تحقيقات - ملفات

لإعلان طرابلس والشمال ملاذاً للسلام والشراكة الإسلامية المسيحية لبنان بين انموذج الاعتداء على الدولة بالسلاح والتعطيل وانموذج الاستقرار والإنماء


أحمد الأيوبي -اللواء
يعيش لبنان الدولة والكيان حالة فرض الأمر الواقع منذ نشوئه حتى اليوم، نظراً لطبيعته وتنوعه وموقعه الاستراتيجي في منطقة لا تكاد الصراعات فيها حتى تعود وتبدأ من جديد، فلا تكاد حقبة من تاريخه تخلو من وطأة محتلّ، وربما اجتمع أكثر من احتلال في فترة واحدة، وكم تركت الاحتلالات من حالات أمرٍ واقع سيطرت على مقدّرات البلد، منها ما ترك بصماته، ومنها ما اندثر وبات أثراً بعد عين.

خلال الحرب الغابرة، تبدّلت موازين القوى بين البدايات والمآلات، وانتهت بتسليم الأحزاب المتصارعة سلاحها واندماجها في الدولة وفق اتفاق الطائف والدستور المنبثق عنه، والذي تعرّض للانقلاب عليه على يد النظام السوري، ففرّغه من مضمونه وأعاق تطبيقه، وخاصة في الجزء المتعلق بحصرية السلاح بالدولة وقواها الشرعية، لينتهي بنا المطاف، بالإبقاء على سلاح «حزب الله» وتغوّله في الحياة السياسية حتى تمكن من الاستيلاء على الأغلبية النيابية، والسيطرة على المواقع الدستورية، بحصار اللبنانيين بين السلاح والتعطيل.

الأمر الواقع بالسلاح: نموذج السطوة والفشل اليوم، يواجه اللبنانيون ثلاثة نماذج من الأمر الواقع:

– الأول: سلاح حزب الله وسطوته وعدوانه على الدولة والسيادة وعلى الواقع المحلي والسياسة الخارجية، وعلى الاقتصاد والإعلام والأمن وكلّ جوانب الحياة.

يقوم هذا النموذج على إقصاء الدولة وإبعادها عن حياة المواطنين اليومية، فكلّ ما فيه منفصل عنها، باستثناء ما تتطلبه لعبة الإعلام والسياسة وتوزيع الأدوار، في الجانب السياسي أو الأمني، حيث يُستدعى الأمن اللبناني لتنفيذ ما لا يريد «حزب الله» الانخراط فيه من نزاعات عشائرية أو مناطقية، كما يتميّز بفرض السطوة الأمنية وبخلوّه من أي عنصر من عناصر التنمية البشرية.

يعتمد نموذج «حزب الله» على قاعدة الزبائنية وربط الناس بالمساعدات المشروطة بالولاء العقائدي والسياسي، بينما ترزح المناطق التي يسيطر عليها، تحت وطأة الإفقار وغياب المشاريع التنموية، حيث تبدو الهوّة هائلة بين حجم الدعاية المتضخمة عن القوّة الفائضة في لبنان والإقليم، وبين واقع الناس الرديء في حياتهم اليومية.

يتساءل اللبنانيون: لماذا يتمكّن «حزب الله» من السيطرة على مقاليد السلطة، وهو كان دائماً في قلب القرار، ثمّ أصبح ممسكاً بتلابيب الحكم، مع وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية ووجود نبيه بري في رئاسة مجلس النواب، ومن يعيّنه من خلال أغلبيته النيابية في رئاسة الحكومة.. وكيف يفشل في الإتيان بالمشاريع الإنمائية وفرضها على حلفائه، وهو صاحب الأكثرية.

غياب فكر الاستقرار والتنمية.. والدولة

ربّما يكون الجواب في مكان آخر، وهو أنّ مفهوم التنمية غائب تماماً عن قيادة «حزب الله»، ولولا المشاريع ما قامت به حركة أمل من مشاريع في الجنوب وبنسبة أقلّ بكثير، في البقاع، لكانت مناطق الثنائي الشيعي أشبه بالعشوائيات التي لا تصلح للحياة الآدمية، ونظرة إلى الطوفان السنوي لنهر الغدير بمياهه الآسنة على منازل أهل الضاحية، يعطي فكرة واضحة عن المقصود في هذه المقاربة.

والأخطر في هذا السياق، أنّ مفهوم الاستقرار والإنماء غائبان عن خطط الحزب، لأنّه لا يؤمن بالاستقرار بل يعمل دائماً للحروب والصراعات، ولا تتوجّه خططه للتطوير والازدهار، بل تنحرف نحو الهيمنة والسيطرة والإخضاع، وهذا مناقض تماماً لمفهوم الانتماء للدولة، بوظيفتها المعاصرة المعروفة، والحزب بهذا ليس سوى نموذج آخر للسياسات الإيرانية التي تقوم على إفقار الشعوب من طهران إلى بيروت والذي يخلط بين الفساد والفوضى وتلويث البيئة والعبث بها، من شاطئ البصرة إلى سدود لبنان.

الأمر الواقع في الرئاسات المحتلة

– الأمر الواقع الثاني: متفرّع من الأول، أي السلاح، ويتمثّل في السيطرة على الرئاسات الثلاث: الجمهورية، النواب، والحكومة، من خلال الأغلبية النيابية الناجمة عن الابتزاز السياسي وإحياء النزعات المتناقضة في القانون الانتخابي.

ظهرت وطأة هذا النوع من الأمر الواقع على المؤسسات الدستورية، من خلال التعطيل الطويل لمجلس النواب، منذ الانسحاب السوري من لبنان إثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وكان آخر فصول هذا التعطيل ذاك الذي سبق فرض انتخاب الرئيس ميشال عون، بـ«بندقية المقاومة» كما صرّح النائب «المستقال» نواف الموسوي.

اليوم يستشري الأمر الواقع من قصر بعبدا، حيث الدفاع الدائم عن «شرعية وضرورة» السلاح، ويتمدّد انقلابات متلاحقة على الدستور وسلب صلاحيات رئاسة الحكومة، وأخيراً تحطيم القضاء وتحويله إلى جُزر متنازعة، مما يهدّد بهدمه وإسقاطه وتصفية ما تبقى من حصون محاصرة للعدالة.

دفن الدولة وهي على قيد الحياة

يحمل النموذجان، الأوّلان للأمر الواقع أقصى درجات الاعتداء على الدولة والكيان والسيادة والقانون، وتكمن خطورتهما في أنّهما يمثّلان إرادة التطبيع مع الخروج على الشرعية واعتبارها أمراً يجب التعامل معه على أنّه الأساس في القرار، والقبول بالتهميش المتواصل للشرعية حتى يغيب ذكرُها وتضمحل مكانتُها، وتسود حالة الفوضى المنظمة التي يقوم عليها محور الممانعة، والتي نراها في الثنائية المركّبة بين الجيش والحرس الثوري في إيران، وبين الجيش والميليشيات الإيرانية في المنطقة.

النموذج الثالث: إنجازاتٌ في الإنماء بانتظار الدولة

وإذا كان نموذجا السلاح والهمينة على الرئاسات، يمثّلان المثال الأسوأ، لأنّهما يعتديان على الدولة، فإنّ النموذج الثالث من الأمر الواقع، يقف على النقيض ممّا تقدم، ويمكن توصيفه بأنّه «أمر واقع بانتظار الدولة»، فهو يدعوها لتأخذ مكانها ودورها، ويستظلّ بها ويضع عنوانها تحت مشاريع لا فضل لها فيها، للحفاظ على حضور الدولة في النفوس وفي الإعلام.

عبّر البطريرك بشارة الراعي بشكلٍ دقيق عن فلسفة هذا النموذج عندما قال في عظته يوم الأحد 18 نيسان 2021 إنّ «شعب لبنان يتعرّض بكل فئاته ومناطقه، لحربٍ اقتصاديّةٍ ونقديّة ومعيشيّة مفتوحةٍ تستدعي مواجهتَها والانتصارَ عليها بالصمود الذي يبدأ بالبقاءِ في لبنان للحفاظِ على وجودِنا وهوّيةِ الأرضِ والوطن. إنّنا، بانتظارِ عودةِ مؤسّساتِ الدولة المركزيّةِ، ندعو جميعَ السلطاتِ المحليّةِ والبلديّاتِ واتّحاداتِ البلديّات، والجمعياتِ المدنيّةِ والأحزابِ والنوادي والتعاونيّات والنِقابات والفئاتِ الميسورة إلى توحيدِ الجهود، وإلى استعمالِ جميعِ القدراتِ الشرعيّة الاقتصاديّة المتوافرِةِ في القرى والبلدات والمناطق لتأمينِ إنعاشٍ اقتصاديٍّ وزراعيِّ وتجاريٍّ وسياحيٍّ وماليٍّ، من شأنه أن يؤمِّنُ مقتضياتِ الحياةِ والصمودِ للأفرادِ والعائلات، وأن يثني الشبابِ عن الهِجرة، ويساعد اللبنانيّين على منعِ سقوطِ وطنِهم، وعلى استعادةِ دولتِهم الواحِدة والمحرّرة من ذوي المصالح الخاصّة والمشبوهة».

وفي السياق العملي، أكّد البطريرك الراعي ضرورة مقاومة السلطة المصرّة «سلوك درب الإنهيار»، والمكابرة على قبول الحلول المتوافرة، وإقفال «كلّ باب يأتي منه الخير والمساعدات للشعب وللبنان، أكان من الدول المانحة، أم من صندوق الدعم الدوليّ، أم من الدول العربيّة الشقيقة، وبالمقابل إبقاؤهم معابر الهدر والتهريب على الحدود الشماليّة والشرقيّة مفتوحة على مصراعيها».

بشرّي: التطبيق النموذجي للصمود الإنماء

يعتبر قضاء بشري نموذجاً متقدّماً للانتماء الوطني والنجاح السياسي في توفير الاستقرار والإنماء والازدهار، وفي تأمين متطلبات الصحة والتربية وفي الحفاظ على التراث الحضاري وحماية البيئة.. والأهم الإبقاء على الانتماء للدولة والوفاء لها.

استطاعت القوات اللبنانية أن تقدّم النموذج النقيض لنموذج السلاح في كثير من المناطق، لكنّها حقّقت النجاح الأوفر في قضاء بشري، حيث تحوّل إلى واحة هادئة مستقرّة ، تتمتّع بكل مقوّمات الحياة الكريمة، من خلال إدارة سياسية ناجحة، واستثمار جيّد للعلاقات مع الجهات المانحة وشفافية في التنفيذ وفـّرت المصداقية للاستمرار والتطوير، ففي كلّ يوم نشهد تحقيق إنجاز في الصحة أو الزراعة أو البيئة أو التعليم، وهذا ما دعا النائب ستريدا جعجع إلى إبداء أسفها «لأننا نعيش في دولة بعيدة جداً عن هذا النموذج الذي أرسيناه في قضاء بشري، لذا ترونا كنائبين عن القضاء نقوم اليوم بتغطية تقصير هذه الدولة الفادح عبر أخذ المبادرة للقيام بما هو لا يندرج في سلّم مهام النائب».

النائب جعجع كانت تتحدث أثناء زيارة قامت بها للإشراف على حسن سير أعمال المرحلة الثانية والأخيرة من تأهيل وتجهيز مستشفى أنطوان الخوري ملكة طوق – بشري الحكومي، والاطلاع على ما أنجز منها حتى الآن بعد أن كان قد باشر المتعهد، «شركة أبنيّة»، العمل في الأول من نيسان 2021 على ما نص عليه عقد التلزيم ما بين الشركة و«مؤسسة جبل الأرز»، وهو أحد المشاريع التي تعكس حيوية المجتمع المدني في التفاعل للخير العام.

ملاذ للسلام والشراكة الإسلامية المسيحية

هذا النموذج الشماليّ، المُحاط بمحيط متخبّط ومحروم من التنمية رغم تمتعه بجميع مقوِّمات النهوض الاقتصادي والحضاري، يدفعنا إلى طرح مقاربة تتلاءم مع طبيعة المرحلة التي نعبرها اليوم، من الانهيار إلى الجحيم.

تقوم هذه المقاربة على تقديم رؤية وهوية ووظيفة لهذا الشمال الذي يحتوي على النسيج الوطني، ويمتلك القدرة على تكريس الوحدة الوطنية بأجمل صورها، ويعيش الشراكة الإسلامية المسيحية بأفضل تجلياتها.

جوهر هذه الرؤية هي أن تكون طرابلس الكبرى، بامتدادها نحو بشري وزغرتا والبترون والكورة، وبتوحدها مع المنية والضنية وعكار، منطقة للسلام والشراكة الإسلامية المسيحية، وأن تسعى لتكريس هذه الهوية، من خلال برنامج شراكة فعال، يتناول جميع شؤون الحياة السياسية والاجتماعية والإنسانية والصحية والبيئية، بحيث تتشكل خريطة جديدة ناجمة عن التفاعل الإيجابي بين مناطقنا، وينتج عنه إعلان نتوجه به إلى المجتمع اللبناني وإلى المرجعيات الدينية الإسلامية والمسيحية، في لبنان والعالم، لتكريس طرابلس والشمال ملاذ سلام وشراكة.

أمام هول المخاطر التي تزحف نحونا، ليس أمامنا من سبيل سوى سلوك هذه الطريق لتعميم الاستقرار والسلام قبل أن يسحقنا إرهاب السلاح المتنقل بين ربوعنا.. وهذا يحتاج إلى شجاعة في التفكير والتقرير، لكنّنا بالتأكيد أمام فرصة تاريخية للإنقاذ، ولنشكّل نموذج النجاة للصيغة اللبنانية والكيان والدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى