الحدث

الفظاظة السياسية!

 

رامي الرّيس-نداء الوطن

الأفق السياسي المسدود في لبنان ليس وليد الصدفة! فأن تتحالف قوى التعطيل والمماطلة مع بعضها البعض، لتفرض إرادتها وشروطها على البلاد والعباد عند كلّ منعطف سياسي أو دستوري، كتأليف الحكومات أو إنتخاب رئيس الجمهورية، أو سواها من المحطّات الأساسية، يعني أنّ اللبنانيين أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الخضوع للإبتزاز، أو تحمّل آثار سياسات المناكفة والتعطيل.

المغامرة الجديدة التي ارتضى الرئيس سعد الحريري لنفسه أن يخوضها إنّما أكدّت مرة جديدة ما كان مؤكّداً ومحسوماً منذ عقد تلك التسوية الرئاسية اللعينة، أن الإستمرار في تقديم الخطوات الإيجابية مع “التيار الوطني الحرّ” مُمثّلاً برئيسه الأعلى العماد ميشال عون ورئيسه الأدنى جبران باسيل، لا يؤدّي سوى إلى طريق مسدود.

قبل تسجيل البطولات الوهمية وتحوير النقاش مع سفيرة الولايات المتّحدة الأميركية، كان الرئيس الأدنى يحقّق فوزاً مع حليفه الأول “حزب الله” الذي واصل سياسة غضّ الطرف عن كلّ الممارسات الشائبة، التي قام ويقوم بها حليف مار مخايل مقابل “الغطاء المسيحي”، إذا جاز التعبير، ووِفق توصيف أصحاب الشأن من كبار المحلّلين والفقهاء في “العونية السياسية”.

سواء صدّق “حزب الله” حليفه، أي الرئيس الأدنى، أم خصمه، أي السفيرة الأميركيّة، فإنّ أدوات الإستغلال السياسي والإبتزاز ستكون حاضرة، كما كانت دائماً. كما أنّ الظهور في صورة الضحيّة التي تدفع الأثمان السياسية والقانونية لِقاء الحفاظ على تحالف مار مخايل إنّما يساعد في شحذ المزيد من النفوذ الداخلي، وتعزيز المواقع المحلية وِفق الإعتبارات المصلحية والفئوية الخاصة.

المهمّ الآن أنّ صفحة جديدة من التحدّي على الصعيد الداخلي سوف تُفتح، مع صعوبة توقّع تسهيل تأليف الحكومة الجديدة، إلّا إذا كانت بشروطٍ تعجيزية تشمل في ما تشمل، تمثيل الكتل الهجينة التي استولدت من أرحام تكتّلات مُنتفخة جرّاء القانون الأرثوذكسي المُقنّع ببدعة الصوت التفضيلي، التي تمّ إختراعها خصيصاً لتوفير مقوّمات النجاح للرئيس الأدنى، بعد الفشل الذريع في دورات إنتخابية متتالية (ولو أنّ عيون صهر الجنرال أمّنت له تمثيلاً وزارياً وازناً مكافأة لسقوطه في الإنتخابات… يا لها من ممارسات ديموقراطية مشوّهة).

كان تصريح السفيرة الأميركية ردّاً على ما قيل بأن ثمّة “نقصاً في فهم السياسة الأميركية” يغني عن الكثير من الشرح والتفصيل. الكلام موجّه لمن؟ لوزير خارجية لبنان السابق! ولكنّه، في الواقع، ليس كلاماً مفاجئاً، ذلك أنّ الوزير إيّاه دمّر علاقات لبنان الخارجية بأكملها، من العالم العربي إلى أوروبا والأميركتين وسائر أنحاء الكرة الأرضية. أمّا مئات الرحلات إلى الخارج، فكانت المسائل الديبلوماسية اللبنانية تناقش فيها على ضِفاف مؤتمرات التيّار البرتقالي التي كانت تُعقد بحضور الرئيس الأدنى ورعايته.

منذ انتخاب العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وتولّي صهره الميمون حقيبة وزارة الخارجية، دُمرّت كل علاقات لبنان الخارجية، حتّى أنّ الرئيس نفسه بالكاد قام بعدد محدود من الزيارات إلى الخارج. واضمحلت مشاركة لبنان في إجتماعات الهيئة العامة للأمم المتّحدة (بالرغم من أنّه عضو مؤسّس فيها منذ العام 1945) ولم تشهد أي حركة سياسية ملفتة، بل إقتصرت على الوفود الفضفاضة التي ترافق الرئيس وتكبّد الخزينة المفلسة أساساً مليارات الليرات.

كم كان الوضع مُختلفاً لو أنّ رئيس الجمهورية حكّم ضميره، وقال بوضوح إنّه يقف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين وأدّى دور الحكم في ما بينهم، وبذل كلّ الجهود لتذليل المصاعب والعراقيل لتأليف الحكومة. ولكنّ الواقع مُعاكس تماماً، هو ليس رئيس كلّ اللبنانيين، وليس على مسافة واحدة منهم، وهو وتيّاره من يضعون العراقيل أمام التأليف الحكومي! يا له من رجل دولة! ويا لها من فظاظة سياسية!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى