تحقيقات - ملفات

اختتام قمة بوتين وبايدن في جنيف: الاستقرار الاستراتيجي أولاً

رامي القليوبي-العربي الجديد

على الرغم من تطرق أول قمة للرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين، والأميركي جو بايدن، في جنيف، لِطَيف واسع من الملفات، إلا أنّ البيان الختامي المشترك لم يتناول سوى قضايا الرقابة على الأسلحة الاستراتيجية والحد من مخاطر نشوب نزاع نووي.

ولفت بوتين وبايدن، في بيانهما، إلى أنّ روسيا والولايات المتحدة، حتى في سنوات التوتر، أظهرتا قدرتهما على تحقيق أهداف مشتركة لضمان الاستقرار الاستراتيجي.

وجاء في نص البيان الذي نُشر على الموقع الرسمي للكرملين، مساء أمس الأربعاء: “يدل التمديد الأخير لمعاهدة الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (“ستارت-3”) على انحيازنا للرقابة على الأسلحة النووية”، مؤكداً انحياز موسكو لمبدأ عدم نشوب حرب نووية.

وأضاف الرئيسان أنه من أجل ذلك تعتزم روسيا والولايات المتحدة بدء “الحوار الثنائي الشامل حول الاستقرار الاستراتيجي الذي سيكون موضوعياً ومكثفاً”.

وانعقدت القمة الروسية الأميركية التي دعا إليها بايدن بفيلا “لا غرانج” التاريخية في جنيف، حيث اتفق الجانبان مسبقاً على عدم توقيع أيّ وثائق في ختامها، وعقد مؤتمرين صحافيين منفصلين.

وأوضح بوتين، في ختام المحادثات، أنها تناولت طيفاً واسعاً من القضايا، وأسفرت عن الاتفاق على بدء العمل على العديد من الاتجاهات.

واتفقت روسيا والولايات المتحدة على عودة سفيريهما إلى موسكو وواشنطن، وجرى التطرق إلى مصير الروس المعتقلين في السجون الأميركية، والأميركيين في روسيا، إضافة إلى استثمار منطقة القطب الشمالي ومشكلة عسكرتها، والهجمات الإلكترونية ومنعها، وكذا حقوق الإنسان وملاحقة المعارضة في روسيا، وكذلك أيضاً “الخطوط الحمر” التي اعتبر بوتين أنّ وقت المحادثة لم يكن كافياً لمناقشتها التفصيلية، مشيراً إلى أنّ هذه المسائل ستجري تسويتها في إطار المحادثات اللاحقة.

والجدير بالذكر أنّ السفير الروسي في واشنطن، أناتولي أنطونوف، عاد إلى موسكو للتشاور في مارس/ آذار الماضي بعد خروج بايدن عن المألوف ووصفه في مقابلة تلفزيونية بوتين بأنّه “قاتل”، بينما غادر السفير الأميركي لدى روسيا، جون ساليفان، موسكو، بعد مرور نحو شهر على ذلك في إبريل/ نيسان الماضي.

وتطرقت المحادثات أيضاً إلى الملف الأوكراني، إذ أكد بوتين أنّ روسيا يقع على عاتقها التزام واحد فقط، وهو الوفاء باتفاقات مينسك للتسوية الأوكرانية، قائلاً في مؤتمره الصحافي: “في ما يتعلق بالالتزامات بشأن أوكرانيا: لدينا التزام واحد فقط، وهو الإسهام في تحقيق اتفاقات مينسك إذا كان الجانب الأوكراني مستعد لذلك، فنحن سنمضي بلا شك على هذا الطريق”.

لا ذكر لاسم نافالني

عند تناوله الشأن الداخلي الروسي، أعرب بوتين عن قناعته بأنّ المعارض الروسي المعتقل، مؤسس “صندوق مكافحة الفساد”، أليكسي نافالني، كان ينتهك قوانين روسيا الاتحادية، وبعد تلقيه العلاج بالخارج، “عاد إلى روسيا واعياً وعالماً بأنه سيعتقل على أراضيها”، على حد قول بوتين.

وفي معرض إجابته عن سؤال صحافي أميركي حول إدانة نافالني وتحويل الحكم الصادر بحقه مع وقف التنفيذ إلى السجن النافذ، قال بوتين: “في ما يتعلق بمعارضتنا غير النظامية والمواطن الذي ذكرتموه، فهذا الشخص كان يعلم أنه ينتهك القانون الساري في روسيا، إذ كان يتعين عليه أن يسجل نفسه (بانتظام) بصفته شخصاً مداناً بالسجن مع وقف التنفيذ مرتين، وأشدد على أنه كان ينتهك عن وعي هذا الشرط للقانون، وسافر هذا السيد إلى الخارج للعلاج”.

ولفت إلى أنّ جهات السلطات لم تطالب نافالني بتسجيل نفسه، حين كان موجوداً في المستشفى، لكنه أشار إلى أنّ هذا الطلب نشأ بمجرد خروجه من المستشفى، إلا أنه لم يحضر ونشر مقاطع فيديو على الإنترنت، متجاهلاً مطلب القانون، وعليه إدراج على قائمة المطلوبين. وتابع قائلاً: “حضر (نافالني) وهو يعلم بذلك، متقصداً على وعي أن يجري توقيفه (..) فعل ما أراد، فماذا يمكن أن نتحدث عنه هنا؟”.

ومن اللافت أن بوتين يتجنب ذكر اسم نافالني في حواراته ومؤتمراته الصحافية، ناعتاً إياه بـ”شخصية” تارة أو “مواطن” أو “سيد” تارة أخرى، ما يزيد من التكهنات بإصرار الكرملين على عدم الاعتراف به كشخصية مؤثرة في المشهد السياسي الروسي.

يذكر أنّ نافالني واجه تضييقاً غير مسبوق منذ انتهاء رحلة العلاج من التسميم بغاز أعصاب في ألمانيا وعودته إلى روسيا في يناير/ كانون الثاني الماضي، إذ حُوِّل حكم السجن الصادر بحقه مع وقف التنفيذ في قضية “الاختلاس” بشركة “إيف روشيه” إلى السجن النافذ بذريعة خرقه شروط إطلاق سراحه.

وبعد تغييب نافالني بشخصه عن الساحة السياسية، أصدرت محكمة مدينة موسكو، في منتصف الأسبوع الماضي، قراراً بتصنيف “صندوق مكافحة الفساد” ومقارّ نافالني كمنظمات “متطرفة” وحظر أنشطتها.

ووصف الرئيس الروسي اللقاء الأول مع نظيره الأميركي بأنّه كان “بنّاءً”، واصفاً بايدن بأنّه “مختلف عن سلفه دونالد ترامب”، وأنه “شخصية ذات خبرة”، مشيراً إلى أنّ هناك “بريقاً من الثقة” ساد اللقاء.

وقال بوتين، رداً على سؤال عن وصف بايدن السابق له بـ”القاتل”، إنّ “الرئيس الأميركي حايد عن الإجابة عن هذا السؤال، لكننا نشهد كل يوم عمليات قتل بالأسلحة في الولايات المتحدة”.

وقال الرئيس الروسي: “بايدن لم يدعني إلى زيارة الولايات المتحدة، وأنا كذلك لم أطرح دعوة مماثلة، لكن أي لقاء يجب أن يخرج بثمار ما”.

مقارنات “سخيفة”

من جهته، تحدث بايدن، خلال مؤتمره الصحافي، عن لغة “إيجابية”. وفي قطيعة واضحة مع أسلوب سلفه الجمهوري دونالد ترامب، أكد بايدن أنه حذر بوضوح سيّد الكرملين النافذ، ولا سيما بشأن الهجمات الإلكترونية. واتفق الرئيسان على إجراء حوار في “الأمن الإلكتروني”، أحد الملفات الخلافية الرئيسة بين البلدين.

وأعلن بايدن أنه سلّم نظيره قائمة من 16 “بنية تحتية حيوية” (الطاقة، وإمدادات المياه، وغيرها) التي “لا يمكن المساس بها”، وفق ما نقلته “فرانس برس”. وقال: “أوضحت أننا لن نتسامح مع محاولات انتهاك سيادتنا الديمقراطية أو زعزعة انتخاباتنا الديموقراطية وسنردّ”.

ولدى سؤاله مع انتهاء مؤتمره الصحافي حول الأسباب التي تدفعه إلى الاعتقاد بأنّ بوتين سيغيّر سلوكه، قال إنّه لم يلمّح قَطّ إلى أمر كهذا.

وأعرب بايدن عن ثقته بأنّ نظيره الروسي لا يريد حرباً باردة جديدة. وقال: “أعتقد أنّ آخر شيء يريده الآن هو حرب باردة”.

وفي ملف آخر، اعتبر بايدن أنّ نظيره الروسي أجرى مقارنات “سخيفة” حول حقوق الإنسان. فردّاً على تصريحات أدلى بها بوتين حول اقتحام مبنى الكابيتول في يناير/كانون الثاني، قال بايدن إنّ نظيره الروسي أجرى مقارنة خاطئة بين هجوم “مجرمين” على مبنى الكابيتول وبين التظاهرات السلمية في روسيا لأناس حُرموا حرية التعبير.

وكان الرئيس الأميركي قد حذّر خلال الأسبوع من أنّ وفاة نافالني في السجن “لن تؤدي إلا إلى تدهور العلاقات مع العالم. ومعي”.

“قوتان عظميان”

وكان جو بايدن قد اقترح في بداية المباحثات على نظيره الروسي علاقات “يمكن التنبؤ بها” أكثر بين الولايات المتحدة وروسيا، معتقداً أنّ “قوتين عظميين” يجب أن تديرا خلافاتهما بطريقة “عقلانية”.

وانتهت القمة الأولى بين الرجلين أبكر قليلاً مما كان متوقعاً، عند الساعة 17,05 بتوقيت جنيف (15,05 بتوقيت غرينتش).

وعكس وصف بايدن لروسيا بأنّها “قوة عظمى” تبايناً مع الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما الذي وصفها بأنّها “قوة إقليمية”.

وعوّل الرئيس الروسي على خبرته الطويلة، إذ إنّه عاصر أربعة رؤساء أميركيين آخرين منذ وصوله إلى السلطة في نهاية 1999. ويتفق خبراء على أنه قد حقق مبتغاه، إذ إن عقد القمة دليل على أهمية روسيا على الساحة العالمية.

ورأى عضو مجلس الشيوخ الجمهوري ليندسي غراهام إنّ تصريحات الرئيس الأميركي “مثيرة للقلق”. وكتب على “تويتر”: “أعتقد أنّ الرئيس بايدن أساء تقدير مع مَن يتعامل”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى