تحقيقات - ملفات

كيف غذى جشع الغرب صعود بوتين ومكّن آلته الحربية صمم الغرب نظاماً عالمياً فاسداً يشعر فيه الرجال الأثرياء والنافذون مثل بوتين- الذي يقال إنه أساساً من أصحاب المليارات- أنهم قادرون على الإفلات من العقاب مهما فعلوا

بورزو درغاهي

تتخذ حكومات العالم موقفاً محقاً بإدانة غزو فلاديمير بوتين غير القانوني وغير المبرر إطلاقاً لـأوكرانيا – الدولة المسالمة التي تقطنها 44 مليون نسمة لم تشكّل يوماً أي خطر على جيرانها، بل تصارع للخروج من قرون أمضتها تحت نير القوى الأجنبية وعقود مرّت عليها بين فساد وسوء الحكم.

وفُرضت عقوبات شديدة القسوة، وبات محظوراً على بعض المصارف الروسية استخدام برنامج “سويفت” للرسائل الذي يشكّل دعامة التعاملات المصرفية الدولية الفاعلة في عصرنا الحديث.

ولكن تلك الدول ذاتها التي تدين هجوم روسيا على أوكرانيا لعبت دوراً رئيساً في صعود بوتين وفي نمو طموحاته الهائلة، كما في حيازته احتياطي ضخم لتمويل الحرب تبلغ قيمته مئات مليارات الدولارات. وأدّى الكسل والتعنّت العقائدي إلى إخفاقات في السياسات، كما أنتج قصور المخيلة تقاعساً. ولكن الدافع وراء كل هذه الأمور كان الجشع.

ما إن انهار الاتحاد السوفياتي، حتى كرّت سبحة الأخطاء. أسهمت الحكومات والمؤسسات الغربية، بما فيها صندوق النقد الدولي، فضلاً عن لاعبين ماليين جشعين كثر، في الفوضى السياسية والاقتصادية التي عمّت روسيا في تسعينيات القرن الماضي، وجعلتها أشبه بجمهورية فايمار [كانت تربة انبثاق النازية حيث التضخم بلغ مستويات ضخمة].

وخلال تلك الأعوام، وبعد نصائح الغرب السيئة التي ساقها مصرفيون ومستشارون كانوا يراكمون الثروات في موسكو، وصل اقتصاد روسيا إلى الحضيض. انهارت معدلات الأمل في الحياة عند الولادة كما متوسطات الولادة [الإنجاب] ذاتها. ودفع انتشار الجريمة والعصابات في البلاد إلى تقبّل بوتين، ذلك العضو السابق في جهاز الاستخبارات الروسي كاي جي بي، باعتباره الرجل الذي تعهّد بفرض “ديكتاتورية القانون” في انتخابات عام 2000 المصيرية.

عمدت الدول الغربية إجمالاً إلى تجاهل انتهاكاته لحقوق الإنسان وقمعه حريات الصحافة والمجتمع المدني، فيما كان يرسي دعائم حكمه. طبعاً، صدرت بيانات “قلقة” بعد اعتقال متظاهرين سلميين وإدانات محقّة من وراء المنابر خلال المؤتمرات الصحافية. ولكن أيّاً من هذه الخطوات لم يمنع دولاً مثل المملكة المتحدة وفرنسا وسويسرا من الترحيب بتدفق المال الروسي القذر من أقلّية مرتبطة بدائرة المقربين من بوتين إلى قطاعات العقارات والمصارف فيها.

وعوضاً عن تعزيز مصادر الطاقة المتجددة وتخفيف استهلاك الطاقة، قبلت أوروبا بشراء الغاز الرخيص الثمن من روسيا، فملأت جيوب بوتين وموّلت تطويره السريع للقوات العسكرية في بلاده على مدار العقدين الماضيين. ثم انضم المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر إلى عملاق الطاقة الروسي، “غازبروم”، بعد فترة قصيرة من مغادرته منصبه عام 2005، وبدأ بالدفع نحو بناء خط أنابيب الغاز تحت بحر البلطيق الذي بدا أن الهدف الوحيد من ورائه هو تجاوز دول أوكرانيا وبولندا كما دول البلطيق التي لدى روسيا مطالبات تاريخية بها.

حتى بعد قيام روسيا بمهاجمة وتقويض [تقطيع أوصال] جورجيا عام 2008، سُمح لبوتين بالبقاء في مجموعة الدول الثماني (G8)، ولقي ترحاباً من قادة الغرب باعتباره رجل دولة محترماً أثناء اجتماع القمة الذي عقدته المجموعة في إيطاليا السنة التالية، ولم يتضمّن جدول أعمال الاجتماع مسألة قصف الدولة القوقازية أساساً. وفي أعقاب الهجوم على جورجيا، أفادت التقارير بأنه سُمح لأسرته حتى أن تؤسس حياة من الاسترخاء لها في منتجع بياريتز الفرنسي الفخم.

بعدما وجد منفذاً له على إثر حملة القصف واستيلائه على مناطق أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، استمر بوتين بالسير قدماً. ولم تقتنع مجموعة الدول السبع بإبعاده عنها سوى بعد هجومه على أوكرانيا وغزوه لها وضمّه شبه جزيرة القرم عام 2014. ولكن مبيعات النفط والغاز استمرّت بلا هوادة. وكان من المفترض أن تظهر جرائم الحرب الفظيعة التي ارتكبتها روسيا في سوريا، ومن بينها غارات جوية مدمّرة على مدارس ومستشفيات ومساكن لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، من هو بوتين [حقيقته] للعالم بأسره.

ولكن عوضاً عن ذلك، وعلى الرغم من مجازره المتواصلة والمجنونة بحقّ المدنيين السوريين، واصلت كبرى شركات العالم مثل “مورغان ستانلي” و”أبل” و”بيبسيكو” و”بروكتر أند غامبل” و”ماكدونالدز” و”جنرال إلكتريك” العمل في روسيا.

حتى بعد ارتكابه حملة اغتيالات في الخارج باستخدام أسلحة الدمار الشامل، أُذن له باستضافة كأس العالم في كرة القدم لعام 2018، وهو استعراض كان بمثابة دعم سياسي لبوتين.

وكان من المفترض اعتبار دعم بوتين القوي لحملة القمع القاسية التي نفذها ألكساندر لوكاشينكو في بيلاروس في أعقاب تزويره الانتخابات عام 2020 تنبيهاً جديداً، تماماً كما تسميمه البشع للمعارض أليكسي نافالني. ولكن في ذلك العام، باعت روسيا أوروبا 175 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.

يعود الفضل الأكبر في جمع البنك المركزي في عهد بوتين لمبلغ قياسي من احتياطي العملات الأجنبية يبلغ 630 مليار دولار إلى الجشع الغربي للتزوّد بالغاز الروسي. وعلى الرغم من تبعات جائحة “كوفيد-19″، حققت روسيا العام الماضي فائضاً بقيمة 120 مليار دولار في الميزان التجاري- وهو الأكبر على الإطلاق.

الصيف الماضي، أعلن بوتين عن مطالبة روسيا بأوكرانيا كما غيرها من الدول التابعة للاتحاد السوفياتي سابقاً ضمنياً، في مقال مختلّ [غريب وغير منطقي] ولكنه كان ينذر بالقادم من الأحداث، وكان على العالم أن يتنبّه إلى نواياه من خلاله. ولكن حتى عندها، لم يصدر عن القوى العالمية أي رد فعل على الإطلاق. ولكن يجدر القول من باب الإنصاف إن الرئيس الأوكراني نفسه فولوديمير زيلينسكي، قلّل من أهمية المقال.

ولكن في المقابل، يقول الخبراء إن حفنة المتنفذين المرتبطين بالكرملين فهموا الرسالة وأتيح لهم وقت كافٍ لكي يؤمّنوا على ثرواتهم التي جمعوها بطرق مشبوهة.

“تعلم هذه القلّة من الناس ما سيحدث منذ أشهر إن لم نقُل سنوات”، برأي مايكل أوكاين، خبير قانون العقوبات في مكتب محاماة “بيترز أند بيترز” في لندن.

“تتصاعد حدة التوتر منذ بعض الوقت. فلا بد من أنهم أخرجوا ما لديهم من أصول سائلة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا وأودعوها أماكن آمنة. ولا بد من أنهم أعادوا هيكلة أصولهم المؤسسية بحيث لا يعود من الواضح أنهم يملكونها. تأتي هذه العقوبات في مرحلة متأخرة جداً ولا بد من أن كثيراً منهم اتخذ بالفعل خطوات لحماية نفسه”.

سوف تعقّد العقوبات المقبلة على البنك المركزي الروسي قدرة موسكو على إنفاق نقودها. ولكن معظم العقوبات المفروضة لغاية الآن ركّزت على أصحاب الثروات الذين يُعتقد بأنهم استفادوا من الكارثة الأوكرانية. ووصف أوكاين هذه العقوبات بأنها تمارين “في الإشارات” [رمزية وشكلية] لن يكون لها أثر كبير في السياسة الروسية. “عندما يكتشفون أن أولادهم غير قادرين على ارتياد المدرسة في المملكة المتحدة، هل سيذهبون إلى بوتين ويقولون ‘عليك سحب قواتك لأن فلاد الصغير ليس قادراً على ارتياد إيتون’؟”.

وحتى الآن، لا يزال تدفق الغاز وبراميل النفط بانتظار التوقف، وتتردد بعض الدول مثل سويسرا، التي يقع فيها مقر خط أنابيب “نوردستريم” في الانضمام إلى فرض أي عقوبات.

بشكل عام، صمّم الغرب نظاماً عالمياً فاسداً يشعر فيه الرجال الأثرياء والنافذون مثل بوتين- الذي يُقال إنه أساساً من أصحاب المليارات- بأنهم قادرون على الإفلات من العقاب مهما فعلوا.

وفي بيان صادر عنه، شرح دانييل إريكسون، الرئيس التنفيذي لمنظمة الشفافية الدولية (Transparency International) غير الحكومية العاملة على مكافحة الفساد، “في نظام تغيب عنه ضوابط الرقابة والموازين، تتحلّى النخبة الروسية بالشجاعة لكي تتصرف بشكل يخالف القانون الدولي. أتاحت قوانين الحفاظ على السرية كما غياب الرقابة من السلطات، للنخبة الروسية أن تخفي ثرواتها وتموّل الفساد في موطنها وخارجه”.

في خطاباته وكتاباته، غالباً ما يصف بوتين الغرب بأنه جشع ومنحطّ لدرجة سوف تؤدي به في النهاية إلى تدمير نفسه من الداخل. ولو نظرنا إلى سلوك الغرب تجاه روسيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، من الصعب أن نخالفه الرأي.

© The Independent

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى