الراحة الحقيقية في الإيمان والتفويض

وأمّا إذا كانت الأوامر والنواهي الموجّهة للنفس من واحد فقط، فستراها مسارعة لامتثال تلك الأوامر ومنتهية عن تلك النواهي، وبهذا يُتخلّص إلى راحة النفس واطمئنانها، والملاحظ أنّ هذه الراحة، لا توجد في المال، ولا في المناصب، ولا في الرتب، ولا عند الزوجات والأولاد، وإنّما توجد في شيء واحد ألا وهو في الإيمان بالله تعالى وصحّة تفويض الأمر إليه، والاعتماد عليه جلّ شأنه مع الأخذ بالأسباب، وغير ذلك لا يُعدّ توكّلاً كما هو معلوم، وإنّما تواكلاً، فالذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: يا رسول الله! أرسل ناقتي وأتوكّل، نهاه صلى الله عليه وآله وسلم ووجّهه قائلاً: “لا، اعقلها وتوكّل”.
وأمّا الذين أضاعوا الطريق ولم يؤمنوا بالله حقيقة الإيمان، ولم يفوّضوا أمورهم إليه، فستجدهم قد فقدوا راحة النفس، وطمأنينة القلب، وهدوء البال، وراحوا يلهثون وراء السحرة والدجّالين بعدما ذهبوا إلى الأطبّاء النفسيين، وعجز علماء الاجتماع عن حلّ ألغاز مشاكلهم، فكانوا كمن يستجير من الرمضاء بالنار.
معنى التفويض الحقيقي
“يقول الإمام الباقر عليه السلام هنا: “وَتَخَلَّصْ إِلَى رَاحَةِ النَّفسِ بِصِحَّةِ التَّفوِيضِ”، أي إنْ أردت أنْ تكون مرتاح البال ومطمئنّاً تماماً ففوّض أمورك إلى الله! كما أنّه عليه السلام لم يقل: “تخلّص إلى راحة النفس بالتفويض” بل قال: “بِصِحَّةِ التَّفوِيضِ”. ولعلّ ما أراد عليه السلام التنويه إليه هنا هو أنّ الإنسان قد يخدع نفسه أحياناً فلا يُفوّض الأمر إلى الله حقيقة، بل يقول من باب التقاعس: لقد فوّضت الأمر إلى الله. وهذا ليس بالتفويض الصحيح، بل هو تقاعس وعدم لياقة. فالتفويض الصحيح هو أن يكون المرء قادراً على إنجاز العمل ويُنجزه فعلاً بدافع التكليف لكنّه – مع ذلك – يعتمد على الله تعالى ولا تكون النتيجة مهمّة بالنسبة إليه مهما كانت”.
وَلَن يُضيعَ اللَهُ أَجرَ امرئٍ قَد فَوَّضَ الأَمر لَهُ وَاحتَسَب
المؤثّر المستقلّ هو الله وحده
ما نفهمه نحن ابتداءً من نظام الأسباب والمسبّبات هو استقلال هذه الأسباب في التأثير، بمعنى أنّنا نظنّ أنّ الماء الذي نشرب هو الذي يرفع العطش، سواء أكان هناك إله أم لم يكن. والحال أنّ الحقيقة ليست كذلك. فإنّ جميع الأديان السماويّة وكافّة الأنبياء والرسل قد جاؤوا لإخبارنا بأنّ ما نراه من حياتنا لا يُمثّل إلاّ الطبقة السطحيّة من الحياة وأنّ لهذه الحياة باطناً وحقيقة أيضاً هي أسمى بكثير من هذه الأمور، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، فلا تخدعنّكم هذه الحياة الدنيا!
فالقرآن الكريم يحرص كلّ الحرص على أن ينبّهنا في كلّ الأحداث والوقائع “بأنّ الله هو الذي يفعل ذلك”. فهو يحاول أن يُفهمنا من خلال هذه التعبيرات بأن لا نلتفت إلى الأسباب الظاهريّة فقط. فهذا هو أحد الأهداف العظيمة التي يسعى إليها الأنبياء، إذ يقول القرآن الكريم لنبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ أي: هذا هو مستواهم
العلميّ .
*شبكة المعارف الإسلامية
انتهى
المصدر
الكاتب:Sabokrohh
الموقع : ar.shafaqna.com
نشر الخبر اول مرة بتاريخ : 2025-03-25 09:22:36
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي