




تم النشر بتاريخ 25/10/2026
|آخر تحديث: 18:50 (توقيت مكة)آخر تحديث: 18:50 (توقيت مكة)
في عام 2015، كانت إسراء في الحادية عشرة من عمرها تبيع السجائر مع والدها طارق في مدينة إزمير، بينما كانت العائلة تستعد لمغادرة تركيا في رحلة محفوفة بالمخاطر بحثا عن الأمان في ألمانيا، هربا من الحرب في سوريا. وقتها التقاها المخرجان عتاب عزام وجاك ماكينيس بالمصادفة أثناء عملهما على فيلم يوثّق رحلة اللاجئين إلى أوروبا.
لفتت الطفلة انتباههما بابتسامتها، وبدأت تتحدث معهما عن عالمها الصغير في الساحة التي تجمع اللاجئين والمهربين. وعندما عرف المخرجان أن إسراء وعائلتها يستعدون لخوض رحلة اللجوء إلى أوروبا، قررا مرافقتهم بالكاميرا وتوثيق الطريق إلى ألمانيا.
قصص مقترحة
قائمة مكونة من عنصرين نهاية القائمةلكن وصول الأسرة إلى وجهتها لم يكن نهاية الحكاية؛ فقد استمر المخرجان في تصوير حياتها بعد الاستقرار في ألمانيا، ليتحول المشروع من توثيق رحلة فرار من الحرب إلى متابعة إسراء وهي تكبر، وعائلتها وهي تواجه تحولات لم تكن في الحسبان، على مدى عشر سنوات.
واليوم، بعد عشر سنوات من اللقاء الأول، تخرج حكاية إسراء إلى الجمهور عبر الفيلم الوثائقي “One in a Million” (واحدة من مليون)، الذي تتصدر إسراء بطولته، وتبدأ دور السينما عرضه في 6 نوفمبر/تشرين الثاني. فماذا حلّ بالطفلة التي التقاها المخرجان في شوارع إزمير؟
لقاء عابر صار حكاية عشر سنوات
في ساحة “باسمانه” بإزمير، حيث كان اللاجئون يلتقون بالمهربين لترتيب عبورهم إلى أوروبا، ظهرت إسراء بين حشود معظمها من الرجال. كانت، بحسب ما ترويه عتاب عزام في حديثها إلى “ذا تايمز” (The Times)، كثيرة الكلام، تعرف الموجودين في الساحة، وتبدي فضولا تجاه الكاميرا.
وكان المخرجان قد وصلا إلى تركيا ضمن مشروع وثائقي تموله هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن رحلة اللاجئين، وكان كثير منهم من السوريين. لم يكن هدفهما في البداية سوى توثيق الطريق الذي تسلكه العائلات بحثا عن الأمان، لكنهما وجدا في إسراء وعائلتها قصة لا تنتهي عند عبور الحدود.
رافق المخرجان إسراء ووالديها طارق ونسرين وأشقاءها الثلاثة في رحلة بدأت بعبور البحر على متن قارب مطاطي إلى إحدى الجزر اليونانية. ثم واصلت الأسرة طريقها عبر أوروبا بالحافلات والقطارات وسيرا على الأقدام، ونام أفرادها في خيام تحت المطر والبرد، حتى وصلوا إلى مدينة كولونيا الألمانية.
هناك، كان من الممكن أن ينتهي الفيلم الأول. لكن المخرجين واصلا زيارة الأسرة، وتشاركا معها الطعام والقصص، وراقبا محاولاتها التأقلم مع الحياة في بلد جديد. كانت الأسرة لا تزال تشعر بالتوتر أمام مجتمع مختلف عنها، وساعدت عتاب، السورية التي تعرف تجربة الانتقال، وماكينيس، الذي يتحدث الألمانية، على تقريب المسافة بينها وبين محيطها الجديد.
وبحسب ماكينيس، تزامنت هذه المرحلة مع تصاعد الجدل بشأن اللاجئين في أوروبا، ومع نقاشات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقد لاحظ فجوة بين الخطاب العام عن اللاجئين والحياة اليومية للعائلة التي عرفها، فقرر مواصلة التصوير كي يروي ما لا تظهره النقاشات السياسية عادة: حياة أشخاص يحاولون البدء من جديد.
حياة جديدة.. وخلافات قديمة
مع مرور السنوات، لم تعد الكاميرا تلاحق رحلة إسراء من بلد إلى آخر، بل أصبحت تسجل تغيراتها الشخصية. تعلمت الألمانية وذهبت إلى المدرسة وانتقلت من الطفولة إلى المراهقة، بينما بدأت علاقتها بوالدها تتبدل.
وواجه الأب طارق صعوبة في تقبل استقلال النساء داخل أسرته، ولا سيما زوجته نسرين، التي يرصد الفيلم تحولها من شخصية أقل حضورا إلى امرأة أكثر استقلالا. ومع تغير أدوار أفراد الأسرة، تصاعدت الخلافات بينهم، وبدت الحياة التي يحاولون بناءها في ألمانيا مهددة بالتفكك.
لكن الفيلم لا يعرض هذه التوترات بوصفها خلافا عائليا منفصلا عن الماضي. وتروي المخرجة عتاب أن طارق تعرض للعنف على يد والده في سوريا، وأنه اعتُقل خمس مرات في عهد نظام بشار الأسد. وتقول إنه نشأ على تصورات تربط الرجولة بالسيطرة على المرأة، وتعد ضرب الأطفال وسيلة لتأديبهم.
لم تختف آثار تلك التجارب بمجرد انتقال الأسرة إلى ألمانيا؛ بل اصطدمت بتصورات اجتماعية وقانونية مختلفة، وبأبناء يكبرون في بيئة جديدة ويكتسبون أفكارا واستقلالا لم يألفهما والدهم.
ومع هذه التحولات، يبتعد الفيلم عن الصورة المعتادة للاجئين التي تركز على لحظة الفرار والوصول، ليتابع ما يحدث بعد ذلك: كيف تتغير العلاقات داخل الأسرة؟ وماذا يحدث حين يبدأ الأبناء في بناء حياتهم وفق مجتمع يختلف عن المجتمع الذي نشأ فيه آباؤهم؟
من طفلة لاجئة إلى أم لطفلين
إسراء اليوم في الثانية والعشرين، متزوجة وأم لطفلين، وتعيش بالقرب من كولونيا. وتعمل على تحسين لغتها الألمانية أملا في الحصول على وظيفة في المكاتب الحكومية.
ومن التفاصيل التي تكشف حجم التغير في حياتها، أنها تزوجت الرجل الذي أحبته، وتقول إنها لو بقيت في سوريا لكان زواجها مرتبا.
أما علاقتها بالمخرجين، فلم تتوقع أن تستمر عشر سنوات حين التقت بهما للمرة الأولى. وتوضح أن التصوير امتد تدريجيا، فلم تشعر بأنه اقتحام لحياتها؛ إذ كانت مرتاحة معهما، وتستطيع اختيار ما تشاركه أمام الكاميرا، بل كانت تتواصل معهما عندما ترغب في توثيق شيء من حياتها.
وكان الاتفاق الأولي أن ينتهي الفيلم عندما تبلغ الثامنة عشرة. لكن أحداثا لاحقة، بينها سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، دفعت المخرجين إلى مواصلة العمل.
وتقول إسراء إنها أرادت أن تُروى قصتها كما عاشتها، من دون التلاعب بالأحداث أو تحميل والدها أو والدتها وحدهما مسؤولية ما جرى داخل الأسرة. وبحسب عتاب، ساعدت سنوات الثقة التي نشأت بين الطرفين على الوصول إلى هذه الدرجة من الصراحة؛ فقد أصبحت الكاميرا مألوفة داخل المنزل، حتى إن أفراد الأسرة كانوا ينسون وجودها أحيانا.
عشر سنوات من التصوير.. وعودة إلى حلب
مع امتداد التصوير، لم تعد الحكاية تتعلق بإسراء وحدها؛ فقد تغيرت حياة والديها أيضا، وأصبح الفيلم صورة لعائلة تتبدل علاقتها بنفسها وبالمكان الذي تعيش فيه.
ويفتتح الفيلم بعودة إسراء إلى حلب لزيارة منزلها، بعدما أتاح سقوط نظام الأسد فرصة العودة إلى المدينة التي غادرتها طفلة. وبعد سنوات من بناء حياة في ألمانيا، تعود إلى المكان الذي بدأت منه قصتها، لكن العودة لا تعني بالضرورة استعادة الحياة القديمة؛ فإسراء التي تصل اليوم ليست الطفلة التي غادرت قبل سنوات.
ما الذي بقي من الطفلة التي التقياها؟
يرى المخرج ماكينيس أن الفيلم يتجاوز قصة اللجوء إلى تجربة إنسانية أوسع: النمو والتغير، والعلاقة بالوالدين والصعوبات التي تظهر حين يبدأ الأبناء في بناء حياة مستقلة. فالمشاهد لا يرى إسراء في لحظة واحدة، بل يرافقها وهي تكبر، ويتابع كيف تتبدل أحلامها وعلاقاتها وخياراتها.
وبعد عشر سنوات من التصوير، لم تعد إسراء تلك الطفلة التي لفتت انتباه مخرجين في ساحة بإزمير. أصبحت أما شابة، وتعود إلى حلب لزيارة منزلها، فيما تستمر حياتها في ألمانيا.
بدأت القصة بطفلة تبيع السجائر إلى جانب والدها، ولقاء لم يكن مخططا له. أما اليوم، فيخرج الفيلم إلى الجمهور حاملا عشر سنوات من حياة إسراء وعائلتها، ليكشف أن رحلة اللجوء لا تنتهي بالوصول إلى بر الأمان؛ فهناك حياة كاملة تبدأ بعد ذلك، بما فيها من تغيرات وخلافات وأسئلة عن الوطن والانتماء.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.aljazeera.net بتاريخ: 2026-10-25 15:46:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





