عاجل عاجل | مانشيت إيران: مستقبل وقف إطلاق النار.. جهود الوسطاء بين واشنطن وطهران تنتقل من السياسة للأمن
ثقافة

عاجل | ضباب فكري في عتمة الحرب

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | ضباب فكري في عتمة الحرب
في لبنان الذي يعيش على إيقاع الحرب والقلق الدائم، لم تعد آثار العنف تقتصر على الدمار المباشر، بل امتدّت إلى الأجساد والعقول. بين القصف والخوف وانسداد الأفق، يتحوّل التوتر المزمن إلى عبء بيولوجي ونفسي ينعكس ضباباً فكرياً، واضطرابات صحية صامتة، وأشكالاً خفيّة من الاستنزاف اليومي. تشعر بتعب، أو أرق، أو قلة في التركيز، من دون سبب واضح؟ لست مريضاً بالمعنى التقليدي، لكنك تعيش تحت سماء تهدر بالقذائف والمسيّرات، وتعاني القلق على الأهل أو الشعور بانسداد الأفق. في علم النفس العصبي المناعي، هذا النوع من الخوف، حين يطول، لا يبقى مجرد إحساس عابر، بل يتحول إلى خلل متدرّج داخل الجسد.

ليس مجرد ضباب

أكثر ما يشكو منه الذين يعيشون تحت التوتر الدائم هو ما نسميه «الضباب الفكري». استعارة تُستخدم لوصف حالات مثل «العقل المشوّش»، أو «الذاكرة الضائعة»، أو «التركيز الذي يتبخر»، أو حتى «الصعوبة في إنهاء جملة بسيطة». كثيرون يلاحظون ذلك في تفاصيل يومية عادية: نسيان موعد، أو إعادة طرح السؤال نفسه، أو فقدان خيط فكرة في منتصفها. هذا ليس كسلاً، ولا نقصاً في الذكاء، بل عوارض دماغ في حالة استنفار دائم. عند التعرّض للتوتر والخطر، تفرز الغدة الكظرية، وهي غدة صغيرة تقع فوق الكليتين، هرمون الكورتيزول المعروف بهرمون التوتر. ويتولّى الدماغ، عبر الوطاء والغدة النخامية، تنظيم إفرازه، ما يرفع مستوى الطاقة والتركيز بهدف النجاة الفورية. هذه آلية مفيدة، بل ضرورية. لكنها لم تُصمَّم لتستمر طويلاً. عندما يبقى مستوى الكورتيزول مرتفعاً لفترات طويلة، تبدأ آثاره السلبية بالظهور. إذ يؤثر في منطقة الحُصين في الدماغ، المسؤولة عن الذاكرة القصيرة المدى وتحويلها إلى ذاكرة طويلة المدى. ومع استمرار هذا الارتفاع، قد يحدث تراجع تدريجي في كفاءة هذه المنطقة، ما يفسّر ضعف الذاكرة وتشتّت التركيز. في النتيجة، يبقى «البال» مشغولًا بالبقاء على قيد الحياة، لا بالتحليل المنطقي أو بتذكّر التفاصيل اليومية. وهنا تبدأ الأمور بالتدحرج نحو الأسوأ. هذا الخلل لا يتوقف عند حدود الدماغ. فالكورتيزول، في الوقت نفسه، مُثبِّط عام للجهاز المناعي. بالتالي، ما يبدو كعارض ذهني عابر، قد يكون في الواقع جزءاً من خلل أوسع في قدرة الجسم على مواجهة المرض.

من الضباب إلى الالتهاب

تحت الضغط المزمن، يعيد الجسم ترتيب أولوياته عبر منظومة هرمونات التوتر. ترتفع مستويات الكورتيزول، فتُؤجَّل عمليات الصيانة، ويُستنزف التوازن الداخلي. ومع الوقت، يضعف الجهاز المناعي تدريجياً. هنا يظهر ما يُعرف بالالتهاب المزمن المنخفض الدرجة. ليس التهاباً حاداً كالذي يرافق العدوى ويظهر على شكل حمّى أو ألم مفاجئ، بل حالة صامتة تستمر في إيذائنا ببطء. ويمكن رصده عبر مؤشرات التهابية في الدم تبقى مرتفعة بشكل غير طبيعي، وإن لم تصل إلى مستويات الالتهاب الحاد. وهنا مكمن الخطر الحقيقي، إذ يرتبط هذا النوع من الالتهاب بسلسلة طويلة من الأمراض: من القلب والشرايين إلى السكري وأمراض المناعة الذاتية، وصولًا إلى السرطان واضطرابات الذاكرة والمزاج، عدا عن آثار جانبية مثل اضطراب الأيض، المؤدي إلى السمنة أو الضعف الشديد. الضباب الفكري، بهذا المعنى، ليس سوى الإشارة الأولى. ما يليه أقل وضوحاً، لكنه أخطر.

حياة في ظل التوتر الدائم

كل لبنان يعيش الحرب. في الجنوب، الحرب لم تتوقف. القصف مستمر، والغارات لا تنقطع، يرافقها طنين المسيّرات، أو «الزنّانة» كما يسميها الفلسطينيون. ليست مجرد طائرة، بل أداة حرب نفسية، رسالتها اليومية أنّ العدو ما زال هنا، وأنّ الخطر قائم. وفي أماكن أخرى، من بيروت إلى البقاع والضاحية وسواها، يصل الأثر بشكل مختلف، لكنه لا يغيب. الجهاز العصبي في حالة تأهّب دائم، والجسد يتصرّف على هذا الأساس: ضباب فكري كإشارة أولى، يتبعه الالتهاب المزمن، ثم تبدأ الأمراض بالظهور. هذا ليس استثناءً فردياً. فرغم الفروقات البسيطة بين الناس، تبقى أجسادنا جميعاً مبرمجة بيولوجياً لتقديم النجاة الفورية على أي شيء آخر. المشكلة أنّ هذه الاستجابة، حين تستمر، تتحوّل إلى عبء. فكلفة التأهّب الدائم تُقتطع من القدرة على التكيّف، وعلى ترميم ما يتضرر داخلنا.

المغترب ليس بعيداً

حتى من هم خارج المشهد، ليسوا خارجه فعلياً. فالمهاجرون اللبنانيون لا يعيشون الحرب مباشرة، لكنهم يتابعون أخبارها يومياً. القلق على الأهل، والشعور بانسداد الأفق، كافيان لإبقاء الجسد في حالة استنفار مستمرة. مجرد العيش داخل مجتمع يسير بإيقاع طبيعي، فيما يبقى فكرك معلّقاً بالحرب، يجعلك تشعر أحياناً بانفصال عن الواقع. حتى إنّ محاولة متابعة الحياة بشكل اعتيادي قد ترافقها مشاعر تشبه تأنيب الضمير. وذلك بحدّ ذاته عبء نفسي إضافي، وتوتر فوق توتر. الضباب الفكري يرافقهم أيضاً، جاعلاً الغربة أكثر قسوة. وتشير الأبحاث إلى أنّ التوتر المزمن، حتى غير المباشر، يترك أثراً فيزيولوجياً ملموساً داخل الجسد.

ما العمل؟

يعدّ التأثر بأحداث لا نملك قدرة فعلية على تغيير مسارها، من أكبر أسباب التوتر. لذلك، أول ما يمكن فعله هو تقليل التعرّض لمصادر الضغط قدر الإمكان. لا حلول مثالية في ظرف غير طبيعي. لكن، رغم صعوبة ذلك، يمكن الحدّ من المتابعة المفرطة للأخبار، والاكتفاء بملخصات للأحداث بدل الغرق في تفاصيلها طوال الوقت. ليس إنكاراً للواقع، بل محاولة لتنظيم العلاقة معه. ثم تأتي استعادة هامش من الفعل: مبادرات صغيرة، دعم متبادل، والحفاظ على إيقاع يومي ولو بالحد الأدنى. تظهر الدراسات أنّ الدعم الاجتماعي يخفّف فعلياً من مؤشرات الالتهاب ويحسّن الأداء الذهني. فالمبادرة، سواء أكانت فردية أم جماعية، تخفّف من عبء العجز، وبالتالي من التوتر المصاحب له. ومساعدة الآخرين تعزّز قدرة الجسد والعقل على التكيّف. في مجتمع كلبنان، وفي الجنوب خصوصاً، حيث ما زالت الروابط الاجتماعية قائمة رغم كل شيء، يشكّل ذلك عامل حماية حقيقياً من آثار التوتر المزمن.

قتل بصمت

يأخذ القتل المباشر حصته اليومية من الشهداء، لكن ضحايا التوتر لا يُسجَّلون في إحصاءات الحرب. فالناجون من جرائم العدو قد لا يكونون ناجين فعلاً. أجساد تعمل فوق طاقتها، وأدمغة تبقى في حالة تأهّب دائم، ومناعة تُؤجَّل وظيفتها الأساسية يوماً بعد يوم. إنها أضرار تتراكم ببطء، ثم تظهر لاحقاً على شكل أمراض، أو إنهاك، أو فقدان تدريجي للقدرة على التحمّل. الحرب، بهذا المعنى، لا تنتهي عندما يصمت السلاح. وفهم ما يحدث داخلنا هو بداية استعادة شيء من السيطرة. ليس لإلغاء الأثر، بل للحدّ منه، ومنع تحوّله إلى قدر صامت. الكاتب: حيدر عقل * أستاذ جامعي في علم المناعة الاربعاء 20 ايار 2025 المصدر: الاخبار  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى