الحدث

إلى أين بعدَ الحريري؟

طوني عيسى-الجمهورية

هناك استنتاجات بالغة الأهمية تقود إليها المقاربة العِلمية لمسألة خروج الرئيس سعد الحريري من المعادلة السياسية، هو شخصياً وعائلته وتيار «المستقبل» وبيئته الحاضنة الممتدَّة على كامل الخريطة اللبنانية، ومعه أركان السُنَّة القريبون من الخطّ السعودي. فهو أحدث شغوراً هائلاً في طائفة لبنانية «تأسيسية»، هي الأكبر ديموغرافياً. ومعه شغور (جزئي ومرحلي على الأقل) في الحضور السعودي، والخليجي عموماً.

ليس انسحاب الحريري (وزوال الحريرية نهائياً ربما) مسألة بسيطة على المستوى الاستراتيجي في لبنان والشرق الأوسط. ويجدر التدقيق بإمعان في مشهدِ ما بعد الحريري والحريرية، لأنّه سينقل لبنان من مرحلة الثبات بمعنى التركيبة السياسية، إلى مرحلة دينامية جداً. وفي نتيجتها، ستتبلور صورة جديدة داخل الطائفة السنّية وفي البلد عموماً. ولكن، ليس معروفاً موعد ذلك.
إزاحة الحريري من التركيبة، والحريرية بحجمها الهائل، يمكن مقاربتها من خلال 3 قوانين علمية، ما يتيح استنتاجاً أقرب إلى الموضوعية:
أولاً: في قوانين الفيزياء، الطبيعة لا تقبل الفراغ. ولذلك، يمكن تسمية ما أحدثه الحريري شغوراً في المكان وليس فراغاً. وفي الطبيعة، عندما يشغر المكان يُملأ بأجسام أخرى. لذلك، إنّ الشغور الذي خلَّفه انسحاب الحريري سيُملأ بآخرين يتمتعون بالقوة وتسمح لهم الظروف الموضوعية بذلك. فمَن هم هؤلاء «الآخرون»؟

منطقياً، 3 قوى ستتصارع لملء الشغور، من داخل الطائفة وخارجها:
1- القوى المؤيّدة للنهج السعودي «أكثر» من الحريري.
2- خصوم السعودية من داخل الطائفة وخارجها، أي حلفاء إيران تحديداً.
3- «المتطرّفون» الذين يمكن أن يكونوا أيضاً أدوات يجري تحريكها سياسياً لمصلحة محور معيَّن، كما هم اليوم.

ولكن في موازاة الشغور الذي أحدثه خروج الحريري، هناك شغور أيضاً في الحضور السعودي والخليجي عموماً. فعلى رغم كل شيء، تبقى الحريرية هي التمثيل اللبناني للمرجعية السعودية، من المنشأ حتى اليوم. ولذلك، سيشتدّ النزاع بين المحورين الإقليميين السعودي والإيراني في لبنان، وسيبدأ في داخل الطائفة، لكنه سيتمدّد إلى خارجها، ما دام هذا الخارج ضالعاً أيضاً في النزاع.
وتقليدياً، بقيت المملكة العربية السعودية هي المرجعيةُ الدينية والسياسية في لبنان، ونافستها مصر جمال عبد الناصر في المرحلة التي سطع فيها نجمه، ثم منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات في مرحلة تالية، وفي ظلها اندلعت حرب 1975. ولكن، وطوال نصف القرن الماضي، بقيت السعودية مرجعيةً لمرجعياتِ الطائفة السياسية والدينية، تقريباً بلا منازع.
السعودية تشارك بقوة في اختيار رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومات في لبنان، وتزكية الزعامات داخل الطائفة السنّية وخارجها. وفيها، وفي الخليج العربي، يعيش مئات الآلاف من اللبنانيين. وهي أشرفت على كل التسويات منذ الحرب الأهلية حتى اليوم. والدستور الذي يحتكم إليه اللبنانيون صُنِع في المملكة.
عملياً، المملكة جزء من واقعه وتركيبته السياسية والاقتصادية والمجتمعية. وهذا الأمر سيظهر اليوم وكأنّه قيد المراجعة، وسيعُرف لاحقاً إذا كان سيبقى في حدوده وطبيعته أو سيزداد قوة أو يضعف.

ثانياً: في قوانين الفيزياء أيضاً، إنّ الأجسام التي ستملأ الشغور لا يمكن أن تُخلَق من عدم. وهذا ما تثبته مسلَّمة لافوازييه الشهيرة: «لا شيء يضيع، لا شيء يُخلق، كل شيء يتحوَّل».

هذا يعني أنّ النزاع الذي سيدور بين القوى السنّية وغير السنّية بعد خروج الحريري وانحلال الحرية سينتج منه مزيج من:
– الحالات القريبة من السعودية.
– الحالات القريبة من إيران.
– الحالات الغامضة، غير المحسوبة أو غير المنضبطة.

وسيدور نزاع بين هذه القوى للسيطرة، ولن ينتهي إلاً إذا توازنت القوى في «ستاتيكو» معيَّن. ولا يمكن توقّع كم سيستغرق ذلك.

ثالثاً، في قوانين الفيزياء وعِلم الاجتماع، إنّ التَغيُّر في جزءٍ من النظام الكُلّي (أي المجتمع) هو حتماً تغيُّرٌ في النظام الكلّي (أي المجتمع). فالعلاقة بين الجزء والكلّ عضوية وتفاعلية.

يعني ذلك، أنّ التغيُّر الذي تعرّضت له الساحة السنّية بخروج الحريري وانحلال الحريرية، هو في الوقت نفسه جزء من عملية تغيير كبرى تتمّ بالتأكيد على المستوى اللبناني. ولكن، في الوقت نفسه، سيتأثَّر النظام الكلّي بالخطوة التي أقدم عليها الحريري فتتسارع فيه التغييرات أيضاً.

في الخلاصة، هناك أمر بالغ الخطورة تعنيه هذه المقاربة:
لبنان مقبل على مرحلة نزاعيةٍ تبدأ بالدائرة السنّية، لكنها على الأرجح ستتمدَّد إلى الطوائف الأخرى. ما يعني أنّ تكرار مشهد السقوط في طوائف أخرى ليس مستبعداً، وإن بعناوين وأساليب مختلفة. وليس واضحاً إلى أي حدّ سيحافظ النزاع الداخلي الذي يحظى بتغطية إقليمية مكثّفة، على طابعه السلمي.

للتذكير، مؤسس الحريرية، الرئيس رفيق الحريري، هو الرمز الأبرز لانتهاء الحرب الأهلية. وهو والسعودية صنعا اتفاق الطائف بهدف إنهاء الحرب. وطوال الحرب، لم تصل الدولة اللبنانية إلى هذا المستوى من التفكّك والانحلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى