الحدث

“الكاز” بـ 95000 ليرة!

“ليبانون ديبايت” – عبدالله قمح

مِن الآخر ومِن دونِ لفٍ ودوران: الدولة اتّخذت القرار برفعِ الدّعم عن المحروقات، وها هي الآن تعملُ على إدخال الفكرة في رأس المواطن “على الخفيف”، من خلال إجراءات متنوعة طبعاً. في النتيجة، تعتقدُ الدولة، أو من يقف خلف الفكرة، أن المواطن سيقتنع في النهاية، وإذا لم يقتنع باللتي هي أحسن يُمكن إقناعه بطرق أخرى!

سيثورُ المواطن وينزل إلى الشارع. سيحطّم واجهات المصارف بصفتها راعية للأزمة ويفجّر غضبه على أجهزة الصراف الآلي كما حدث نهار السبت الماضي، لكنّه في النهاية سيقتنع بالأمر الواقع، ولو على مضض، تماماً كما اقتنع من قبل أن سعر صرف الدولار بات يتجاوز ٨٠٠٠ ل.ل، ويشد طلوع نحو بلوغ مستويات قياسية، من دون أن يحرّك هذا المواطن ساكناً! هو يعلم طبعاً أن “حزب المصارف” يقف خلف الصرّافين “فئة أ” وما دون، ويعلم أكثر أن هؤلاء، يقف خلفهم طابور طويل من ذوي الرؤوس الحجرية في الدولة. أحزاب وطوائف وما شاكل. لكنه يسكت. يلوذ بالصمت. لا ينطق ببنت شفة، وأحياناً لو تسنّى له أن ينطق، لتحدّث من وراء ستار، وطبعاً ما دام أرباب الطوائف هم المستهدفين والمستفيدين، عندئذٍ يخرس المواطن!

إذاً، على “كي الوعي” تُراهن الدولة والجماعات التي تقف خلفها.

المسألة مسألة وقت أيضاً. القائمون على القطاع يتحدّثون عن خطوات إجرائية سيُباشر بتنفيذها عام ٢٠٢١. لا يشيرون إلى تلك الاجراءات بالضبط لكنّهم يلمحون إليها، حتماً ستكون قاسية بل وقاسية جداً كقساوة فصل الشتاء على أجساد أطفال فئة الـ٤٠٪؜ الجاثمة فوق وتحت خطر الفقر، وأهاليهم طبعاً. هؤلاء، وحينما وجدوا ضالتهم في “صوبيا الكاز” ذات السعر المعقول والمقبول، أتى “غول الأزمة” وسرق منهم الامتياز. تحوّل سعر صفيحة الكاز من ما يقارب ١٨٠٠٠ ل.ل عام ٢٠١٩ إلى ٩٥٠٠٠ عام ٢٠٢٠، والسعر معرض “للدوبلة” ما دام يقيس حركته على سعر صرف دولار السوق السوداء، لكن لماذا؟

في ربيع العام الجاري، أحدٌ ما من قماشة أمنية “ماكنة”، استخرجَ حلاً على طاولة المجلس الأعلى للدفاع في جلسة انعقدت مطلع شهر أيار الماضي، يقوم على رفع سعر صفيحة المازوت الأخضر من ٨٠٠٠ ل.ل إلى حدود ١٨٠٠٠ ل.ل، اي بزيادة ١٠،٠٠٠ ل.ل على كل صفيحة. برّر الاقتراح بفقدان التوازن بين سعر صفيحة المازوت في لبنان حينها (بلغت ٢$ تقريباً – بحسب صرف الصرف حينها) و تلك الموجودة على المقلب السوري مما أدّى إلى تنشيط التهريب من لبنان إلى سوريا، إذا ما تم رفع السعر ننتهي من المشكلة. تلك الخطوة التي جاءت بمفعول الضريبة بذريعة منع التهريب، كانت عملياً نقطة التحول نحو تحرير أسعار المحروقات، أو جزء منها، وإتاحة المجال أمام وزارة الطاقة للتحرّر بدورها، حتى يأتي الأجل!

قبل ذلك بمدة، كانت وزارة الطاقة قد اتّخذت قرارها بوقف تسعير مواد نفطية كـ”الكاز” و “المازوت الأحمر”. المادة الأخيرة شبه منقرضة من السوق، بينما الكاز، الذي يستخدم عملياً بنسبة ٨٠٪؜ في مجالات التدفئة خلال فصل الشتاء بات خارج قوائم الدعم، ما عرّضه للخضوع لمنطق كارتال استيراد النفط وشروطه، أو بالاحرى الجهة المحتكرة عملية استيراد الكاز تحديداً، اي المادة التي تخلى الجميع عن استيرادها بذريعة تراجع سوقها، مما أتاح لتلك الشركة التحكّم بالسعر.

قبل أيام، تفاجأ مواطنون بأن إحدى محطات شركة “توتال”، وهي من الشركات القليلة التي تضع الكاز في التداول، سعّرت صفيحة الكاز بـ٩٥٠٠٠ ل.ل! كان هؤلاء في طريقهم إلى شراء كمية من المادة تصلح للتدفئة. تراجعوا وانكفأوا أمام هول السعر. يحدث ذلك في ذروة دخول الطبيعة فصل الشتاء.

“توتال” تجد تبريرها للحادثة، فهي تقريباً الوحيدة التي تبيع المادة في محطات محددة وليس في جميع فروعها. عامل يتيح لها التحكّم بالسعر نظرياً، كونها الجهة المستوردة! يقول أحد موظفيها أن صفيحة الكاز تكلّف الشركة ما يقارب ١٤ دولاراً أميركياً ما بين استيراد وضرائب ونقل وهامش ربح، ويتمّ الاستيراد من الخارج بواسطة “فرش دولار” غير مدعوم. سبب ارتفاع سعر الصفيحة نحو ٣٠٠٪؜ في رأيه يعود للاستعانة بدولارات السوق السوداء. مع ذلك، تحاول الشركة “تربيح منّية” للمواطن. فهي ولو اختارت تسعير الصفيحة على سعر صرف السوق -كما هو- لفاق سعرها مئة ألف ليرة، لكنها تشعر بالمواطن!

تردّ الشركة السبب إلى وزارة الطاقة، التي انكفأت عن دعم مادة الكاز “لترشيد الدعم” و “إفساحاً في المجال أمام إستمرار دعم مواد اخرى أكثر حاجة”، وهي الذريعة التي يتم من خلالها التلاعب بمسار الدعم تمهيداً لنسفه عن بكرة أبيه. مع ذلك، فإن ثمة من يغمز، انطلاقاً من سعر صفيحة الكاز الحالي، ليُسقط نظرية قابلة للتعميم على الأيام المقبلة. فحال الكاز اليوم سينسحب على البنزين والمازوت وربما الغاز غداً. هي أقرب إشارة إلى الوضع الذي ستصبح عليه الأمور في حال رفع الدعم. يحدث كل ذلك والمواطن ما زال “مصيفاً”، يرقص على أنغام أغاني جعلت من قضية التلاعب بسعر صرف الدولار مادة للفرح والهز!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى