صحافة

لماذا يكثّف الاحتلال التسريبات عن حرب وشيكة في ساحات المنطقة؟

لماذا يكثف

تتزايد في الآونة الأخيرة التسريبات الإسرائيلية عن استعداد جيش الاحتلال لتنفيذ عمليات عسكرية جديدة في ساحات متعددة من المنطقة. آخرها ما نقلته صحيفة “معاريف” عن تقديرات عسكرية تشير إلى احتمال شن عملية في إحدى الساحات الممتدة من باب المندب وغزة إلى الضفة الغربية والقنيطرة وجنوب لبنان، بالتزامن مع تعليمات برفع الجاهزية أمام “سيناريوهات وشيكة”.

لا تعني هذه التسريبات، بحد ذاتها، أن قرار فتح جبهة جديدة قد اتُّخذ. لكن تكرارها واتساع نطاق الساحات التي تشملها يطرحان سؤالاً يتجاوز احتمال العملية العسكرية نفسها فلماذا تدفع المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية بهذا الكم من الأخبار عن حرب محتملة في هذه المرحلة تحديداً؟ وهل يجري التمهيد لعمل عسكري، أم أن التسريبات تؤدي وظيفة تتصل بالردع والحرب النفسية والانتخابات المقبلة؟

يُستخدم الإعلام الإسرائيلي في أوقات التصعيد كجزء من البيئة التي تسبق العمليات العسكرية، سواء عبر تسريب تقديرات أمنية أو الحديث عن رفع الجاهزية أو الإشارة إلى معلومات استخبارية. وقد تكون وراء بعض هذه التسريبات تحضيرات عملياتية فعلية، لكن نشرها بهذه الطريقة لا يكون موجهاً إلى الجبهات المعادية للاحتلال وحدها. لأن هذه الرسائل تصل أيضاً إلى المستوطنين والمجتمع الإسرائيلي، لتظهر أن جيش الاحتلال يتابع المخاطر ويستعد لها وإن المؤسسة الأمنية تملك خيارات للرد.

هذا البعد مهم في ظل تعدد الساحات التي يواجه فيها الاحتلال تحديات أمنية وعسكرية. حيث يرى أنه وبدلاً من حصر التهديد في جبهة واحدة، يجري إبراز احتمال التحرك في ساحات متباعدة جغرافياً. ومن شأن ذلك إبقاء كل الأطراف في حالة ترقب. في ظل صعوبة تحديد ما إذا كانت المعلومات المنقولة والمروج لها تعكس قراراً عملياتياً فعلياً أم محاولة للإرباك.

لكن العامل السياسي الداخلي الإسرائيلي لا يمكن فصله عن هذه الصورة، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. فالانتخابات المقبلة ستجري في بيئة أمنية تشكل فيها الحرب والقدرة على إدارة الجبهات عناصر أساسية في المنافسة السياسية.  لذلك، فإن إبقاء احتمال الحرب حاضراً في الإعلام العبري يخدم، بصورة غير مباشرة، القوى التي تريد تقديم نفسها باعتبارها الأقدر على إدارة المواجهة. ولا يعني ذلك أن هذا كله تسريب لخدمة الهدف الانتخابي، فالتهديدات الموجودة في المنطقة حقيقية، والتحضيرات العسكرية حقيقية أيضاً. لكن طريقة اختيار التوقيت، وحجم التسريب، واتساع نطاق الساحات التي يجري الحديث عنها، كلها عناصر قابلة للتوظيف السياسي.

وقد يكون للانتخابات تأثير آخر أكثر تعقيداً. فالحساب الانتخابي لا يدفع بالضرورة إلى حرب شاملة، بل قد يشجع على عملية محدودة يمكن تقديمها “كإنجاز” لصالح حكومة نتنياهو، مع تجنب كلفة مواجهة طويلة وغير مضمونة النتائج. وهذا يجعل احتمال تنفيذ ضربة محددة أو عملية اغتيال أو توسيع عمل عسكري قائم أكثر قابلية للحساب السياسي من الدخول في حرب مفتوحة لا يمكن ضمان مسارها.

في المقابل، لا ينبغي افتراض أن الاحتلال يملك السيطرة الكاملة على مسار التصعيد. حيث أثبتت التجارب الأخيرة أن الضربة التي تبدأها “إسرائيل” تنتج مساراً لا تستطيع وحدها التحكم في نهايته، خصوصاً مع تعدد ساحات المواجهة. ولذلك فإن وجود مصلحة سياسية في إظهار القوة لا يعني أن قيادة الاحتلال ستختار بالضرورة الحرب الواسعة.

لذا تكتسب الإشارة المتكررة إلى ساحات مختلفة وبعيدة عن بعضها أهمية خاصة. خصوصا بعد ذكر غزة والضفة وجنوب لبنان والقنيطرة وباب المندب كلها في نفس الخبر للإشارة إلى أن ساحة منها ستكون موضع التصعيد. وهذا يبدو أكثر كمحاولة لإظهار أن الاحتلال يحتفظ بخيارات واسعة، وأن بإمكانه الوصول إلى أي ساحة. وفي الوقت نفسه، تمنح هذه الصياغة الكيان هامشاً للمناورة؛ فإذا لم تقع الحرب في ساحة معينة، يمكن أن تبقى احتمالات الساحات الأخرى مفتوحة. لكن المؤشر الحاسم لا يمكن التقاطه من هذا الضخ الذي تقوم به وسائل إعلام الاحتلال.

في كل الحالات، يكشف ما يجري عن حاجة الاحتلال إلى إبقاء صورة قدرته على اتخاذ المبادرة في الحروب حاضرة في الوعي العام. فبعد سنوات من اتساع ساحات المواجهة دون نتائج واضحة، لم يعد كافياً بالنسبة إلى المؤسسة الإسرائيلية أن تقول إنها ترد على التهديدات؛ بل تسعى إلى إظهار أنها قادرة على اختيار الساحة والتوقيت وفرض إيقاع التصعيد.

قد تكون هناك عملية يجري الإعداد لها فعلاً، وقد تكون التسريبات جزءاً من حرب نفسية أوسع. لكن المؤكد أن تكثيفها في هذه المرحلة يخدم هدفاً مركباً أهمه تهيئة الجمهور الإسرائيلي لأي تصعيد، وإظهار صورة الأمن في قلب المشهد السياسي الإسرائيلي مع اقتراب الانتخابات. وربما التقاط إشارات عن مدى استعداد كل جبهة لأي حرب مقبلة.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى