تحقيقات - ملفات

مُذكّرات كوشنر (3): محمّد بن سلمان يُفاجئ العالم

أساس ميديا

كانَ كبير مُستشاري الرّئيس الأميركيّ السّابق وصهره جاريد كوشنر من أكثر الشّخصيّات تأثيراً داخل أروقة البيت الأبيض خلال ولاية دونالد ترامب بين 2016 و2020. لعِبَ كوشنر دوراً كبيراً في إعادة الزّخم للعلاقات العربيّة – الأميركيّة، بعد توتّرها في عهد الرئيس الدّيمقراطيّ باراك أوباما على إثر توقيع الاتّفاق النّوويّ مع إيران في 2015.

وكان له الدّور الأبرز في تطبيع علاقات إسرائيل مع دُول عربيّة عديدة، أبرزها دولة الإمارات ومملكة البحريْن والمملكة المغربيّة والسّودان، نظراً إلى انتمائه لطائفة اليهود الأرثوذكس.

قرّرَ كوشنر أخيراً توثيق هذه الفترة من حياته في كتابٍ تحت عنوان “Breaking History: A White House Memoir”، كشف فيه عن لحظات حاسمة وخفايا قرارات اتُّخِذَت في البيت الأبيض.

ينشرُ “أساس” سلسلة حلقاتٍ من كتاب كبير مُستشاري ترامب. تتحدّث الحلقة الثّالثة عن تفاصيل زيارة ترامب التّاريخيّة للمملكة العربيّة السّعوديّة.

قبل أن يذكُر كوشنر تفاصيل زيارة الرّئيس الأميركيّ السّابق للرّياض، يذكر باختصار كيف تناقش مع وزيرَيْ الخارجيّة والدّفاع ريكس تيلرسون وجيمس ماتيس المُعارضيْن للزّيارة.

يقول كبير مُستشاري ترامب إنّ الوزيريْن قالا إنّهما لا يثقان بالسّعوديّة، فردّ كوشنر مُخاطباً وزير الخارجيّة بالقول: “أعتَرِف أنّي لا أملك خبرةً دبلوماسيّة مثلك، لكنّي أبرمت مئات الصّفقات في مسيرتي العمليّة، وأُدرِكُ جيّداً إن كان الطّرف الآخر مُستعدّاً للعمل أم لا. صرتُ متيقّناً أنّ (الأمير) محمّد بن سلمان لا يبيعنا كلاماً، بل هو يقول ويفعل. كبير مُفاوضيه ينزل في فندق “فورسيزنز” في آخر الشّارع، وهُو جاهزٌ للمجيء فوراً لوضع اللمسات الأخيرة على كلّ الاتفاقيّات بيننا وبين السّعوديّة”.

لم يُجِب وزير الخارجيّة على مُداخلة كوشنر، لكنّه كان يعتقد أنّ صهر ترامب يُعوّل على إنجاز الكثير في وقتٍ ضيّق، فقال له كوشنر بأسلوب “الحشر في الزّاوية”: “إن كُنتَ تعتقد أنّ زيارة السّعوديّة ليست بفكرةٍ جيّدة، تفضّل اعرض لنا فكرتك والبديل عن ذلك… نحن لم نأتِ إلى هُنا لمناقشة أمور العالم ونحن نُدخّن السّيجار في أحد المقاهي. نحن الآن في القيادة، وهُناك أمور ينبغي أن نتّخذ قرارات بشأنها”. هنُا أيضاً لم يُجب تيلرسون على كلام كوشنر.

بعد الاجتماع اتّصل كوشنر بالأمير محمّد بن سلمان الذي كان يشغل منصب نائب وليّ عهد المملكة، وقال له: “يقول لي جميع الحاضرين في الاجتماع إنّي “غبيّ” بسبب الآمال الكبيرة التي أتوقّعها من زيارة المملكة. حتّى وصلَ الأمر ببعض الحاضرين أن يقول إنّ زيارة السّعوديّة لن ينتُج عنها سوى رؤية رمال الصّحراء والجِمَال”.

ضحِكَ محمّد بن سلمان وأكّد للمسؤول الأميركيّ أنّه هو أيضاً يُواجه بعض الشّكوك في جدوى الزّيارة من مسؤولين في المملكة، وقال: “ينبغي أن تكون الزّيارة نجاحاً كبيراً للرّئيس ترامب، المملكة مُلتزمة بكلامها وبالاتفاقيّات، ونُريد أن نشاهد معاً تغييراتٍ في السّعوديّة تفوق ما نتخيّل”.

في السّعوديّة

في 20 أيّار 2017، توجّه الرّئيس الأميركيّ والوفد المُرافق، الذي كانَ من ضمنه كوشنر، إلى السّعوديّة.

يصفُ الكاتب اللحظة بالقول: “قليلاً ما شعرتُ بالتّوتّر خلال حياتي، ومن هذه اللحظات كانت لحظة انطلاق الطّائرة الرّئاسيّة Air Force One نحو المملكة العربيّة السّعوديّة”. كان العالم كُلّه يُراقب الرّحلة، وكنت أرغب بأن “تكون مُتقنة بكلّ تفاصيلها، فهي نتيجة عملٍ طويل ومُتعِب على مدار أشهر من دون نومٍ أو راحة”.

وصَلَت الطّائرة الرّئاسيّة إلى مدرج مطار الملك خالد بن عبد العزيز في الرّياض. كان الملك سلمان بن عبد العزيز في مُقدَّم مُستقبلي الرّئيس ترامب وزوجته ميلانيا. يصفُ كوشنر الاستقبال التّاريخيّ: “كانت المدافع تُطلق قذائفَ الترحيب، فيما كانت 9 مُقاتلاتٍ من طراز F16 تحلّق فوق رؤوس الوفدِ راسمةً ألوان العلم الأميركيّ في السّماء”.

شعَر كوشنر بالفارق الكبير بين استقبال ترامب وسلفه باراك أوباما قبل سنةٍ، إذ لم يكُن الملك في استقباله على أرض المطار.

توجّه الرّئيس الأميركيّ والوفد المُرافق إلى الدّيوان الملكيّ في سيّارة الليموزين الرّئاسيّة التي كان يُرافقها 12 عنصراً من فرقة الخيّالة يحملون العلميْن السّعوديّ والأميركيّ. بعد لقائهما، وقّع الملك سلمان والرّئيس الأميركيّ على اتفاقيّة تعاون عسكريّ بقيمة 110 مليارات دولار.

مساءَ تلك الليلة، أقامَ الملك سلمان على شرف الرّئيس الأميركيّ والوفد المُرافق عشاءً وصفه كوشنر بـ”الحميم”، في قصر المُربّع، وهو قصر الملك المؤسّس الملك عبد العزيز بن سعود. يقول كوشنر: “مع وصول سيّارة الرّئيس ترامب إلى القصر، كان في انتظاره “بحرٌ” من السّعوديين بلباسهم التقليديّ، يُنشدون أغاني سعوديّة تراثيّة ويقرعون الطّبول. بعدما توجّه الرّئيس نحوهم، تجمّع “البحر السّعوديّ” حوله وأدّى الحاضرون رقصةً بالسّيوف، وهذا تقليدٌ مُرتبط بالقبائل العربيّة، التي كانت تُؤدّي هذه الرّقصة قبل الحرب. أعطى الملك سلمان سيفاً للرّئيس ترامب ودعاه إلى المشاركة فيها، في خطوةٍ تدلّ على الاحترام الكبير”.

بعد دقائق، شاهد كوشنر وزير الخارجيّة تيلرسون الذي لم يُخفِ سروره بالزّيارة: “هذه ليسَت رقصة السّيف الأولى التي أقوم بها”.

في اليوم التّالي، حضرَ ترامب اجتماعاً لقادة دول مجلس التّعاون الخليجيّ، بصفته ضيف شرف. وقّعت أميركا والدّول الخليجيّة اتفاقيّات “تاريخيّة” في مجالَيْ تبادل الموارد والمعلومات الاستخباريّة لمُحاربة تمويل الإرهاب.

يروي كوشنر “لحظةً طريفةً” خلال الاجتماع: “أرسَلَ مُستشار ترامب للشّؤون الاقتصاديّة غاري كوهين قُصاصة ورقٍ للرّئيس كتبَ فيها: “للمُصادفة، أنتَ أفقر من يجلس إلى هذه الطّاولة”. لم يستطع ترامب أن يُخفي ضحكته”.

صحنون بن زايد يعد المرأة السعودية

خلال فترة الغداء، دعا محمّد بن سلمان كوشنر وزوجته إيفانكا ترامب إلى الانضمام إلى طاولته إلى جانب مسؤولين خليجيين. كانَ على الطّاولة مُستشار الأمن الوطنيّ الإماراتيّ الشّيخ طحنون بن زايد الذي توجّه إلى إيفانكا ترامب بالقول وهو يضحك: “تفضّلي، إسألي الأمير محمّد بن سلمان متى سيتّخذ قراراً يسمح للمرأة بقيادة السّيارة في السّعوديّة”. ضحكَ بن سلمان وقال: “قريباً جدّاً”. فوجئت إيفانكا بالقرار وأثنَت عليه. يصفُ كوشنر اللحظة: “كُنتُ متفاجئاً بالانفتاح الكبير لدى القادة الخليجيّين وخططهم للتطوير والإصلاح”.

“بعدَ سنةٍ، فاجأ وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان العالم باتّخاذه قراراً يسمَح للمرأة بقيادة السّيارة في المملكة، وبتغيير نظام الحماية والوصاية الذي لم يكن يسمح للمرأة بامتلاك حساب مصرفيّ أو عقار بشكلٍ مُنفرد”. على ما يقول كوشنر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى