عاجل | لبنان بين التفاوض والسيادة: معادلة القوة الغائبة في لحظة إقليمية مفتوحة
عاجل | لبنان بين التفاوض والسيادة: معادلة القوة الغائبة في لحظة إقليمية مفتوحة
في لحظة لبنانية تبدو فيها البلاد وكأنها تقف على حافة انتأوضح اقتصادي كبير، مع الحديث المتكرر عن ثروات نفطية وغازية محتملة، لا يمكن التعامل مع النقاش السياسي الجاري حول شكل التفاوض وكأنه تفصيل تقني أو خيار إداري عابر. المسألة، في جوهرها، أعمق من ذلك بكثير. هي تتصل بطبيعة الدولة نفسها، وبموقعها من معادلة القوة في الإقليم، وبقدرتها على حماية ما تعتبره سيادتها في لحظة إعادة رسم غير معلنة للخرائط السياسية.
اللافت اليوم، وبهدوء نسبي لكنه واضح، أن جزءاً من السلطة السياسية في لبنان يميل نحو خيار التفاوض المباشر، كمسار يبدو أكثر قابلية للتسويق دولياً، وأقل كلفة على مستوى الصورة الخارجية. لكن هذا الخيار، حين يُنظر إليه من زاوية الداخل اللبناني، يفتح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات.
ليس لأن التفاوض بحد ذاته إشكال، فالدول كلها تتفاوض، بل لأن التفاوض هنا يُطرح في سياق غير مكتمل داخلياً، وسط انقسام واضح حول المرجعية، وحول من يمتلك فعلياً عناصر القوة التفاوضية على الأرض.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن "المقاومة" — بصرف النظر عن الجدل السياسي حولها — أصبحت، خلال العقود الماضية، جزءاً من معادلة الردع التي حكمت العلاقة مع إسرائيل، وفرضت واقعاً ميدانياً لا يمكن شطبه من الحسابات الإقليمية. من وجهة نظر مؤيديها، هي لم تكن مجرد تنظيم عسكري، بل عنصر قوة ساهم في تغيير قواعد الاشتباك، وفرض معادلات مختلفة في لحظات مفصلية، خصوصاً في ما يتعلق بوقف التوغل الإسرائيلي أو كبح اندفاعه المباشر داخل العمق اللبناني.
هذا لا يعني أن النقاش حول الدولة ومؤسساتها غير مشروع، بل العكس، هو نقاش أساسي. لكن الإشكالية تظهر عندما يُبنى المسار التفاوضي على افتراض أن القوة يمكن استبدالها بسهولة بالمؤسسات، في وقت لا تزال فيه هذه المؤسسات نفسها تعاني من هشاشة بنيوية، سواء على مستوى القرار أو على مستوى القدرة التنفيذية.
لبنان، في هذه اللحظة تحديداً، لا يعيش فقط أزمة خيارات سياسية، بل أزمة تعريف لمفهوم القوة داخل الدولة نفسها. من يملك القدرة على التفاوض؟ ومن يحدد سقف هذا التفاوض؟ وهل يمكن لأي دولة، في موقع جغرافي مثل لبنان، أن تدخل مفاوضات حساسة من دون أن تكون لديها أوراق قوة فعلية، لا مجرد أوراق قانونية أو سياسية؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر حساسية عندما نضيف إليها البعد الداخلي. فليس هناك، حتى اللحظة، إجماع لبناني فعلي حول الذهاب إلى مفاوضات مباشرة بالشكل المطروح. هناك انقسام سياسي واضح، لكنه ليس انقساماً تقنياً، بل انقسام حول مفهوم السيادة نفسه، وحول أدوات حمايتها.
في هذا الفراغ، يظهر القلق الأساسي: أن تتحول خطوة التفاوض إلى مسار يُدار خارج توازنات الداخل، أو بمعزل عن القوى التي ما زالت، عملياً، تشكل عنصر الردع الوحيد القائم على الأرض. وهنا تحديداً يكمن جوهر الإشكال، وليس في فكرة التفاوض بحد ذاتها.
الأخطر أن هذا المسار يتزامن مع مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتداخل ملفات الطاقة، وترسيم الحدود، وإعادة توزيع النفوذ في شرق المتوسط. وفي مثل هذه اللحظات، لا تتحرك الدول عادة بوصفها كيانات قانونية فقط، بل بوصفها مزيجاً من القوة، والاقتصاد، والقدرة على فرض الوقائع.
من هنا، يصبح السؤال اللبناني أكثر تعقيداً: هل الدخول في مفاوضات مباشرة في ظل غياب إجماع داخلي، ومع تراجع واضح في التوازنات السياسية، هو تعزيز لموقع الدولة، أم أنه، من حيث لا يُقصد، يضعف قدرتها التفاوضية؟
الجواب ليس بسيطاً، لكنه يميل إلى أن أي تفاوض لا يستند إلى توازن قوة داخلي واضح، يتحول سريعاً إلى تفاوض تحت ضغط الواقع، لا إلى تفاوض من موقع إدارة هذا الواقع.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال أن قوة لبنان، تاريخياً، لم تكن فقط في مؤسساته الرسمية، بل في التوازن الدقيق بين هذه المؤسسات وبين عناصر القوة غير التقليدية التي نشأت بفعل الصراع مع "إسرائيل". هذا التوازن، سواء تم الاتفاق عليه سياسياً أو لا، شكّل في مراحل عديدة عامل ردع فعلي، منع انهيارات أكبر، وفرض نوعاً من الاستقرار القسري في لحظات كانت فيها المنطقة أكثر اشتعالاً مما هي عليه اليوم.
وعليه، فإن أي مقاربة مستقبلية للمفاوضات لا يمكن أن تُبنى على إلغاء أحد عناصر القوة القائمة، قبل إعادة بناء توازن داخلي واضح حول بدائلها. وإلا فإن الدولة، بدل أن تدخل التفاوض وهي تمتلك أدوات ضغط، قد تجد نفسها في موقع المتلقي لشروطه.
في الخلاصة، لبنان لا يحتاج فقط إلى قرار بالتفاوض أو عدمه، بل إلى إعادة تعريف شاملة لمفهوم القوة داخله. من دون هذا التعريف، تبقى كل الخيارات، مهما بدت تقنية أو سيادية في ظاهرها، معرضة لأن تتحول إلى انعكاس مباشر لاختلال الموازين، لا إلى أداة لإعادة تصحيحها.
وهنا بالضبط، يبدأ النقاش الحقيقي، وليس عند عتبة القرار.
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




