عين على العدو

تركيا وإسرائيل.. من منافسة السلاح إلى صراع النفوذ

تركيا وإسرائيل.. من منافسة السلاح إلى صراع النفوذ

 


الأرقام الجديدة للصناعات الدفاعية التركية لا تختصر حكايتها في ارتفاع الصادرات إلى نحو 11 مليار دولار، بل تكشف تحوّلًا أعمق في بنية القوة الإقليمية: تركيا لم تعد دولة تشتري التكنولوجيا العسكرية وتسعى إلى تقليص تبعيتها للخارج، بل تتحول تدريجيًا إلى مركز إنتاج وتسليح قادر على اقتحام الأسواق التي شكّلت طويلًا إحدى ساحات النفوذ الإسرائيلي. هنا تحديدًا تصبح المسألة أبعد من سباق تجاري على عقد لطائرة مسيّرة أو منظومة تسليح؛ فالسلاح في العلاقات الدولية ليس سلعة محايدة، وإنما بوابة إلى النفوذ والتحالفات والتدريب والعقود طويلة الأجل. وكل موطئ قدم تركي جديد في أوروبا أو داخل دول الناتو يعني، بصورة أو بأخرى، تمددًا لأنقرة داخل مساحة استراتيجية ترى إسرائيل أنها جزء من عمقها السياسي والأمني.

صحيح أن إسرائيل ما زالت تتقدم بفارق واضح في القيمة الإجمالية للعقود، وتحتفظ بتفوق نوعي في قطاعات شديدة الحساسية، وفي مقدمتها الصواريخ والدفاع الجوي والرادارات والحرب الإلكترونية؛ لكن الخطر الذي تراه تل أبيب لا يكمن في صورة السوق الراهنة بقدر ما يكمن في سرعة تغيّرها. فتركيا تنافس بمعادلة مختلفة: كلفة أقل، قدرة أكبر على الإنتاج الكمي، سرعة في التسليم، وتوسع متسارع في المسيّرات والذخائر والمنصات العسكرية. وفي سوق تسليح عالمية تتجه نحو الإنتاج الواسع وتعويض المخزونات المستنزفة، لم تعد الأفضلية التكنولوجية وحدها كافية؛ إذ أصبحت القدرة على إنتاج آلاف القطع بسرعة وبأسعار قابلة للتحمل عنصر قوة يوازي امتلاك المنظومة الأكثر تطورًا.

من هنا، تنتقل العلاقة التركية ـ الإسرائيلية تدريجيًا من التنافس إلى الصراع على المكانة. فالبلدان لا يتقاطعان في سوق السلاح وحدها، بل في الجغرافيا ذاتها: شرق المتوسط، سوريا، أوروبا، فضاء الناتو، وأسواق إقليمية تبحث عن شركاء أمنيين جدد. وكلما اتسعت الصناعة الدفاعية التركية، ازدادت قدرة أنقرة على تحويل المنتج العسكري إلى نفوذ سياسي؛ فالدولة التي تبيع المسيّرة والذخيرة والسفينة والمنظومة الإلكترونية لا تبيع الحديد وحده، بل تبني معها شبكة مصالح واعتماد وعلاقات عسكرية تمتد لسنوات. ولذلك يمكن قراءة القلق الإسرائيلي من الصعود التركي باعتباره قلقًا من ولادة منافس استراتيجي مكتمل الأدوات، يجمع بين الجغرافيا والجيش والصناعة والسوق والعضوية في الناتو.

وعليه، فإن الرقم التركي الجديد ليس مجرد خبر اقتصادي، بل مؤشر إلى إعادة توزيع بطيئة لموازين القوة. إسرائيل لا تواجه تركيا التي كانت تعتمد بصورة واسعة على الخارج في تسليحها قبل عقدين، بل دولة بنت قاعدة صناعية تتوسع عامًا بعد آخر وتحاول الانتقال من تصنيع احتياجاتها إلى تشكيل احتياجات الآخرين. وإذا استمر هذا المسار، فلن يكون السؤال فقط عمّن يبيع سلاحًا أكثر، بل من يستطيع تحويل صناعة السلاح إلى مجال نفوذ أوسع. عند تلك النقطة تحديدًا تصبح المنافسة الاقتصادية غطاءً لصراع استراتيجي أشمل؛ لأن أنقرة وتل أبيب لم تعودا تتزاحمان على الزبون نفسه فحسب، بل على الموقع نفسه داخل هندسة القوة الجديدة في المنطقة ومحيطها الأوروبي.


عباس المعلم – كاتب سياسي


https://www.facebook.com/wakalanewsPage

https://www.facebook.com/groups/WakalanewsGroup/

https://x.com/wakalanews_

https://t.me/wakalanewsOfficialhttps://www.instagram.com/wakalanews?stkn=MTh1cWwyN2ZhOHAxcA==

wakalanews.com — متابعة الخبر
بقلم:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى