استمرار النشاط بعد ذلك لا يمكن التعامل معه كأمر عادي. هل دققت المنصة بالحساب؟ هل حفظت بياناته؟ وهل استمر في الحصول على وصول واسع أو مدفوع بعد التحذير؟
هذه ليست قصة «صفحة فيسبوك غريبة» القصة أن حساباً ذا هوية أمنية غير مثبتة، حذرت منه الدولة اللبنانية بالاسم، واصل بعد ذلك مخاطبة اللبنانيين بلهجتهم، وفرزهم بحسب فضولهم ومهاراتهم واستعدادهم للتواصل، فيما بقي السؤال الأهم بلا جواب: من ينتظرهم في الطرف الآخر عندما يضغطون «راسلنا»؟
Https://t.me/wakalanewsOfficial
Https://www.facebook.com/wakalanewsPage




