ٍَالرئيسية

نصرالله إنتحارياً في اليرزة

“ليبانون ديبايت” – عبدالله قمح

في الشكل، أنصَف الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصرالله الجيش. أسقطَ في خطابه الأخير تهمة “الأمرَكة” عن المؤسّسة العسكرية، ولو أن الجزء اليسير من المساعدات يأتي من “العم سام”، وأعادَ التشديد على عوامل الثقة المتنامية بين الجيش والمقاومة. لكن في المضمون لا زال البعض من أبناء “العشيرة” يمارسون مختلف صنوف التقريع بحق الجيش!

من الواضح أن الجيش اللبناني قد دخل وبالفعل منعطف الإستهداف. ما حدث يوم أمس في بعض المناطق الشمالية يدعو إلى الشك، طالما أن “انفلاش” حالات “العَوَز” وتحوّلها إلى “تعابير إنفعالية” في الشارع، قد “دشّنت” بصيغتها المنقّحة وعلى نحوٍ عنيف في أعقاب انعقاد المجلس الأعلى للدفاع في قصر بعبدا، وهذا ليس تفصيلاً في ظل ما خلص إليه من قرارات بـ”وأد” حالة التخريب المتنامية في الشوارع بناءً على تقارير اخرجت من الشِنط ووضعت على الطاولة. يحدث ذلك وسط بروز “مشجّعين ومستثمرين” في “زلق” المواجهة إلى حدود “جيش مقابل شعب”.

دعك من تهاوي قيمة الرواتب وإصرار “الجماعة السياسية” على أسر الترقيات وتحويل العسكري إلى “شبه متسوّل” لدى “دولة عليّة” بالإحتكارات تزهق حقه. الموضوع بات أعمق، ويتصل بتوزيع مهام تطال الجيش في شخصه ومناقبيته، وليس تناقل المشاهد المصوّرة لضباط وعسكريين “يشحطون” سياراتهم في الطرقات ويطوفون سعياً وراء “علبة حليب” أو “كيس رز”، أو التحريض على العسكر بوصفه إما داعماً ومدافعاً عن الطبقة السياسية، أو متعرّضاً عن قصد للنازحين السوريين، ولعلّ أبشع صنوف التحريض، هو الزعم بأن العسكر يغريه التسلّل على سلّم القيادة السياسية “منيشناً” على مواقع “من فوق”، إلاّ ضرباً “مبتكراً” لصورة الجيش.

في الواقع، يتمادى الطرف الأميركي في محاولة الإستثمار لدى الجيش، وما يرخي عنه ذلك من عوامل سلبية. يعتقد الأميركيون أن ثمة “صفاً من الضباط” والعسكريين يوالي الغرب “كلاسيكياً” إلى درجة العشق، وهؤلاء يمكن الإستثمار بهم لاحقاً في زرع عوامل “الفوضى” داخل المؤسّسة العسكرية، أو نقلهم على “جناح الفوضى” نحو الحظي بمواقع سواء سياسية أو عسكرية. في المقابل، هناك طرف يُصنّف منطقياً ويقع ضمن خانة “زِرّ الأمان”، ووجوده ضمن الجيش وبكافة مستوياته، من القاعدة وطلوع، يُعدّ عاملاً ضامناً لعدم “انشطاح” من يهوى الغرب إلى أماكن بعيدة، وعملياً يجسّد هؤلاء حالة طمأنينة لدى المؤسّسة و”عناصر تهذيب” لغيرهم، وبالفعل يمثلون الغالبية المطلقة، أو النواة الصلبة التي تدفع بالجيش إلى الثبات على مواقفه والحدّ من تأثيرهم.

ولم يعد سراً أن الرهان الأميركي يصطدم بحضور تلك العوامل. الأميركيون في سرّهم يدركون أن الجيش، ومهما “شطح” في العلاقة مع واشنطن، فإنه يبقى حافظاً لخط العودة، ودائماً ما صدر عن كبار الضباط في الجيش مواقف، للأميركيين ولغيرهم، بأن الجيش اللبناني يحفظ السلم الأهلي عن ظهر قلب ويمثل بالنسبة إليه خطاً أحمراً. ما يعنيه ذلك، أن المؤسّسة العسكرية ليست في صدد تأمين “تلزيمات” على نطاق عسكري لصالح أي دولة لقاء مساعدات أو إغراءات تقدم اليه.

ودائماً ما يشدّد الجيش على قاعدة الاستقلالية. يرحب بأي جهة تقدم المساعدة، العينية والعسكرية، متى كان محتاجاً إليها، لكن ذلك يتم وبشكل غير مشروط بتاتاً، ومن يتملك شروطاً ويريد إسقاطها على الجيش، فبإمكانه الاحتفاظ بها لنفسه، ولتتوقف المساعدات ونقطة على أول السطر!

في الواقع، يُدرك الأميركيون ذلك جيداً، ومن هنا كان دائماً ما يثير أعضاء في الكونغرس أو آخرين “مستقبل” الدعم المالي والتقني الذي تقدمه الولايات المتحدة لصالح الجيش اللبناني. هؤلاء يستقرّون عند نظرية أن المؤسسة العسكرية اللبنانية لا تستثمر المساعدات التي تأتيها من واشنطن للحدّ من نفوذ حزب الله، إنما البعض منهم لديه قراءة بأن تلك المساعدات تزيد عملياً من نسبة “التصاق” المقاومة بالجيش! وبهذا المعنى لا تخدم الإستراتيجية المستقبلية الأميركية، ويجب وقفها. صحيح أن الإدارة الأميركية تعي إلى حدٍ ما حقيقة “جزء” من ذلك، لكنها، وفي الواقع، ما برحت تراهن على تعديل “المزاج العام” لدى الجيش، أو الوصول إلى نقطة تحوّل مفترضة عبر اعتماد سياسة “المراهنة”، على قاعدة أن الجيش شريك أساسي للولايات المتحدة الأميركية.

كل ذلك، لا يخفى عن قيادة “حزب الله”، التي تعي مدى دقة وحيوية الرهانات الأميركية. ويسجل هنا للسيد نصرالله أنه انبرى، وللمرة الأولى، للدفاع عن الجيش أمام بيئته ما حوّله انتحارياً بنظر كثيرين، لأن اللغة المحكية ضد المؤسّسة العسكرية، والمتنامية لدى بيئة المقاومة تُعد أقوى وأشد، وربما بلغ إلى نصرالله ما يُحاك للبيئة، فقرّر اللجوء إلى “العلاجات” السريعة والفورية، لوضع حدّ لمحاولات التسلل اليها ووضعها في خانة المواجهة مع العسكر، مع ما يعنيه ذلك من صور وسيناريوهات سوداء “مطلوبة غربياً”.

عند هذا الأساس، انبرت سواء قيادة المقاومة أو نصرالله شخصياً، للوقوف في خانة مقابلة للأهداف الاميركية، وهذا إنمّا ولّد قاعدة مفادها أن زيادة الدعم الأميركي للجيش يعني مزيداً من الإلتصاق بالمؤسّسة من قبل الحزب وبيئته، وامتداداً نحو رفع مستوى التنسيق بين الحزب والمؤسّسة العسكرية. وليس سراً أن الحزب قرّر الإنتقال من اللقاءات غير المعلنة مع قيادة الجيش إلى أخرى معلنة دشّنها رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد في اليرزة قبل أيام.

عملياً، يلاحظ “حزب الله” محاولة “التلاعب” الأميركية، إنما يعتقد أن تلك المحاولات “المدروسة” تمثل استراتيجية مستقبلية لدى الولايات المتحدة، وآخرون يعتقدون أن ثمة “فصيلة” لا هدف لديها سوى وضع الجيش بمواجهة الناس عبر تعزيز عوامل “التحريض” ضده من زاوية “الحاجة والعوز” و “غضب الجيّاع” وما قد يحمله ذلك من نزعات فردية أو ارتماء في أحضان “استثمارية”، وهو ما قد يأخذ أي أحد إلى مكانٍ آخر، ولذلك ،خرج السيد نصرالله معمّماً مآثر العلاقة مع اليرزة، ومحذراً من “الدسّ” الأميركي الرخيص. لكن ماذا عن الدسّ الصحفي المدروس، والذي يأتي متناغماً ـ ولو من دون تنسيق – مع الأهداف الأميركية طويلة الأمد ؟

في الواقع، يتنصّل حزب الله دائماً من تهمة الضلوع في بعث “رسائل تحذيرية” للجيش عبر وسائل الإعلام. وعملاً بالقاعدة نفسها، يفضّل عدم “مجاراة الإعلام” أو مناقشته في تلك الخيارات.. لكن الآن، فإن البعض يرى أن الوضع اختلف والمعايير قد اختلفت، و “صك البراءة” الذي قدّمه نصرالله بما يحمله من صفات لا بد أنه يعيد تصويب الأمور وينزع “أي قيمة” عن المتسلّلين (عبر الحبر المسال) إلى البيئة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى