ٍَالرئيسيةتحقيقات - ملفات

يجب تعميق سياسة الغموض


هآرتس

إيهود أولمرت – رئيس حكومة سابق

سياسة الغموض التي انتهجتها حكومات إسرائيل منذ الستينيات حتى اليوم لم تضلل أبداً أعداءنا، ولا المتربصين بنا، ولا العديد من أصدقائنا الذين تعاملوا بتسامح، وفي أحيان كثيرة بالغمز مع التصريح التقليدي: “إسرائيل لن تكون الدولة الأولى التي تُدخل سلاحاً نووياً إلى الشرق الأوسط”.

في العالم الدبلوماسي شكلت هذه الصيغة الإسرائيلية نوعاً من تسوية وصلت إليها حكومات إسرائيل، في الأساس مع الولايات المتحدة. الهدف من هذه التسوية كان وضع علامات تعجُّب إلى جانب علامة استفهام على الحديث الدبلوماسي الدولي. علامة التعجب كانت مريحة لأنها قادرة على إنقاذ إسرائيل من رفضها توقيع معاهدة وقف انتشار السلاح النووي من دون أن تكون موضع جدل وإدانة من طرف العديد من الدول في العالم التي ليست كلها عدوة لنا. علامة الاستفهام أبقت الشك في أن هناك ما هو أكثر تعقيداً وخطورة وتهديداً بكثير وأخفته إسرائيل عن قصد.

هامش عدم اليقين بين علامة التعجب وعلامة الاستفهام كانتا مصدراً لعدد لا ينتهي من الأساطير بشأن القوة النووية الإسرائيلية، وعدد لا يُحصى من تكذيبات ناطقين رسميين إسرائيليين على مر الأعوام. هذا الهامش مريح ومفيد لإسرائيل ويجب مواصلته.

حان الوقت لكي نتوقف عن خداع أنفسنا. بالنسبة إلى إيران، وليست وحدها فقط، إسرائيل هي قوة نووية عظمى بحجم فرنسا وبريطانيا، وربما أكبر منهما. التكذيبات الإسرائيلية، أو ما يسميه رئيس تحرير “هآرتس” ألوف بن “هامش الغموض” [راجع ترجمة المقال في عدد النشرة الصادر في 23/9]، لا تؤثر في آيات الله في طهران. فهؤلاء مقتنعون بأن في إمكان إسرائيل استخدام قوة نووية بأحجام تزعزع العالم كله وليس الشرق الأوسط فقط.

من أسباب امتناع إيران رسمياً من إعلان نيتها إنتاج قدرة نووية هو هامش الغموض هذا، الذي حافظنا عليه طوال 60 عاماً. في اليوم الذي تقلِّص فيه إسرائيل هامش الغموض، في استطاعة إيران أن تعلن رسمياً التالي: إذا كان مسموحاً لإسرائيل امتلاك سلاح نووي لماذا هو ممنوع علينا؟

في الحقيقة، موضوع النقاش هنا ليس الحقائق الدقيقة، والمطروح ليس ما هي القدرات الحقيقية لإسرائيل، وهل يمثل الإعلان الرسمي لحكوماتنا الواقع كما هو؟ وهل تملك إسرائيل قوة نووية حقيقية أم تملك فقط إمكانية إنتاج كهذه؟ (لا جدال في شأن القدرة التكنولوجية لدولة إسرائيل. ما من إنسان عاقل هنا، وفي أي مكان في العالم يدّعي أن إسرائيل غير قادرة على إنتاج قنبلة نووية متى أرادت ذلك. موضوع الجدل هو: هل حققت إسرائيل هذه القدرة أم أنها تمسكت بتصريحاتها بأنها لن تكون الدولة الأولى التي تفعل ذلك في الشرق الأوسط).

ماذا يعني تآكل الغموض الذي تحدث عنه ألوف بن؟ المغزى الوحيد لذلك هو أن لدى إسرائيل قدرة نووية. إذا كان تآكُل الغموض بات حقيقة قائمة، فما الجديد في ذلك بالنسبة إلى الإيرانيين وكثيرين غيرهم ممن يعتبرون إسرائيل قوة نووية ذات أحجام عالمية منذ أعوام. بالنسبة إليهم، تآكُل الغموض يعني فقط دليلاً قاطعاً على أن إسرائيل تمارس سياسة مزدوجة. وبينما هي تحرض العالم كله على سلوك إيران، على الرغم من تكذيب إيران أن لديها مشروعاً نووياً عسكرياً، فإن إسرائيل نفسها على ما يبدو تملك سلاحاً نووياً. وإذا كان هذا صحيحاً، فستقول إيران: لماذا مسموح لإسرائيل، الدولة التي تعتبرها محتلة، وممنوع على إيران التي تعتبرها إسرائيل عدوة لها؟

… من الواضح أن سياسة حكومة نتنياهو والتعاون المدمر بين نتنياهو ودونالد ترامب سرّع في إنتاج إيران اليورانيوم المخصّب. ليس هذا فقط، فقد قلص نتنياهو وترامب هامش التعاون الدولي في السعي للجم التقدم الإيراني. قبل أعوام من ذلك كانت روسيا والصين والدول الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، أكثر إصراراً على التعاون فيما بينها، الأمر الذي أدى إلى صدور عدد من قرارات مجلس الأمن بفرض عقوبات اقتصادية ضد إيران، بالإضافة إلى مساعٍ أُخرى قامت بها الولايات المتحدة. حتى روسيا عرقلت تزويد إيران بالوقود النووي من أجل المفاعل المدني في مدينة بوشهر فترة من الزمن.

هذه الحقائق كانت معروفة من طرف السياسيين في حكومة إسرائيل بدءاً من سنة 2009، لكن إسرائيل اختارت انتهاج سياسة استفزازية أدت إلى مواجهة لا لزوم لها مع إدارة الرئيس باراك أوباما، ودفعته في نهاية المطاف إلى جر شركائه في الغرب مع روسيا والصين إلى توقيع الاتفاق مع إيران. هذا الاتفاق، كما قلت في الماضي، هو اتفاق ناقص وفيه نقاط ضعف غير قليلة، وكان في الإمكان التوصل إلى اتفاق أفضل منه بكثير وأكثر موثوقية وثباتاً، لكن هذا الاتفاق هو أفضل بكثير من عدم وجود اتفاق، ولاحقاً من السياسة الإسرائيلية التي هددت بإشعال مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وإيران.

بعد كل ما قيل يجب الاعتراف بأن التسريع في تخصيب اليورانيوم سيؤدي حتماً إلى وصول إيران إلى عتبة النووي. من الأفضل التقليل من هلع لا مبرر له. في كل الأوقات كان في إمكان إيران إنتاج يورانيوم خلال أشهر معدودة وبكميات تقربها من الكميات المحددة التي تقربها من العتبة. لذلك السؤال مجدداً ليس ماذا يقرّب إيران من العتبة. كميات اليورانيوم حيوية عندما تتوفر شروط إضافية ليست متوفرة اليوم لإيران.

رئيس الحكومة ووزير الدفاع السابق إيهود باراك قال مؤخراً إن إسرائيل ليس لديها خيار عسكري تقليدي للقضاء على مكونات التهديد النووي الإيراني. وأنا أوافقه على ذلك. هذا ما اعتقدته قبل أعوام عندما كان باراك عضواً في حكومة وتحدث بصورة مختلفة. وجهة نظر باراك مهمة لأنه من دون شك يفهم في الموضوع. بين قدرة إسرائيل الحقيقية على القضاء على المشروع النووي الإيراني قضاء مطلقاً كما فعلنا في العراق وسورية، وبين محاولة الاستعداد لمواجهة عسكرية شاملة لا يمكن أن نعرف كيف ستنتهي، هناك مجال لمعركة معقدة ومتنوعة من العمليات التي تستطيع زعزعة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لإيران.

هذه المعركة تتطلب تعاوناً وثقة وضبطاً للنفس من جانب إسرائيل، وتعاوناً وتنسيقاً قبل كل شيء مع الولايات المتحدة…

يجب العودة إلى نموذج من التعاون الذي يعتمد على منظومة عملانية مركزة تعتمد على عقوبات اقتصادية أكثر صرامة بكثير من التي اتُّخذت في الماضي، وضرب البنى التحتية العسكرية الاستخباراتية بطرق بعيدة عن أنظار وآذان المجتمع الدولي، بالإضافة إلى خطوات أُخرى تساهم في زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي في إيران.

هذه خطة عمل مزدحمة وصعبة ومحفوفة بالمخاطر، لكنها خطة ممكنة. لا نحتاج إلى تآكل الغموض، بل نحتاج إلى نضال جريء وشجاع وسرّي ومسؤول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى