ممثل المرجعية في اوربا يشرح جوهر الصيام وأهدافه الروحية

فالبعض يتصور بان الله محتاج الى جوعنا وعطشنا في شهر رمضان ويتناسى الهدف التربوي والأخلاقي والاجتماعي والعبادي من أداء هذه الفريضة الكبرى، فلهذا وغيره اقتضى التوضيح بهذه الرسالة الرمضانية بما يلي:
يطل علينا شهر رمضان المبارك بنفحاته الإيمانية ورحماته الربانية، حاملاً معه فرصة ثمينة للتغيير والإصلاح، ليس فقط في العلاقة بين العبد وربه، بل أيضاً في علاقات الناس فيما بينهم. إنه موسم للتأمل والمراجعة، ولتجديد العزم على العيش وفق القيم الإسلامية النبيلة.
وبينما يكثر الحديث عن فضائل شهر رمضان وأحكام الصيام وزكاة الفطر، فإن المعاني العميقة للصيام تتجاوز هذه الجوانب الشكلية إلى جوهر العبادة ومقاصدها الحقيقية التي تنعكس على سلوك المسلم وتعاملاته اليومية.
في رحاب هذه المعاني العميقة، يتجلى جوهر الصيام في تلك الارتباطات الوثيقة بين العبادة والسلوك اليومي للمسلم. فعندما نتأمل حقيقة الصيام، ندرك أن الامتناع عن الطعام والشراب لا يكتمل معناه دون الامتناع عن الظلم وأكل الحقوق. إذ ما قيمة الصيام في بيت مغتصب أو إفطار بمال منهوب؟ إن الحرمان المؤقت من الطعام والشراب يفقد معناه حين يتزامن مع حرمان الآخرين من حقوقهم الأساسية.
ومن هذا المنطلق، يدعونا رمضان إلى مراجعة شاملة لعلاقاتنا المالية والاجتماعية، حيث يأتي رد المظالم وإعادة الحقوق لأصحابها في المقدمة قبل تقديم الزكاة والصدقات. فكيف نتصدق بمال قد يكون فيه حق لأخت حُرمت من ميراثها، أو حق عام تم الاستيلاء عليه بغير وجه حق؟ تلك الحقيقة تؤكد أن الزكاة والصدقة النقية تخرج من المال الطاهر، فالمال الحرام لا تقبل منه صدقة ولا تخرج منه زكاة، مهما كان حجمه.
ولا تنفصل هذه المعاني عن مفهوم الأمانة، ذلك الركن الأساسي من أركان الإيمان. فمن يؤدي الصلاة ويصوم النهار، ثم لا يرد الأمانات إلى أهلها أو يستغل منصبه للاستيلاء على المال العام، يفرغ عبادته من محتواها الحقيقي. وهكذا نرى أن الصيام مدرسة تعلمنا كيف نكون أمناء في كل موقع ومع كل إنسان، وكيف نحترم حدود الله في السر والعلن.
أما على صعيد العلاقات الاجتماعية، فيزهو رمضان بجماله حين تتوثق أواصر العلاقات وتتعمق. فصلة الأرحام وبر الوالدين ليسا مجرد واجبات اجتماعية، بل هما من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه. وعندما يمتد هذا الإحسان ليشمل الجار والصديق والغريب، تتحقق مقاصد الصيام في بناء مجتمع متراحم متكافل. ويكتمل هذا المعنى حين نحترم المساحات المشتركة بيننا، فنحافظ على نظافة الطرقات ونراعي آداب استخدام المرافق العامة، لأن النظافة من الإيمان، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة جارية.
وفي ظل هذه الروح الاجتماعية، تتعاظم في رمضان مسؤولياتنا تجاه الأجيال القادمة. فكل واحد منا راعٍ في موقعه، مسؤول عن توجيه من تحت رعايته وإرشادهم إلى القيم النبيلة. ومن خلال هذا الدور التربوي، علينا أن نعلم أبناءنا أن الصيام ليس جوعًا وعطشًا فحسب، بل هو منظومة متكاملة من الأخلاق والقيم تتجلى في كل سلوك وتصرف. وبالتوازي مع هذه المسؤولية الأسرية، يبرز في هذا الشهر الكريم واجبنا المجتمعي في مكافحة الجشع والاحتكار. فمن يخزن السلع والأقوات منتظرًا ارتفاع أسعارها ليضاعف أرباحه، يخالف روح رمضان القائمة على الإيثار والتكافل.
ولعل ما يلخص كل هذه المعاني هو أن جوهر الإسلام يتجلى في معاملاتنا اليومية. إذ قد تبدو العلاقة مع الله هينة لمن يدرك سعة رحمته، فهو سبحانه يغفر الذنوب جميعًا مهما عظمت. أما مظالم العباد فتتطلب ردًا وإصلاحًا في الدنيا قبل أن تتحول إلى حسنات تُستقطع من ميزان المظلوم يوم القيامة. من هنا، يشكل رمضان فرصة ذهبية لتصفية القلوب وإصلاح ذات البين، فالصوم الحقيقي صوم القلب عن الحقد والكراهية، وصوم اللسان عن الغيبة والنميمة، وصوم الجوارح عن كل ما يؤذي الآخرين.
وانطلاقًا من هذا الفهم الشامل للصيام، تتنوع أبواب الخير في رمضان بشكل يتيح لكل مسلم المشاركة بغض النظر عن إمكاناته. فالابتسامة صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل معروف صدقة. ان هذا الشهر الكريم يدعونا إلى استثمار كل لحظة في أعمال البر المتنوعة، من إطعام طعام، إلى سقي ماء، إلى تفريج كربة، إلى مساعدة ضعيف، فكلها سبل تؤدي إلى غاية واحدة: تحقيق تقوى الله في السر والعلن.
وفي ختام هذه الرسالة الرمضانية، يجدر بنا جميعًا أن نتذكر أن شهر رمضان فرصة عظيمة للتغيير والإصلاح على المستوى الفردي والمجتمعي. فلنستثمر هذه الفرصة الثمينة في تعميق الوعي بالقيم الإسلامية الأصيلة، وترسيخ ثقافة الحقوق والواجبات، والارتقاء بأخلاقنا وسلوكياتنا، لنكون حقًا من المتقين الذين يخشون الله في السر والعلن، ويعاملون الناس بما يحب الله ويرضى. وبذلك نحقق المقصد الأسمى من الصيام: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
هذا ونسال المولى سبحانه وتعالى: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلُهُ آخِرَ العَهْدِ مِنْ صِيامِنا إِيّاهُ فَإِنْ جَعَلْتَهُ فَاجْعَلْنِي مَرْحُوما وَلا تَجْعَلْنِي مَحْرُوماً برحمتك يا ارحم الراحمين وصل على محمد واله الطيبين الطاهرين.
انتهى
المصدر
الكاتب:Sabokrohh
الموقع : ar.shafaqna.com
نشر الخبر اول مرة بتاريخ : 2025-02-27 12:42:28
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي