تحقيقات - ملفات

عون… انكشاف الأسطورة وجمهورية بلا قصر

 

المحامي فايز قزي-نداء الوطن

أخرجتني “نداء الوطن” من عزلتي السياسية المختارة التي أملأ رتابتها أحياناً بتفريغ الذاكرة من تجارب مرّت، لأحفظها من الضياع أو النسيان في صفحات كتاب لا يكتمل إلا بعد معاناة طويلة وتردد.

وها أنني أعود الى ارتكاب المقال الصحافي، الذي عاقرته سابقاً، واعتزلته من زمان طويل. كما غبت عن منابر الإعلام طوعاً، لأنني لا أحب صدور المجالس ولا أجيد الآراء والأخبار المتحركة والمتبدلة والمكررة بعد أن مارست تجارب العقيدة والالتزام، وكانت تلك أيضاً تجارب مستحيلة، أغرقتني في صفحات كتابي الأول الصادر عن دار الريس سنة 2003 “من ميشال عفلق الى ميشال عون” .

إن مناسبة 13 تشرين 1990 تعود هذه السنة ليبشّرنا صاحبها بأننا ذاهبون الى جهنم، وأنا أعيش فعلاً اليوم مع صفحات كتاب جديد، بدأتُ معاقرته منذ 31 تشرين الاول 2016، ليمتد على أربعة فصول، فصله الأخير جهنم الاحتلال وسقوط الوطن. وكأن التاريخ يكمل نفسه من تاريخ 13 تشرين الذي أسقط الجنرال عون، ونفاه الى فرنسا، والعائد بعد 31 تشرين 2016 متأبطاً إطاراً بِرّياً ليذهب غداً مع عهده وجمهوريته الى الناقورة يفاوض العدو الاسرائيلي على حدود دولته.

الجنرال الذي لم يسمح لي رغم محاولتي مرتين، أن أفصح له عن موقفي بعد أن تحول الى حارس معين من ولي محتل للبنان. أخاطبه اليوم لسوء حظه، عبر صحيفة تحمل شرف تسمية قد تذكّره بـ”نداء الوطن”.

وكما كنت منذ 1985 صادقاً وحاراً مع جنرال 1989، وامتدت العلاقة عشرين عاماً قبل أن تنقطع كلياً بعد 6 شباط 2006، تاريخ توقيع عقد متعة “التنازل السيادي” لميليشيا الاحتلال المقنعة في ما سمّاه بنود “تفاهم مار مخايل”، ثم تكاثرت فروعها وأذرعها والتفت على الجنرال وحاصرته ليستسلم نهائياً ويُقدِمُ على اغتيال الجنرال الذي كانه فيتحول في 31/10/2016 الى حارس لسياج قصر الجمهورية المحتلة التي نقلت شعبها العظيم بعد أربع سنواتٍ الى أبواب جهنم الاحتلال الإيراني.

ولأنها “نداء الوطن”، فإنني أُحمِّلها اليوم معادلتي السياسية النهائية والأخيرة، وعنوان مرافعتي الوطنية أمام محكمة التاريخ، وكشف الدور الذي لعبه والذي تبلغ جريمته مرتبة المسؤولية الجرمية الكبرى. ويقيني المستند الى معرفتي العميقة به تسمح لي أن أظن أنه ارتكب فعلته عن سابق تصور وتصميم، وحاول اخفاءها بأقنعة لبنانية سمّاها مقاومة، ومسيحية تحت ذريعة استعادة الحقوق من الآخرين. فكان جرمه مغلظاً لا يستحق رحمة من محكمة التاريخ لأن الرحمة يستحقها فقط التائبون وتجوز للجهلةِ والبسطاء وهو ليس منهم، بل يعلم ما صنع وارتكب وما زال يفتخر بسقطاته فيسميها إنجازات.

بطل الفصول الأربعة في كتابي القادم، تَنَكر بلباس الجنرال ديغول المحرر، وكما أوهم كثيرين وكنت أنا من ضحاياه. فصعدت الى قطار رفع شعار تحرير لبنان من ميليشيا أمل والاشتراكي والقوات، وشعار إعادة المهجرين، وأطلق في 14 آذار 1989 نداء حرب التحرير من الاحتلال السوري، ومعارضة مؤتمر الطائف دفاعاً عن “فاصلة” التنازل عن السيادة والحقوق.

وبعد سقوطه في 13/10/1989 ونفيه الى باريس وطيلة إقامته فيها، حمل شعاراً سوّقه في الإعلام، أن رئاسة الجمهورية عرضها عليه حافظ الأسد قبل 14 آذار 1989 في رسالة حملها الرئيس رفيق الحريري ونقلتها أنا إليه، مفاخراً بأنه “رفض الرئاسة بدون الجمهورية”. واستمر في استعمال هذا الشعار حتى بعد عودته من المنفى، مستعيراً ظواهر الجنرال الذي كانه، ليستر به عيبَ مبايعته للحلف الأسدي – الإيراني في وثيقة تنازلات خطّها وهندسها كريم بقرادوني بمساعدة اميل اميل لحود ومجموعة من ناشطين في التيار العوني، باتوا اليوم هائمين مبعدين يغردون خارج سياج التيار الذي استبدلهم بـ”صوت المدى”.

وبين 13 تشرين 1990 و 31 منه 2016 تحوّل “جنرال التحرير الديغولي” وبفعل “بدع بِرِّية” في تعطيل نصاب الجلسات بالثلثين، وتهديد استعمال “حزب الله” سطوته لاستمرار الفراغ أو تعيين عون، واستسلام جعجع والحريري للثنائي أمل – “حزب الله”، الى ذكرى تذكّر بالجنرال بيتان.

فكانت جلسة 31/10/2016 فولكلورية هزلية نقلت سموم الاحتلال الى روح الجنرال ليتحول الى مجرد حارسٍ لبعبدا برتبة رئيس. وبرع الحارسُ في تحويل بعبدا الى مغارة وقبر، والجمهورية الى ولاية، تخضع لإمرة أعجمية، وتفرَّق شعبها الى مهاجرين أو عشائر أو مرتزقة ولاجئين، فبات الوطن ساحة مستباحة.

ورغم ذلك لم يتوقف لبنان يوماً عن إدهاش العالم وخسارة نفسه. يرتكب اللبنانيون المغامرات القاتلة معتمدين على اسطورة طائر الفينيق وشفاعة القديسين. تتآكلهم هجرة الأدمغة والشباب ويعتاشون على حنين ودعم البنين.

فماذا لو انكشفت الاسطورة وجف الدعم والحنين، فيصبح كما هو اليوم، في عهد حارس وعهدة احتلال وجمهورية بلا قصر، ويعيّر الاحتلالُ شعبَه ويطالبه برفض المبادرة الفرنسية لانها تدخّل ووصاية.

ويتابع المقاومون والممانعون، وتيارهم الوطني جداً، والفصائل السنية والدرزية، مبايعتهم لولاية عهد يرقص على قبر المؤسسات الدستورية والشرعية ويفرح باحتلالٍ مقنع للمقاومة والممانعة بديلاً لوصايةٍ فرنسية تعيد بعض الأمل والرجاء.

أختم تاركاً فسحة أملٍ لما تبقى من عمر العهد، الذي بقي له أقل من الف ليلة (735 فقط)، تتناقص بسرعة في عداد السقوط، وتصمت شهرزاد في سكتة الموت المفاجئ. فلماذا لا يسرّع عداد بعبدا العودة الى إصلاح ما خرَّب بدءاً بذاته؟ ويعود جنرالاً يحمل على كتفه الشرف والتضحية والوفاء؟ ويخلع بذلة الحارس ويستعيد صلاحيات الرئيس الدستورية؟ ويطرد من قصره المندسين والمدسوسين “والمكلّفين”؟ ويستعيد منبر ودور القصور مركزاً لقيادة الشعوب؟ ويحقق وعد الجمهورية، فيستعيدها من محتلٍ خاطف لمؤسساتها وقراراتها يدنس حدودها ويفجر عاصمتها.

حبذا لو يتحول الوهم الى حلم ورجاء، فيعود شعب لبنان عظيماً قبل نهاية العهد المتسارعة ونستعيد مع “الرئيس”: القصر والجمهورية والوطن من مصير وعقوبة جهنم. “رباه ماذا هل تعود المعجزات”؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى