تحقيقات - ملفات

صرخات الراعي لا تخرق جدران بعبدا واللقلوق

كتبت راوند ابوخزام….

تتجدد نداءات رأس الكنيسة المارونية أسبوعياً لحث المسؤولين على الإسراع في تأليف الحكومة وإنجاز السلطة التنفيذية في ظل بلد تتآكله الانهيارات والأزمات. ويحاول البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي أن يحرك الضمير الوطني والإنساني عند المعرقلين من غير أي نتيجة. وصّف المعرقل من دون أن يسميه قاطعاً الطريق أمام مطلب الثلث المعطل، داعياً إلى الالتزام بالدستور والميثاق الوطني عبر المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ولم يتوقف عند تفصيل من يسمي المسيحيين منهم. كل التفاصيل تسقط في بكركي أمام معاناة المواطنين وإفقار جلّهم.

نادى البطريرك الراعي: أيّها المسؤولون، الحكومةُ ليست لكُم بل للشعب. الوزاراتُ ليست لكُم بل للشعب. الحكمُ ليس لكُم بل للشعب. المؤسّساتُ ليست لكُم بل للشعب. كفى شروطًا لا تخدم الوطن والمواطنين، بل مصالح السياسيّين…

وكأن صرخات بكركي هذه لا تسمعها بعبدا ولا تمر في اللقلوق، فتبقى العظات مجرد كلام وطني غير قابل للتنفيذ، ويستمر المعرقل في تعنته لتحقيق مصالحه الشخصية على حساب ما تبقى من وطن ومواطنين.. فهل يمكن لبكركي أن تفرض حلاً وتُخرج الحكومة من عنق التعطيل في حين أن الصلاحيات هي مع الرئاسة الأولى؟

طبعاً لا يستطيع البطريرك فرض حكومة، ولكن تحركه هذا يخلق ديناميكية في مرحلة الجمود السياسي، يهيئ رأياً عاماً ويؤسس لهدف طويل الأمد هو الحياد الذي لا يرتبط حصراً بالمسيحيين إنما بكل المكونات اللبنانية، وكذلك الدول المعنية.

فكل طائفة لديها خصوصية ومرتبطة بتاريخها وعلاقة المرجعية الدينية بالمرجعية السياسية؛ وعليه هذه لمحة طوائفية وتأثير رجال الدين فيها:

 

تاريخياً، المرجعية الدينية المارونية تعتبر موازية للمرجعية السياسية أي رئيس الجمهورية، وهما على قدر المساواة، لذلك شهدت العلاقة بينهما الكثير من الصدامات على مر التاريخ. ومثال على ذلك، صدام البطريرك المعوشي مع الرئيس كميل شمعون ومع الرئيس فؤاد شهاب، وكذلك صدام البطريرك صفير مع الرئيس الياس الهراوي والرئيس إميل لحود… فعند الموارنة ثابتة تاريخية، هي وجوب الأخذ برأي البطريرك الماروني واستشارته، واذا لم يفعل رئيس الجمهورية ذلك، تصبح البطريركية خصماً لساكن بعبدا، كما فعل البطريرك المعوشي ضد الرئيس كميل شمعون في ثورة 58 .

فالمرجعية المارونية مستقلة عن المرجعية السياسية الأولى، أي رئاسة الجمهورية، فتتنافسان أحياناً وتتعاونان أحياناً أخرى. وهكذا تختلف المرجعية الدينية المارونية عن المرجعيات الدينية الأخرى.

درزياً، لم يمر شيخ عقل عند الطائفة الدرزية وكان أقوى من كمال جنبلاط أو مجيد أرسلان، فدائماً المرجعية الدينية عندها تعد أضعف من المرجعية السياسية، لا بل هي تابعة لها ومحصورة بالعمل الرعوي الدرزي أو الديني المحض، وتلعب دوراً سياسياً بالتنسيق مع الزعيم السياسي وبموافقته.

كذلك الأمر عند المرجعية الدينية السنية. لطالما كانت الأحجام السياسية أكبر من المرجعيات الدينية، كرشيد كرامي وصائب سلام، والحريري الأب وبعده الابن. مثلاً، خلال ثمانينيات القرن الماضي، أسس المفتي حسن خالد ما سُمي بـ”التجمع الإسلامي” وكان يضم رؤساء الحكومات السابقين والوزراء والنواب، فكانوا هم القرار السياسي والمفتي يشكل المظلة الدينية لهم..

أما عند الطائفة الشيعية فكان القرار عند القيادات السياسية لا المرجعيات الروحية، كأحمد الأسعد وصبري حمادة وكامل الأسعد وعادل عسيران، لكن مع ظهور الإمام موسى الصدر في منتصف الستينيات بات هو كمرجع روحي أقوى من القيادات السياسية آنذاك، وأصبح خصماً لصبري حمادة وكامل الأسعد. كذلك الأمر مع “حزب الله” والسيد حسن نصرالله الذي دمج القيادة السياسية بالقيادة الدينية.

كل ما سبق يؤكد أن لا تشابه بين المرجعيات الدينية. فالبطريرك الماروني يعد الأقوى بين المرجعيات الدينية وأكثرهم استقلالية وقوة. فهو يتصرف بمعزل عن رئيس الجمهورية، وباستطاعته أن يلعب دوراً سلبيا ضده، فلا الرئيس ميشال عون قادر على السيطرة على البطريرك الراعي، ولا الأخير يستطيع أن يفرض على الرئاسة الأولى، فلدى عون الصلاحيات وهو من يمتلك الحكم، أما البطريرك الراعي فيسهل عليه تحريك الرأي العام للدفع نحو تأليف الحكومة، كما فعل البطريرك مار نصرالله بطرس صفير من خلال تكوين رأي عام داخلي ضد السوريين، وحصوله على الدعم الخارجي بوقوف الفاتيكان إلى جانبه وتأثيرها على دول العالم.

تختلف الظروف بين صفير والراعي. البطريرك صفير قاد معركة بوجه خصم محتل غير لبناني وهو السوري، أما البطريرك الراعي فظروف التأليف وعرقلته دفعت به إلى الوقوف إلى جانب الرئيس المكلف سعد الحريري، وهذا ما قد ينتج انقساماً داخل الطائفة المارونية. انقسام مشابه للانقسام الذي حصل نتيجة وقوف البطريرك صفير مع “القوات اللبنانية” ضد ميشال عون الرافض للطائف آنذاك. الا أن هذا ما لا يريده البطريرك الراعي، فكل ما يسعى إليه هو جمع شريكي التأليف، وأن يعقدا لقاءً بينهما، لا ينتهي إلا بخروجهما وإعلانهما تأليف حكومة الإنقاذ من الاختصاصيين غير الحزبيين، لا أثلاث معطلة فيها، تراعي الدستور والميثاق الوطني، تنكب على مصلحة المواطن لا السياسيين.. فهل سيبقى هذا الأمر مستعصياً حتى نهاية العهد؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى