الحدث

الحكومة “مغيَّبة”.. والسلطة تغرّد في وادٍ آخر: لا لقطع الطرقات!


خاص “لبنان 24”

مرّة أخرى، اختارت السلطة، ممثَّلةً بالمجلس الأعلى للدفاع، الذي باتت اجتماعاته في قصر بعبدا دوريّة، وبمثابة “بدل عن ضائع” هو الحكومة، القفز إلى الأمام، من خلال التلويح بالورقة الأمنية، وتصوير “قطع الطرقات” وكأنّه “مصيبة المصائب” التي تهدّد السلم الأهلي والاستقرار، وينذر بفوضى لن تقوم بعدها قيامة.

على الأقلّ، هذا ما ظهر في الاجتماع الذي عقده المجلس بالأمس، وتناغمت فيه كلمتا رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، جنبًا إلى جنب مع المقرّرات “الاستثنائية” التي صدرت عنه، فالرئيس عون حذر من الفوضى وأعمال الشغب، ودعا القوى الأمنية إلى الحفاظ على الاستقرار العام وحماية المصالح العامة والخاصة.

أما الرئيس دياب فبعدما “تفهّم” معاناة المواطنين والضغوط التي يتعرّضون لها، أشار إلى أنّ قطع الطرقات لا يعبّر عن الناس بل يحصل ضد الناس، وأنّ الفوضى وتكسير السيارات والاعتداء على الجيش ليس تعبيرًا عن صعوبة الأوضاع بل يضيّع حق الناس وصرخة الناس، ليخلص بعد كلّ ما سبق إلى أنّ ما يحصل هو ضد الناس أنفسهم.
الرئيس عون خلال الاجتماع الامني في بعبدا: التدقيق الجنائي يعيد حقوق المواطنين
الاعلى للدفاع بحث في الأوضاع الامنية وهذه ابرز مقرراته.. فهل من حلول؟

مشكلة في “العقليّة”

هي باختصار مشكلة في “العقليّة” عبّر عنها اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، الذي تمثّلت “أهمّ” مقرّراته بدعوة الأجهزة العسكرية والأمنية إلى الإبقاء على الجهوزية اللازمة لعدم السماح لبعض المخلّين بالأمن، زعزعة الوضع الأمني بسبب الأوضاع المالية والاقتصادية والمعيشية، خصوصًا في ما يتعلق بإقفال الطرق العامة أو التعدي على الأملاك العامة والخاصة.

قد يكون في ما تحذّر منه السلطة جانب من الصواب، باعتبار أنّ القضايا الاجتماعية والمعيشية لطالما شكّلت “البيئة الخصبة” لما يوصف بـ”الطابور الخامس” للتسلّل، وتعميم الفوضى. لكن حين يصبح “فرض الأمن” هو “الحلّ” الوحيد الذي تحاول السلطة بسطه في مواجهة الأزمات المتفاقمة، وكأنّ المشكلة هي في الاحتجاج، أي احتجاج، متى خرج عن “سلميّة” تجمّع محدود ورفع شعارات بسيطة، يصبح الأمر أكثر من “نافر”.

هكذا، تحدّث المجتمعون في قصر بعبدا بالأمس عن صيف “واعِد” يراهنون عليه، مصوّبين على “قطّاع الطرق”، وكأنّهم “المتآمرون” على الموسم السياحيّ، في “سرياليّة” لا تمتّ إلى الواقع أو المنطق بصِلة، علمًا أنّ مقوّمات مثل هذا الموسم مفقودة، على وقع مسلسل “الذلّ” الذي يتخبط خلفه اللبنانيون، والذي لم “يستنفر” المجلس الأعلى للدفاع للاجتماع لوضع حدّ له، كما فعلت تحرّكات احتجاجيّة لا تزال عفويّة ومتواضعة، بل خجولة.

وصفة “الاستقرار” المثاليّة

تخشى السلطة إذًا من “اهتزاز” الموسم السياحيّ “المهتزّ” أصلاً، إن وُجِد له أثر، وتخاف من تحرّكات مواطنين قد يكون بعضهم وجد في قطع الطرقات “فشّة خلق” لهم، في ظلّ انقطاع كلّ مقتضيات الحياة الكريمة، من الكهرباء إلى المياه مرورًا بالمحروقات، وحتّى الأدوية، وبعدما حُرموا من مدّخراتهم، ولم تعد رواتبهم بالليرة اللبنانية تكفيهم للحصول على قوت يومهم.

وجدت السلطة أنّ الحلّ يكون بالضرب بيد من حديد، وفرض الأمن عبر منع قطع الطرق، باعتبار ذلك “وصفة الاستقرار” الذي لا بدّ منه، استقرارٌ يدرك القاصي والداني أنّ طابعه سياسيّ قبل كلّ شيء، وأنّ مقوّماته يجب أن تنطلق من قلب الطبقة الحاكمة، قبل الشعب، وهي الطبقة نفسها التي لا تزال منذ عشرة أشهر عاجزة عن إنتاج حكومة، بمُعزَلٍ عن شكلها، بسبب “تناتش” حصصها فيما بين مكوّناتها، وكأنّ البلاد بألف خير.

لذلك، فقد يكون من الأنسب على هذه السلطة أن تبحث في كيفية تنحية هذه الخلافات جانبًا، وتقديم كلّ التضحيات اللازمة، لتأليف الحكومة اليوم قبل الغد، من دون حسابات سياسية أو شعبوية أو انتخابيّة، لأنّ مثل هذه الحكومة التي ينبغي أن تتصدّى للإصلاحات، من شأنها وحدها أن تشكّل “الوصفة المثاليّة” للاستقرار، وإلا فإنّ كلّ الحلول لن تكون أكثر من “ترقيعيّة”، سواء جاءت بالترغيب أو الترهيب، أو ما بينهما.

صحيح أنّ رئيس الجمهورية قال إنّ “إذلال المواطنين مرفوض”، رغم أنّ هذا “الإذلال” أضحى من سمات الحياة اليوميّة، لكنّ “الحِدّة” في خطابه وسواه من المجتمعين لم يُرصَد سوى في ما يرتبط بـ”قطع الطرق”. وحتى لو كان المواطنون أنفسهم هم المتضرّرين من قطع الطريق، فإنّ لسان حالهم يبقى أنّ الأخير “أهْوَن” من كلّ “مصائب” السلطة، لأنّ المطلوب معالجة الفِعل لا ردّ الفعل أولاً، وبعدها لكلّ حادث حديث!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى