العرب والعالم

​بين القبلتين والمضيقين: الجغرافيا الثابتة وتحولات القدر الإستراتيجي

​بين القبلتين والمضيقين: الجغرافيا الثابتة وتحولات القدر الإستراتيجي

 


​بقلم: د. شريف نور الدين


 

​المقدمة

​لم تكن المعركة يوماً مجرد نزاعٍ عابر على خطوط الملاحة أو صراعٍ طارئ على مواقع النفوذ السياسي، بل هي جولة جديدة في صراعٍ حضاري وأيديولوجي ممتد منذ أربعة عشر قرناً.

من صليل السيوف عند حدود المشرق الأولى إلى صواريخ المسيرات اليوم فوق هرمز وباب المندب، تظل الجغرافيا هي المسرح الثابت والزمن هو المتغير، فيما المضمون واحد:
صراع الإرادات بين الحق والباطل، وبين مركزية “القبلتين” (مكة والقدس) في الوجدان الإلهي للأمة وبين محاولات الهيمنة والاستلاب.

إن ربط المضايق الحاكمة بالمقدسات السامية ليس خياراً سياسياً طارئاً، بل هو استدعاء لسنن التاريخ والقدر؛ حيث يُرسم مصير الأمة دائماً عند حدود ثغورها وممراتها الحيوية.

 

​أولاً: الجغرافيا الثابتة وشواهد التاريخ:

(من ثغور صدر الإسلام إلى مضايق اليوم)​تاريخياً، أدرك الفكر الإستراتيجي الإسلامي منذ القرن الأول الهجري (القرن السابع الميلادي) أن صيانة المركز الروحي والسياسي في مكة والمدينة والقدس لا يمكن أن تتحقق إلا بالسيطرة على الثغور والمنافذ البحرية والبرية الحاكمة.

​معركة ذات السوارى وثغور البحر: عندما خرج الأسطول الإسلامي الأول في عرض البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، لم يكن الهدف مجرد التوسع، بل تأمين الشواطئ والممرات ضد تهديدات الإمبراطورية البيزنطية، ولربط الأمن القومي للقبلة الأولى (القدس) بحماية الممرات المائية.

​عمق البحر الأحمر وباب المندب: ومنذ بزغ فجر الاسلام كانت السيطرة على خطوط التجارة البحرية في البحر الأحمر وإحكام الضبط على مضيق باب المندب والدول المتتابعة شرطاً أساسياً لضمان عدم تطويق شبه الجزيرة العربية ومكة المكرمة من الجنوب.

​واليوم، يعود التاريخ بنسخة حديثة عبر “نقاط الاختناق الجيوسياسية”:

**​مضيق هرمز: النقطة التي يتقاطع فيها صراع الإرادات بين واشنطن وطهران، وحجم التأثير الإيراني على أمن الطاقة العالمي.

**​مضيق باب المندب: الساحة التي تتشابك فيها حرب التحالف والحوثيين، والممر الحاكم لحركة الملاحة عبر البحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس.

​ثانياً: حروب الممرات والتضليل الميداني

​تُظهر التطورات الأخيرة على ساحة باب المندب والمخا كيف تتحول “الممرات الحاكمة” إلى هدف أول للعمليات العسكرية، وكيف ترافقها حرب إعلامية تهدف إلى صناعة الانطباع الميداني وتزييف الواقع.

إن التراجع في الخطاب الميداني وتغيير أولويات المراحل العسكرية يعكسان حجم التعقيد والمقاومة الحقيقية التي تبديها القوى الفاعلة على الأرض.

​إن استهداف المجمعات النفطية والحيوية (كما في مصافي جدة) واستهداف خطوط الملاحة قبالة المضايق الضيقة ليس مجرد أحداث عابرة، بل هو تطبيق عملي إستراتيجي لنظرية “الردع غير المتماثل”؛ حيث يتم تحويل الثقل الاقتصادي والنفطي للخصم إلى نقطة ضعف قاتلة يمكن الضغط عليها لإعادة رسم موازين القوى في الإقليم.

​ثالثاً: التوازنات الإقليمية وحرب الإرادات

في هذا السياق المتوتر، تأتي التحركات الدبلوماسية الإيرانية باتجاه العواصم الخليجية (كالدوحة) لتؤكد أن إيران تسعى لإدارة الصراع على مستويين متوازيين:

​مستوى الردع الميداني والتكتيكي: عبر دعم حلفائها وتثبيت نقاط القوة على طول قوس المضايق (من هرمز إلى باب المندب).

​مستوى الدبلوماسية الوقائية: يأتي التحرك في سباق تفادي وقوع حرب شاملة، واحتواء التصعيد الإقليمي بما يخدم خياراتها الإستراتيجية طويلة المدى.

​وفي المقابل، تقف واشنطن وحليفها الإسرائيلي ومن خلفهم حكام وامراء الخليج أمام معضلة تعدد الجبهات وتلاحم الميادين؛ حيث تعكس تصريحات القيادات العسكرية والسياسية حجم القلق والارتباك من تقاطع جبهات البحر الأحمر مع جبهات الداخل الفلسطيني، لا سيما في المحطات التاريخية والمفصلية كذكرى طوفان الأقصى والانتخابات.

 

​الخاتمة

في هذه اللحظة التاريخية والمفصلية، يلتقي البعد الإلهي بالواجب الإستراتيجي؛ فلا انفصال بين أمن القبلتين وحماية المضيقين.

إنها معادلة الوجود التي صاغتها القرون الأربعة عشر الماضية: من فرّط في ثغوره وممراته وضاعت منه بوصلة قدسه ومكته، آل أمره إلى الشتات والتبعية.

واليوم، ورغم زخم التضليل وحروب الوكالة ودخان الحرائق، تبقى الحقيقة الأيديولوجية الثابتة أن الصراع على الطريق والموقع هو صراع على المصير والإيمان.

وكما شهد التاريخ نهايات العروش والممالك المستكبرة عند هذه الثغور، فإن البشارة الممتدة عبر الزمن تظل حاسمة لا تتغير:

​”وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ”

 


https://www.facebook.com/wakalanewsPage

https://www.facebook.com/groups/WakalanewsGroup/

https://x.com/wakalanews_https://t.me/wakalanewsOfficial

https://www.instagram.com/wakalanews?stkn=MTh1cWwyN2ZhOHAxcA==

wakalanews.com — متابعة الخبر
بقلم:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى