عاجل | جي دي فانس بين إعادة تشكيل الحزب الجمهوري والسياسة الأمريكية بعد ترامب
عاجل | جي دي فانس بين إعادة تشكيل الحزب الجمهوري والسياسة الأمريكية بعد ترامب
شهدت السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حالة من الثبات النسبي في المبادئ العامة التي حكمت علاقة الولايات المتحدة بحلفائها الاستراتيجيين، وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني. فعلى الرغم من اختلاف الإدارات الجمهورية والديمقراطية في أساليب إدارة الأزمات الدولية، ظل الدعم الأمريكي للكيان يمثل أحد أكثر الملفات التي حظيت بإجماع واسع داخل المؤسسات السياسية الأمريكية، سواء في البيت الأبيض أو الكونغرس أو مراكز صنع القرار أو جماعات الضغط السياسية والاقتصادية. وقد تشكل هذا الإجماع عبر عقود طويلة نتيجة تداخل اعتبارات استراتيجية وعسكرية وأمنية وأيديولوجية وانتخابية، جعلت من العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية إحدى أكثر العلاقات الدولية استقراراً.
غير أن السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ صعود الرئيس ترامب وتبلور تيار أمريكا أولا، أظهرت مؤشرات متزايدة على حدوث تحولات فكرية داخل الحزب الجمهوري نفسه بشأن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. فبعد أن كان الخلاف التقليدي يتمحور بين الجمهوريين والديمقراطيين حول وسائل إدارة القوة الأمريكية، بدأ الانقسام ينتقل إلى داخل الحزب الجمهوري ذاته، بين تيار محافظ تقليدي يرى ضرورة استمرار الدور الأمريكي العالمي والمحافظة على التحالفات التقليدية، وبين تيار قومي جديد يركز على إعادة تعريف مفهوم المصلحة القومية الأمريكية، ويطالب بإعطاء الأولوية للداخل الأمريكي، وتقليص الانخراط في الحروب الخارجية، وعدم ربط القرار الأمريكي بصورة تلقائية بأولويات الحلفاء مهما بلغت أهمية تلك التحالفات.
وفي قلب هذا التحول برز اسم جي دي فانس الذي انتقل خلال فترة زمنية قصيرة من كاتب ومفكر محافظ إلى عضو في مجلس الشيوخ، ثم إلى نائب لرئيس الولايات المتحدة، ليصبح أحد أكثر الشخصيات تأثيراً داخل الإدارة الأمريكية الجديدة. ولا تقتصر أهمية فانس على موقعه الدستوري كنائب للرئيس، بل تنبع من كونه يمثل جيلاً جديداً من المحافظين الأمريكيين الذين تشكل وعيهم السياسي بعد إخفاقات العراق وأفغانستان، وما ترتب عليها من مراجعات عميقة لفكرة التدخل العسكري الأمريكي في الخارج، وللدور الذي ينبغي أن تؤديه الولايات المتحدة في النظام الدولي.
وتكتسب شخصية فانس أهمية استثنائية لأنها تمثل، بالنسبة لكثير من الباحثين، محاولة لإعادة صياغة العقيدة السياسية لتيار أمريكا اولا في مرحلة ما بعد دونالد ترامب. فالرجل لا يطرح مجرد مواقف ظرفية مرتبطة بأزمات الشرق الأوسط، وإنما يقدم تصوراً متكاملاً يقوم على أن معيار استخدام القوة العسكرية يجب أن يكون مرتبطاً بالمصلحة الوطنية الأمريكية المباشرة، وليس بالحفاظ على أنماط التدخل التقليدية أو الاستجابة التلقائية لمطالب الحلفاء. ومن هنا أصبحت تصريحاته المتعلقة بالحرب في الشرق الأوسط، وبالعلاقة مع الكيان المؤقت، وبالتعامل مع إيران، موضع متابعة دقيقة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
لقد كشف نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس أن بعض المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية يسعون إلى عرقلة المفاوضات الأميركية مع إيران بهدف إبقاء الحرب مستمرة إلى أجل غير مسمى. وأوضح فانس إن لديه "يقيناً" بأن هناك أشخاصاً داخل الحكومة الإسرائيلية يحاولون صرف الإدارة الأميركية عن مسار التفاوض لأنهم يريدون مواصلة الحملة العسكرية، مضيفاً: "هناك أشخاص داخل حكومتهم، ونحن على يقين تام، يتلاعبون بالرأي العام الأميركي ويحاولون تغييره لإبقاء الحرب مستمرة إلى أجل غير مسمى، وليس لتحقيق أي هدف، بل لمجرد استمرار الحرب". ومن دون أن يسمي إسرائيل صراحة في هذا السياق، أشار فانس أيضاً إلى وجود "حملة نفوذ أجنبية سرية للغاية وممولة بسخاء" تهدف إلى إفشال الاتفاق النووي مع إيران. ووصف فانس نفسه بأنه "معتدل عقلاني" في الجدل الدائر داخل الولايات المتحدة بين مؤيدي إسرائيل ومعارضيها. وفي الشق المتعلق بالأوضاع العسكرية، شدّد نائب الرئيس الأميركي أن قصف إيران لن يضمن تأمين الملاحة في مضيق هرمز، قائلاً: "يمكنكم قصفهم، ويمكنكم تدمير راداراتهم وبعض طائراتهم المسيّرة وصواريخهم، لكن من السهل جداً استهداف السفن في المضائق، لذلك يجب أن تكونوا مستعدين للحوار ومحاولة إيجاد حل للمشكلة". من جهة أخرى، أوضح فانس إن جيفري إبستين كان جزءاً من جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد"، مدعياً أن والدته كانت على صلة بمستويات عليا في الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية.
وقد تصاعد الاهتمام بشخصية فانس بصورة غير مسبوقة عقب سلسلة من التصريحات التي شدد فيها على أن الولايات المتحدة يجب أن تتخذ قراراتها وفقاً لمصالحها الوطنية أولاً، وأن دعم الحلفاء لا يعني بالضرورة التطابق الكامل في الرؤى أو الأهداف. ورغم تأكيده المتكرر على أهمية التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، فإن خطابه حمل نبرة مختلفة عن الخطاب الجمهوري التقليدي، إذ أظهر استعداداً أكبر للتمييز بين دعم أمن الكيان من جهة، ورفض انخراط الولايات المتحدة في صراعات إقليمية لا تحقق، في تقديره، مصلحة أمريكية مباشرة من جهة أخرى.
وقد أثارت هذه المواقف ردود فعل واسعة داخل الولايات المتحدة. فبينما اعتبرها أنصار تيار أمريكا اولا تعبيراً عن مراجعة ضرورية للسياسة الخارجية الأمريكية بعد عقود من الحروب المكلفة، رأى فيها عدد من المحافظين التقليديين والمانحين المؤيدين للكيان المؤقت خروجاً على أحد الثوابت التاريخية للحزب الجمهوري. كما أثارت هذه التصريحات نقاشاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، حيث طُرحت تساؤلات حول ما إذا كانت تعكس مجرد اختلاف في الأسلوب، أم أنها تمثل بداية تحول أعمق في طريقة نظر الجيل الجمهوري الجديد إلى طبيعة العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب.
أما داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، فقد تابعت هذه المواقف بعداً سياسياً جديداً للنقاش حول كيفية إدارة التحالفات الأمريكية. فمن جهة، يحتاج ترامب إلى الحفاظ على تماسك ائتلافه الانتخابي الذي يضم قاعدة واسعة من أنصار أمريكا اولا الداعين إلى تقليص التدخلات الخارجية، ومن جهة أخرى لا يستطيع تجاهل الوزن السياسي والانتخابي للمؤسسات والجماعات المؤيدة للكيان، التي ما زالت تحتفظ بنفوذ مؤثر داخل الحزب الجمهوري والكونغرس وشبكات التمويل السياسي. ومن ثم، فإن أي اختلاف في النبرة أو الأولويات بين الرئيس ونائبه لا يُقرأ فقط باعتباره مسألة شخصية، بل بوصفه انعكاساً لصراع أوسع حول مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية.
وتزداد أهمية هذه الإشكالية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، حيث أصبحت السياسة الخارجية، وعلى وجه الخصوص ملفات الشرق الأوسط وإيران والكيان الصهيوني المؤقت، جزءاً من التنافس الداخلي على قيادة الحزب الجمهوري في مرحلة ما بعد ترامب. ويطرح ذلك تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت مواقف فانس تمثل استراتيجية انتخابية تهدف إلى توسيع قاعدة تيار أمريكا اولا، واستقطاب الناخبين المترددين، أم أنها تعكس تحولاً فكرياً طويل الأمد قد يعيد رسم التوازنات داخل الحزب الجمهوري ويؤثر في شكل العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية خلال السنوات القادمة.
وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الورقة أدناه، إلى تقديم قراءة تحليلية شاملة لشخصية جي دي فانس، ولمواقفه المعلنة تجاه الكيان وإيران والحروب الخارجية، مع تحليل ردود الفعل التي أثارتها داخل إدارة ترامب، وداخل الحزب الجمهوري، وفي الأوساط الإسرائيلية، وبين جماعات الضغط المؤيدة "لإسرائيل"، وصولاً إلى تقييم ما إذا كانت هذه المواقف تمثل تحولاً هيكلياً في الفكر المحافظ الأمريكي، أم أنها تظل جزءاً من إعادة التموضع السياسي التي تفرضها الحسابات الانتخابية والظروف الدولية الراهنة.
لتحميل الدراسة من هنا
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




