الحدث

انتفاضة القدس في النقاش اللبناني: “جيوبوليتيك” النظرة إلى الفلسطينيين

تحول في نظرة الأجيال اللبنانية الشابة تجاه القضية الفلسطينية (Getty)
نبيل الخوري|المدن

كل حدث بات يتحول إلى حدثين أو أكثر، مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعية واعتيادية استخدامها من العامّة: حدث ميداني فعلي وحدث رقمي. هذا هو حال التطورات في حي الشيخ جراح في القدس، حيث يتعرض سكانه لحملة ترحيل، بل تطهير عرقي من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

منصات التضامن واللاتضامن
في الميدان، ثمة انتفاضة ومواجهات شعبية، امتدت لتشمل ما يسمى بـ”فلسطينيي الداخل”. ثمة أيضاً لجوء فلسطيني إلى خيار المواجهة المسلحة من قطاع غزة. أما على مواقع التواصل الاجتماعية، فهناك أكثر من مشهد وأكثر من حدث. طبعاً، لقد تحولت هذه المنصات الرقمية إلى أداة لحرب إعلامية، أحسن الجمهور العربي استخدامها. فميزان القوى في هذا الفضاء الرقمي يميل لصالحه. لم يعد بإمكان إسرائيل ارتكاب جرائم وانتهاك حقوق الإنسان والتنكيل بمتظاهرين سلميين، من دون فضح أفعالها أمام الرأي العام العالمي، بالصوت والصورة، بشكل سريع وفوري. لكن الحدث لم يعد محصوراً بهذه الحرب الإعلامية، خصوصاً في لبنان، حيث تحولت مواقع التواصل الاجتماعية إلى حيّز لنقاش بين جمهور لبناني منقسم. وهذا النقاش أو الصدام تحول بحد ذاته إلى حدث، يستحق المراقبة والتفكير.

إذا كان لا بد من الاختصار الشديد، يمكن القول إن الجمهور اللبناني منقسم بين متضامن وغير متضامن مع الفلسطينيين اليوم. لكن هناك عدم تجانس في صفوف كل من الجانبين. لا يمكن الحديث إذاً عن وحدة المتضامنين أو عن وحدة غير المتضامنين. فهذا الانقسام يعكس تنوع وتناقض نظرات (Perceptions) اللبنانيين إلى الفلسطينيين والمسألة الفلسطينية. ولا يمكن فصله عن سمات الجغرافيا السياسية للجمهور اللبناني.

سبعة اتجاهات
المعاينة السريعة للكتابات والنقاشات على مواقع التواصل الاجتماعية تظهر أن “جيوبوليتيك” ردود الفعل اللبنانية تتسم بسبعة اتجاهات بارزة:

أولاً، التضامن السياسي التاريخي مع مشروع تحرير كامل تراب فلسطين. يتعلق الأمر بنظرة جماعية لدى شريحة من اللبنانيين، ترفض الاعتراف بوجود إسرائيل وتتطلع إلى زوال هذه الدولة عن الخريطة العالمية. لكن دوافع هؤلاء غير متجانسة. البعض لديه منطلقات قومية عربية وقومية سورية، أو منطلقات يسارية مناوئة للإمبريالية، أو خلفية دينية إسلامية. حتى أن بعض وجهات النظر المتداولة على مواقع التواصل، والتي تعكس خلفيات مسيحية، تستند إلى سرديات دينية مناقضة للسردية الصهيونية بشأن حق اليهود التاريخي في أرض فلسطين.

ثانياً، التضامن السياسي على قاعدة القانون الدولي لجهة دعم حق قيام دولة فلسطينية على حدود 1967. تندرج هذه النظرة في خانة منطق التسوية التي كادت تتحقق مع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، على قاعدة “الأرض مقابل السلام”. جذور هذا الحل تكمن في القرار 242 الذي يدعو إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد 4 حزيران 1967، من بينها القدس الشرقية والضفة الغربية والجولان. كثر من اللبنانيين مقتنعون بأن إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة وغزة، هي، كحل مرحلي ومؤقت أو نهائي، “أفضل الممكن”. يصعب تحديد الخريطة الجغرافية السياسية لهؤلاء بدقة. بعد اتفاق “أوسلو” ثم مبادرة السلام العربية التي أطلقت من بيروت عام 2002، بتحفيز من المملكة السعودية، لا يمكن تجاهل ملامح رأي عام مسلم مؤيد لحل الدولتين. لكن التعبير عنه يبدو خجولاً ومتواضعاً أو متردداً. وبعض القوميين واليساريين يترددون في تبني موقف واضح في هذا الصدد، خوفاً من تخوينهم على يد الإسلامويين والقومجيين. في المقابل، ثمة مؤشرات بأن هناك جمهور مسيحي يتعامل مع الفلسطينيين والمسألة الفلسطينية على قاعدة التمييز بين ما جرى في حرب 1975 في لبنان، وبين حق الفلسطينيين في الحصول على دولة مستقلة. وهم يجادلون الآخرين بالقول إن الأحزاب المسيحية حاربت الفلسطينيين في لبنان، لكنها تدعم قضيتهم وتؤيد حقوقهم، خصوصاً أنهم يخوضون الصراع اليوم من أرضهم في فلسطين وليس من الأرض اللبنانية. هؤلاء هم أكثر وضوحاً من غيرهم من اللبنانيين في دعم حل الدولتين. وهذا الاتجاه يبرز اليوم في النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعية بشأن ما يجري في القدس وفي حي الشيخ جراح.

ثالثاً، التضامن السياسي المزايد على الفلسطينيين. يتم ذلك من موقع التأييد لإيران ولدورها. ويتجسد ذلك أيضاً من خلال تصوير إيران بوصفها قوة لا يمكن الاستغناء عنها لتحرير فلسطين. عندما كان الأمر يتعلق بانتفاضة شعبية للمقدسيين، اتسمت ردود فعل البعض بالتقليل من أهمية أي تحرك لا يرتبط سياسياً بمشروع “ولاية الفقيه”. وعندما لجأت حركتا “حماس” و”الجهاد الإسلامي” إلى الخيار العسكري، وفرضتا معادلة الصواريخ، أتت ردود فعل الجمهور المؤيد لحزب الله على شكل التذكير بـ”فضل” إيران على الفلسطينيين، لأنها هي من تزودهم بهذه الصواريخ. كذلك، تتسم نظرة هؤلاء إلى ما يجري في فلسطين بطابع انتصاري استباقي ومزايد. بمعنى أن الشعار المرفوع يذهب أبعد من الدفاع عن بقاء السكان الفلسطينيين في منازلهم في حي الشيخ جراح. بل يلوّح باقتراب موعد تحرير القدس، ويدعو إلى الاستعداد للصلاة فيها قريباً. هذا الشعار يتقاطع مع المطالبين بتحرير كامل تراب فلسطين، لكن خلفيته الكامنة تتمثل في أن الجيش الذي سيحرر فلسطين والقدس هو جيش إسلاموي يتبنى الإيديولوجية الخاصة بالنظام الإيراني، والتي لا تلقى إجماعاً لا في العالم العربي، لا في فلسطين ولا في لبنان.

رابعاً، التضامن الإنساني المجرد. أصحاب هذه النظرة ينطلقون من ضرورة اتخاذ موقف حيال أي صراع بين الجلاد والضحية. يتمسكون، بصلابة، بضرورة التعالي على كل جراح الماضي بين فئة من اللبنانيين والفلسطينيين. يشددون على أن تعامل اللبنانيين مع المشاكل والصراعات الإقليمية والدولية يجب أن يكون على قاعدة أن “الإنسانية لا تتجزأ”. بمعنى أنه لا يصح أن يتضامن اللبناني مع المسألة الأرمنية وأن يرفض التضامن مع المسألة الفلسطينية، خصوصاً أن ميدان الصراع ليس لبنان بل فلسطين نفسها. تعكس وجهة النظر هذه، موقف الأجيال الشابة الجديدة في أوساط مسيحيي لبنان، الذين لا يريدون تبرير انتهاكات الفلسطينيين في لبنان، في الماضي، لكنهم لا يريدون إسقاط هذا الماضي على حاضر مختلف نوعياً. لا يرفض هؤلاء فكرة تسييس الصراع، لكن دعوتهم إلى مجرد التضامن الإنساني، هي موجهة بشكل خاص إلى مسيحيين آخرين، للحصول على حد أدنى من التضامن. وحجتهم تتمثل بواجب “التسامح المسيحي”.

خامساً، اللاتضامن مع الفلسطينيين من منطلق الحياد اللبناني. هذه النظرة سائدة أكثر في أوساط المسيحيين. بالنسبة إليهم، يجب تحييد لبنان عن كل الصراعات، ومن ضمنها الصراع العربي الإسرائيلي والفلسطيني الإسرائيلي. يعتقدون أن هذا الحياد يحمي ما يعتبرونه “الأمة اللبنانية” أو “الوجود المسيحي” في الشرق. هذا الطرح يبدو في الظاهر مفيداً، لكنه يعني عدم اتخاذ موقف يدين أي احتلال وأي جريمة حرب، وأي ظلم، وأي انتهاك للقانون الدولي. أي عدم اتخاذ موقف بين الجلاد والضحية. وموقف كهذا هو بحد ذاته محل إدانة أخلاقية. ويتناقض مع جوهر المسيحية التي تبشر بمنطق الحق وإنهاء الظلم. بالإضافة إلى ذلك، تتجاهل هذه النظرة أنه بحكم الجغرافيا السياسية، يستحيل التزام دولة مثل لبنان بحياد كهذا، لأن ذلك يتنافى مع طبيعة التداخل والتفاعل بين المجتمع اللبناني والمجتمع الفلسطيني، من حيث الثقافة والدين والتمثلات الراسخة في وعي الأفراد حيال ما يعتبرونه تهديدات مشتركة ومصير مشترك.

سادساً، اللاتضامن مع الفلسطينيين تحت ذريعة أن الأحوال المعيشية للبنانيين في زمن الانهيار تتطلب أن يتضامن هؤلاء مع أنفسهم، وتجعلهم غير قادرين على التفكير بغيرهم. لا يمكن تجاهل ثقل العبء الناتج عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمالية. لكن ما يتعرض له اللبنانيون من ظلم ومن اضطهاد على يد نظامهم السياسي، يستدعي من الآخرين التضامن معهم. وعلى هذا الأساس، يشكل التضامن سلوكاً متبادلاً بين الشعوب، لا يمكن للبنانيين أن يكونوا بمنأى عنه وعن موجباته.

سابعاً، اللاتضامن مع الفلسطينيين بوصفهم أعداء. يتعلق الأمر بنظرة جمهور لبناني غير قادر على مقاربة أي مسألة تخص الفلسطينيين من دون استحضار التجارب المأساوية مع مقاتلي “منظمة التحرير” و”الصاعقة” في لبنان سابقاً. هم يكتبون علناً، على صفحاتهم أو في تعليقاتهم على بعض التغريدات، أنهم غير مستعدين للتضامن مع من قتل أقرباء لهم وارتكب مجازر بحقهم. بعضهم لديه، بكل وضوح، حالة من اللامبالاة لما يتعرض له الفلسطينيون من تنكيل. لكن هذا الموقف هو أيضاً جزء من سمات الجغرافيا السياسية للجمهور اللبناني، خصوصاً بعد حرب 1975 ــ 1990. تجاهل هذا المعطى يعكس منطقاً إلغائياً وإقصائياً لأفراد لديهم وعي جماعي كهذا، ليس لأنهم ينتمون إلى محور الشر، بل لأن تجربتهم مريرة وملموسة، ولأن لبنان لم يشهد بعد الحرب مصالحة عميقة تجعلهم يسامحون.

“جيوبوليتيك المشاعر”
في المحصلة، لا يمكن التعامل مع “جيوبوليتيك” نظرة اللبنانيين تجاه الفلسطينيين على قاعدة مانوية، عبر تقسيم الناس وفق معادلة الخير والشر. هذا التنوع يعكس تعددية ديمقراطية من جهة. ويعكس بمكان ما جهلاً أو تجاهلاً للمعطيات العلمية والوقائع التاريخية في الحقبة الاستعمارية، وفي مرحلة الحرب الباردة، ثم في مرحلة ما بعد اعتداءات 11 أيلول. وهي وقائع يتعمد بعض الأكاديميين تجاهلها في إطلالاتهم الإعلامية. فيقعون في فخ التضليل الإعلامي بينما وظيفتهم الأكاديمية تشترط تجنب التضليل. لكن هذا التنوع أو بالأحرى التناقض، يندرج أيضاً في خانة ما يمكن تسميته بـ”جيوبوليتيك المشاعر” (La géopolitique de l’émotion)، تيمناً بعنوان كتاب الباحث الفرنسي دومينيك موييزي (Dominique Moïsi). فمشاعر الجمهور وانفعالاته، سواء كانت مشاعر خوف أو إهانة أو أمل، ترتبط بسياقات تاريخية وسياسية واقتصادية وثقافية.

فإذا كان الفلسطينيون اليوم يناضلون من أجل الرد على الإهانة التاريخية التي وجهت إليهم بحرمانهم من حقهم في أرضهم ودولتهم المستقلة، فإن بعض اللبنانيين أيضاً مأخوذ بخوف، لا يمكن الخروج منه بدعوة أو بكلمة، أو بشتيمة، إنما بسياق إقليمي آخر. لكن هؤلاء مدعوون بدورهم إلى المساهمة الفعالة في تغيير هذا المسار الإقليمي، باسم قيم النهضة والأنوار والحداثة، بدل من التقوقع السلبي والانغلاق على الذات وتعميم اليأس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى