عاجل | بنت جبيل تتحول إلى مقبرة للاندفاعة الإسرائيلية ومعركة استنزاف مفتوحة
عاجل | بنت جبيل تتحول إلى مقبرة للاندفاعة الإسرائيلية ومعركة استنزاف مفتوحة
تتحوّل معركة بنت جبيل تدريجياً إلى نموذجٍ كلاسيكي لحروب الاستنزاف المعقّدة، حيث يتقاطع الميدان العسكري مع رهانات السياسة، ويتبدّد وهم الحسم السريع أمام صلابة المقاومة التي أعادت تعريف قواعد الاشتباك داخل بيئة حضرية قاسية. فبعد أكثر من أربعين يوماً من القتال، لم يعد المشهد مجرد توغّل عسكري، بل صراع إرادات مفتوح، تفرض فيه المقاومة إيقاعها وتُغرق الجيش الإسرائيلي في مستنقع ميداني متشابك.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن جيش الاحتلال، رغم دفعه بخمسة ألوية وآلاف الجنود ومحاولته فرض حصار متعدد المحاور على بنت جبيل، لم يتمكن من تحقيق اختراق حاسم. بل على العكس، وجد نفسه أمام مقاومة شرسة تخوض القتال من مسافة صفر، في اشتباكات مباشرة داخل الأزقة والمنازل، حيث تتلاشى أفضلية التكنولوجيا لصالح الإرادة والخبرة القتالية. وقد أقرت وسائل إعلام إسرائيلية بأن المعارك تدور أحياناً على مسافات لا تتجاوز عشرين متراً، في مشهد يعكس حجم التورط الميداني وتعقيداته.
في هذا السياق، لا تدير المقاومة المعركة كحالة دفاعية تقليدية، بل كمنظومة قتال متكاملة تجمع بين الصمود والهجوم، وتتحرك وفق قيادة وسيطرة مترابطة تُبقي الجبهات متصلة وتمنع العدو من عزل أي محور. فمحاولات التطويق، رغم كثافتها، لم تفضِ إلى انهيار داخلي، بل واجهت دفاعاً دائرياً محكماً، حافظ على تماسك المدينة وحيويتها القتالية.
ويبرز في هذا الإطار اعتماد المقاومة على تكتيكات عالية المرونة، أبرزها "الكر والفر" واستدراج القوات الإسرائيلية إلى مناطق قاتلة، حيث تتحول إلى أهداف مباشرة للكمائن والعبوات الناسفة. هذا النمط القتالي لم يكتفِ بإبطاء التقدم الإسرائيلي، بل حوّله إلى عبء استنزافي ثقيل، أجبر العدو على التقدم بحذر شديد، والاعتماد المتزايد على الوسائل غير المأهولة والاستطلاع بالنار بدلاً من الزج بالمشاة.
ولم تكتفِ المقاومة بتحصين الداخل، بل وسّعت دائرة الاشتباك عبر عمليات تعرضية دقيقة استهدفت نقاط الحشد والتجمعات العسكرية، ما حرم الجيش الإسرائيلي من بناء زخم هجومي متواصل. كما ترافقت هذه العمليات مع إسناد ناري كثيف بالصواريخ والمسيّرات، التي استهدفت العمق التكتيكي للعدو، وأبقت الجبهة الشمالية تحت ضغط دائم، في اعتراف إسرائيلي واضح بفشل العمليات البرية في وقف النيران أو تأمين عودة المستوطنين.
على مستوى أوسع، تكشف المعركة عن أزمة استراتيجية لدى الجيش الإسرائيلي، تتجلى في فشله في تحقيق أهدافه الأساسية. فقد عجز عن عزل بنت جبيل عن محيطها، سواء من جهة القطاع الغربي أو الأوسط، رغم محاولاته التقدم عبر محاور القوزح وعيترون ووادي السلوقي. كما لم يتمكن من تجاوز عمق توغل محدود لم يتخطَّ في أقصى حالاته ثمانية كيلومترات، ما يعكس سقفاً ميدانياً منخفضاً مقارنة بحجم الحشد العسكري.
هذا الفشل لم يكن تكتيكياً فحسب، بل أصاب جوهر الرؤية العملياتية للعدو، ولا سيما فكرة إنشاء واقع جغرافي مترابط على طول الحدود. فغياب السيطرة على بنت جبيل يعني عملياً استحالة الربط بين القطاعين الغربي والشرقي، ما يُسقط أي إمكانية لإعادة إنتاج "حزام أمني" مستقر، ويُبقي الجبهة مفتوحة على احتمالات الاستنزاف الطويل.
في المقابل، اعتمد الاحتلال سياسة الأرض المحروقة، عبر قصف مكثف وتدمير واسع للبنية التحتية، في محاولة لكسر البيئة الحاضنة للمقاومة. إلا أن هذا النهج، رغم عنفه، لم يحقق هدفه في شل القدرات القتالية، بل ساهم في تعميق حالة الاستنزاف، خاصة مع استمرار الضربات الصاروخية والمسيّرة التي طالت العمق الإسرائيلي وأربكت منظوماته الدفاعية.
أما على المستوى النفسي والإعلامي، فتظهر فجوة واضحة بين الخطاب الإسرائيلي والواقع الميداني. ففي حين يحاول العدو تسويق إنجازات محدودة، تعترف تقاريره نفسها بعدم وجود حسم عسكري في الأفق، وباستمرار قدرة المقاومة على المبادرة والسيطرة النارية. هذه المفارقة تعكس مأزقاً مركباً، حيث تتحول المعركة من محاولة حسم سريع إلى مواجهة مفتوحة تُدار تحت ضغط الزمن.
وتكتسب بنت جبيل في هذا السياق بعداً يتجاوز الميدان، لتتحول إلى رمز استراتيجي ومعنوي. فصمودها، رغم الحصار والتدمير، يشكّل ضربة مباشرة لهيبة الجيش الإسرائيلي، ويعيد إنتاج صورة الإخفاق في مواجهة بيئة مقاومة متجذرة. كما أن استمرار عمل مراكز القيادة والسيطرة داخلها يؤكد أن المقاومة لم تفقد توازنها، بل عززت قدرتها على إدارة المعركة بفعالية عالية.
في المحصلة، تتجه معركة بنت جبيل نحو ترسيخ نمط استنزاف طويل الأمد، حيث يفشل العدو في فرض شروطه رغم تفوقه الناري، فيما تنجح المقاومة في تحويل كل تقدم إلى كلفة، وكل محاولة اختراق إلى فخ. ومع مرور الوقت، تتراجع فرص الحسم الإسرائيلي، وتتعزز معادلة ميدانية جديدة قوامها: الصمود قوة، والاستنزاف سلاح، والزمن حليف من يعرف كيف يدير المعركة.
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




