الحدث

غلطة “حكيم” متواصلة… في زمن العلاج الاقليمي

عباس ضاهر – خاص النشرة

عندما أقرّ الوزير السابق ​ملحم رياشي​ بأن حزب “القوات” هو من قطع الطرق خلال انتفاضة ١٧ تشرين الأوّل 2019، ثبّت حقيقة أن حزبه كان في صُلب “الثورة” التي قيل أن “القوات” كانت تسعى لتوجيه مساراتها بما يتلاءم مع مشروع الحزب السياسي، وانتقاماً من التيار “الوطني الحر” تحديداً، الذي غرق في مستنقع السلطة.

جاء الإعتراف الرسمي بالفعل “الثوري” بعد سنة ونصف السنة على “التخفّي القواتي” خلف مجموعات “الحراك المدني”. قبلها، كان يعتقد رئيس “القوات” ​سمير جعجع​ أنّ شباب “​المجتمع المدني​” هم الواجهة التي يستطيع من خلالها ليس ركب الموجة الثورية فحسب، بل استثمار نتائجها في خدمة مشروعه السياسي. هذا حقّه. لكن، لم تُثمر الخطة القواتية لا مسيحياً ولا وطنياً، فكرر “الحكيم” حصاد الخسارة التي تتضحّ حالياً بنجاح حزب “الكتائب” في المشاركة بقيادة “الحراك المدني” عبر الاعلامي ألبير كوستانيان، بينما بات حزب “القوات” خارج حسابات “المجتمع المدني” في الانتخابات الآتية بعد أشهر.

لم يكن رهان جعجع على قيادة “الحراك” آتياً من فراغ، فهو كان ينطلق من حقيقة سخط اللبنانيين على السلطة الحاكمة المُتهمة بالفساد، وإنسجاماً مع دعم دولي إحتشد في بدايات الحراك، قبل ان يضمحل بعد انقضاء سنة كاملة لم يستطع فيها الحراك تحقيق نتائج عملية في مواجهة المنظومة السياسية الحاكمة.

واظب “الحكيم” العمل في مسار المعارضة، والتخلّي عن دعم حلفائه الذين رفعوا من شأنه السياسي منذ عام ٢٠٠٥، وتحديداً تيار “المستقبل”. اذا كان جعجع يعاقب رئيس الحكومة السابق ​سعد الحريري​ على تحالفه مع التيار “الوطني الحر”، فهل إنّ “الشيخ سعد” هو من دفع أو شجّع “الحكيم” على عقد تفاهم معراب؟ لو أتمّ جعجع ورئيس التيار البرتقالي النائب ​جبران باسيل​ مسار “أوعا خيّك”، كما حال الوحدة السياسية بين “الثنائي الشيعي”، هل كان للحريري مكان بين ثنائي مسيحي؟ بالتأكيد لا. فليعترف “الحكيم” ان رهانه على حصد مكاسب من تفاهم معراب فشل، بغض النظر عمن يتحمّل المسؤولية في الخروج من الاتفاق المذكور.

تخلّى جعجع عن الحريري، ونجح بالقفز فوقه عربياً، لكن لم يُثمر رهان “الحكيم” داخلياً. اذا كان “الوطني الحر” مسنوداً ب​حزب الله​ الذي كان له الفضل بإيصال مؤسّسه الى رئاسة الجمهورية، فأي سند سياسي لجعجع في بلد طائفي لم تعد فيه الديمغرافيا تخدم مشروعه ولا موقعه؟.

سيواجه “الحكيم” حسابات طائفية وسياسية: لم تتحمّل طرابلس رفع صورته، ولم يقبل اصحاب الباصات فيها بنقل مناصريه نهار الاربعاء الى معراب، فكيف تتقبله الجماهير مقرراً لسياساتها؟ لا يتعلق الأمر “بالحكيم” ولا بالمسلمين السنّة، بل بنظام طائفي عفن سيء يمنع المواطنين بالفطرة من عبور حواجز الطوائف، فكيف اذا كان الأمر يتعلق بجعجع؟.

اذا تمّ إستحضار العوامل الاقليمية، فإن الأفق مسدود امام خطوات “القوات” في حال أكملت في مسارها السياسي الحالي: لا يمكن فصل لبنان عن محيط جغرافي تخرج فيه سوريا من دورة الأزمة في إنفتاح متبادل بينها وبين كل الدول العربية، ويبدأ فيه زمن المفاوضات النووية الاميركية-الايرانية بالتزامن مع خروج واشنطن من الاقليم وتفرّغها لسباق مع الصين في مساحات الارض الاقتصادية الواسعة، واستعداد الاقليم لتسوية سياسية آتية، ولو بعد حين.

كان رهان جعجع خاطئاً ايضاً عندما اعتقد بإصطياد عصافير بحجر واحد في الطيونة، على الأقل من خلال توصيفه الحادثة بأنها “ميني ٧ آيار مسيحي”: تجييش المسيحيين خلفه قبل ​الانتخابات النيابية​، سحب البساط المسيحي من تحت خصومه “الوطني الحر” و”المردة”، ارباك الجيش وإجهاض الدعم الوطني العام لقائده العماد جوزف عون الذي يلقى رضى داخليا ودعماً دولياً.

واذا صحّ الكلام عن تمويل حصل لحملة “الحكيم” الانتخابية من طرف ما، وهو المكسب الوحيد له حالياً، فإن غلطة “الحكيم” متواصلة في زمن التحضير للعلاج السياسي الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى