عاجل | إيران توسّع معادلة الردع في الحرب الاقتصادية الشاملة أيضاً: الحصار بالحصار
عاجل | إيران توسّع معادلة الردع في الحرب الاقتصادية الشاملة أيضاً: الحصار بالحصار
لم يعد مضيق هرمز، وفق الرسالة التي حملها تصريح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في الجمهورية الإسلامية في إيران اللواء محسن رضائي، ورقة الضغط الاستراتيجية الوحيدة لدى الجمهورية الإسلامية في مواجهة العدوان الصهيوأمريكي عليها، بل هو جزء من معادلة اقتصادية وأمنية أوسع بكثير. فطهران توجّه تحذيرًا واضحًا إلى أمريكا وحلفائها وأتباعها في المنطقة: أي محاولة لتحويل الاقتصاد إلى ساحة حرب ضد إيران ستقابل برد لا يقتصر على الملاحة في المضيق، وإنما يمتد إلى منظومة تصدير النفط من المنطقة بأكملها.
وتكمن أهمية هذا التهديد في أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، عملت خلال العقود الماضية على تطوير بدائل تقلل اعتماد صادراتها النفطية على مضيق هرمز. ومن أبرز هذه البدائل مشروع خط أنابيب شرق-غرب السعودي المعروف باسم “بترولاين”، إضافة إلى خط أنابيب “حبشان-الفجيرة” الإماراتي، فضلًا عن مرافق وموانئ ومنشآت تصدير أخرى صُممت جزئيًا لتوفير قدر من المرونة أمام اضطراب الملاحة في الخليج.
لذا فإن اللواء رضائي من خلال تصريحه يحاول نقل النقاش إلى مستوى مختلف. فالمعادلة الإيرانية، كما يعرضها، لا تقوم على القول إن إغلاق هرمز هو الخيار الوحيد، بل أن أي حرب اقتصادية شاملة (كما تهدد الإدارة الأمريكية مؤخراً)، قد تدفع طهران إلى التعامل مع شبكة الطاقة الخليجية باعتبارها منظومة مترابطة. وبذلك تصبح محاولات الالتفاف على المضيق، من وجهة النظر الإيرانية، غير كافية وحدها لضمان استمرار تدفق النفط إذا تحولت المواجهة إلى حرب اقتصادية مفتوحة.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية تصريح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الجديد، فالجمهورية الإسلامية تريد تحذير خصومها بأن استخدام العقوبات والحصار الاقتصادي كسلاح لن يكون عملية أحادية الجانب. فإذا حاولت واشنطن خنق الاقتصاد الإيراني عبر منع صادرات النفط أو الضغط على الدول والشركات المتعاملة مع طهران، فإن إيران سترفع تكلفة هذه السياسة على البيئة الاقتصادية الإقليمية نفسها (أي حلفاء أمريكا الذين جعلوا بلادهم قواعد للعدوان الأمريكي ضد إيران والذين مارسوا سياسات سوء الجيرة ضدها منذ أكثر من 47 عاماً وربما حان الوقت لينالوا جزاء ما اقترفوه).
الحصار بالحصار
ومن هذه الزاوية، تبدو خطوط الأنابيب البديلة لمضيق هرمز ومسارات النقل البري جزءًا من معادلة الردع المتبادل. فقد أُنشئت هذه المشاريع أصلًا لتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية، لكنها لا تعني بالضرورة أن دول الخليج أصبحت محصنة بالكامل من تداعيات أي مواجهة إقليمية واسعة. فالطاقة الحديثة ليست مجرد أنبوب أو ميناء؛ إنها شبكة متكاملة تشمل الإنتاج والمعالجة والتخزين والنقل والتصدير والأسواق والتأمين والخدمات اللوجستي ومحطات الضخّ وغيرها.
وهذا ما يمنح التصريح الإيراني بعدًا جيواقتصاديًا يتجاوز الجانب العسكري. فطهران تقول عمليًا إن محاولة عزلها اقتصاديًا قد تؤدي إلى توسيع دائرة المخاطر بدل احتوائها. وإذا تحولت منطقة الخليج إلى ساحة صراع اقتصادي شامل، فإن تداعيات ذلك لن تتوقف عند إيران، بل قد تمتد إلى أسعار النفط، وأسواق الطاقة العالمية، وتكاليف النقل والتأمين، والاستثمارات، واستقرار اقتصادات الدول المصدرة والمستوردة للطاقة.
كما أن الرسالة موجهة إلى الدول الإقليمية نفسها. فقد شدد رضائي على أن الدول التي تتعاون مع الحرب الاقتصادية الأميركية ضد إيران قد تصبح، وفق الحسابات الإيرانية، جزءًا من المعادلة. وهنا تحاول طهران الفصل بين التعاون الاقتصادي الطبيعي وبين المشاركة المباشرة في سياسة حصارها، مع توجيه رسالة ردع إلى الحكومات التي قد ترى في التصعيد الأميركي فرصة للضغط على إيران.
وتتصل هذه الرسالة أيضًا بفكرة أوسع ظهرت في تصريحات المسؤولين الإيرانيين خلال السنوات الأخيرة، وهي أن أمن الطاقة في الخليج لا يمكن فصله عن الأمن السياسي والعسكري للمنطقة. فإذا أرادت أمريكا وحلفاؤها الاستفادة من الخليج باعتباره مصدرًا مستقرًا للطاقة، فإن استمرار الاستقرار يتطلب، من وجهة النظر الإيرانية، تجنب تحويل إيران إلى هدف لحرب اقتصادية شاملة.
وبذلك، فإن أبرز ما يكشفه تصريح رضائي ليس مجرد تهديد بإغلاق مضيق هرمز، وإنما محاولة لإعادة تعريف المعادلة: الحصار بالحصار ولا ينبغي افتراض أن الالتفاف على هرمز يعني الالتفاف على قدرات إيران العسكرية. وفي المحصلة، تتجاوز هذه المعادلة سؤال: “هل تستطيع إيران تعطيل هرمز؟”، ليصبح السؤال: “ما حجم التداعيات الاقتصادية التي قد تنتج عن الدخول في حرب اقتصادية شاملة مع إيران؟”.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




